مع سورة المطففين

خالد سعد النجار

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»، وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ»، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ».

  • التصنيفات: التفسير -

{بسم الله الرحمن الرحيم}

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَفِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ»، وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ «صَحِيحِهِ»، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي «جَامِعِهِ».

وَسُمِّيَتْ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْمَصَاحِفِ «سُورَةَ الْمُطَفِّفِينَ» اخْتِصَارًا.

قال الْمَهَايِمِيُّ: سميت به دلالة على أن من أخلّ بأدنى حقوق الخلق، استحق أعظم ويل من الحق. فكيف من أخل بأعظم حقوق الحق، من الإيمان به وبآياته ورسله؟ [تفسير القرآن الكريم المسمى «تبصير الرحمن وتيسير المنان» لعلي بن أحمد ‌ الْمَهَايِمِيّ]

وهي مكية على الأظهر. فإن سياقها يؤيد أنها كأخواتها اللائي نزلن بمكة، لا سيما خاتمتها، فإنها صفات المستهزئين الذين كانوا بمكة. وحملها على المنافقين بالمدينة بعيد، إذ لم يبلغ بهم الحال ذلك.

وأما ما رواه النسائي وابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ ‌كَانُوا ‌مِنْ ‌أَخْبَثِ ‌النَّاسِ ‌كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ» [حسنه الألباني]

فمعنى الإنزال -في إطلاق السلف- لا يكون مقصورا على أن كذا سبب النزول. بل إن كذا مما نزل فيه ذلك.

كأنّ أهل المدينة تلي عليهم ما سبق إنزاله في مكة. وقيل لهم: أنزل الله حظر ما أنتم عليه والوعيد فيه. فأقلعوا. وهذا ظاهر لمن له أنس بعلم الآثار وملكة فيه.

ومنه يعلم قول بعضهم: نزلت بمكة إلا قصة التطفيف.

وقول آخر: إن كل نوع من المكيّ والمدنيّ منه آيات مستثناة- منشؤه الحيرة في المطابقة بين ظاهر ما يتبادر من المأثور في سبب النزول، وبين ما يدل عليه السياق من خلافه. وبالوقوف على عرف السلف يزول الإشكال ويتضح الحال.

وقال ابن عاشور: وَمِنَ اللَّطَائِفِ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِأَنَّ التَّطْفِيفَ كَانَ فَاشِيًا فِي الْبَلَدَيْنِ.

وَقَدْ حَصَلَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّهَا: إِمَّا آخِرُ مَا أُنْزِلَ بِمَكَّةَ، وَإِمَّا أَوَّلُ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَوْلٌ حَسَنٌ.

وروى ابن أبي حاتم عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلًا أهل مكة أو أهل المدينة قال: حُقَّ لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}.

 

{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)}

{وَيْلٌ} أي هلاك لهم، كَلِمَةُ دُعَاءٍ بِسوء الْحَال.

وكلمة {ويل} تكررت في القرآن كثيراً، وهي على الأصح كلمة وعيد يتوعد الله -سبحانه وتعالى- بها من خالف أمره، أو ارتكب نهيه على الوجه المفيد في الجملة التي بعدها، فهنا يقول عز وجل: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} فمن هؤلاء المطففون؟ هؤلاء المطففون فسرتهم الآيات التي بعدها فقال: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.

** قال الأصفهاني: ومن قال: وَيْلٌ واد في جهنم، فإنه لم يرد أن (ويلا) في اللغة هو موضوع لهذا. وإنما أراد: من قال الله تعالى ذلك فيه، فقد استحق مقرّا من النار.

** ولفظ {وَيْلٌ} مِنْ بَرَاعَةِ الِاسْتِهْلَالِ في الوعيد، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ} [المسد:1].

{لِلْمُطَفِّفِينَ} التطفيف: التَّنْقِيصُ مِنَ الطَّفِيفِ، وَهُوَ الشَّيْءُ الْقَلِيلُ النزر.

وَالتَّطْفِيفُ أيضا: النَّقْصُ عَنْ حَقِّ الْمِقْدَارِ فِي الْمَوْزُونِ أَوِ الْمَكِيلِ، وَالطُّفَافُ مَا قَصُرَ عَنْ مَلْءِ الْإِنَاءِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ طَعَامٍ، وَيُقَالُ: الْطَفُّ، وَيطْلَقُ عَلَى مَا تَجَاوَزَ حَرْفَ الْمِكْيَالِ مِمَّا يُمْلَأُ بِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ شَيْئًا قَلِيلًا زَائِدًا عَلَى مَا مَلَأَ الْإِنَاءَ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ طُفَافَةً، أَيْ قَلِيلُ زِيَادَةٍ. فالْمُطَفِّفَ يُحَاوِلُ ويتكلف أَنْ يَنْقُصَ الْكَيْلَ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ الْمُكْتَالُ، وَيُقَابِلُهُ: الْوَفَاءُ.

والمطفف: المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن. ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم سواء كطف الصاع. يعني بذلك كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء.

وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ تُجَّارًا، وَكَانَ فِي يَثْرِبَ تُجَارٌ أَيْضًا وَفِيهِمُ الْيَهُودُ مِثْلُ أَبِي رَافِعٍ، وَكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ تَاجِرَيْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَكَانَتْ تِجَارَتُهُمْ فِي التَّمْرِ وَالْحُبُوبِ. وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَتَعَامَلُونَ بِالْوَزْنِ لِأَنَّهُمْ يَتَّجِرُونَ فِي أَصْنَافِ السِّلَعِ وَيَزِنُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَأَهْلُ يَثْرِبَ يَتَعَامَلُونَ بِالْكَيْلِ.

وَالْآيَةُ تُؤْذِنُ بِأَنَّ التَّطْفِيفَ كَانَ مُتَفَشِّيًا فِي الْمَدِينَةِ فِي أَوَّلِ مُدَّةِ الْهِجْرَةِ وَاخْتِلَاطُ الْمُسْلِمِينَ بِالْمُنَافِقِينَ يُسَبِّبُ ذَلِكَ.

وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ يَثْرِبَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ].

وَكَانَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالتَّطْفِيفِ فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنَّى أَبَا جُهَيْنَةَ وَاسْمُهُ عَمْرٌو كَانَ لَهُ صَاعَانِ يَأْخُذُ بِأَحَدِهِمَا وَيُعْطِي بِالْآخَرِ.

 {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} اشْتَرَوْا مِنَ النَّاسِ مَا يُبَاعُ بِالْكَيْلِ {يَسْتَوْفُونَ} أي إذا أخذوا الكيل من الناس يأخذونه وافيا وزائدا. على إيهام أن بذلك تمام الكيل. وإذا فعلوا ذلك في الكيل الذي هو أجلّ مقدارا، ففي الوزن بطريق الأولى.

وَالِاسْتِيفَاءُ أَخْذُ الشَّيْءِ وَافِيًا، فَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجَابَ.

** وإيثار {عَلَى} على (من) للإشارة إلى ما فيه عملهم المنكر من الاستعلاء والقهر. شأن المتغلب المتحامل المتسلط، الذي لا يستبرئ لدينه وذمته.

 {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} بَاعُوا لِلنَّاسِ مَكِيلًا أو وزنا {يُخْسِرُونَ} يُوقِعُونَ الَّذِينَ كَالُوا لَهُمْ أَوْ وَزَنُوا لَهُمْ فِي الْخَسَارَةِ، وَالْخَسَارَةُ النَّقْصُ مِنَ المَال من التَّبَايُعِ.

 

أي إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم، ينقصونهم حقهم الواجب لهم، وهو الوفاء والتمام.

وَحَسْبُهُمْ أَنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا وَاخْتِلَاسًا وَلُؤْمًا، وَالْعَرَبُ كَانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخلال متفرّقة ويتبرؤون مِنْهَا، ثُمَّ يَأْتُونَهَا مُجْتَمِعَةً، وَنَاهِيكَ بذلك أفنا.

** وَأَصْلُهُ «كَالُوا لَهُمْ» وَ «وَزَنُوا لَهُمْ»، كَمَا حُذِفَتِ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ} [البقرة:233] أَيْ تَسْتَرْضِعُوا لِأَوْلَادِكُمْ، وَهُوَ حَذْفٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُكَ وَشَكَرْتُكَ، أَصْلُهُمَا نَصَحْتُ لَكَ وَشَكَرْتُ لَكَ، وَلِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ عَلَى اللِّسَانِ خَفَّفُوهُ فَقَالُوا: كَالَهُ وَوَزَنَهُ طَعَامًا عَلَى الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ.

** وَالِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ: {إِذَا اكْتالُوا} دُونَ أَنْ يَقُولَ: «وَإِذَا اتَّزَنُوا» كَمَا قَالَ: {وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} اكْتِفَاءٌ بِذِكْرِ الْوَزْنِ فِي الثَّانِي تَجَنُّبًا لِفِعْلِ: «اتَّزَنُوا» لِقِلَّةِ دَوَرَانِهِ فِي الْكَلَامِ فَكَانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ.

وَلِنُكْتَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمُطَفِّفِينَ هُمْ أَهْلُ التَّجْرِ وَهُمْ يَأْخُذُونَ السِّلَعَ مِنَ الْجَالِبِينَ فِي الْغَالِبِ بِالْكَيْلِ لِأَنَّ الْجَالِبِينَ يَجْلِبُونَ التَّمْرَ وَالْحِنْطَةَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يُكَالُ وَيَدْفَعُونَ لَهُمُ الْأَثْمَانَ عَيْنًا بِمَا يُوزَنُ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مَسْكُوكَيْنِ أَوْ غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ فِي ابْتِيَاعِهِمْ مِنَ الْجَالِبِينَ عَلَى الِاكْتِيَالِ نَظَرًا إِلَى الْغَالِبِ، وَذَكَرَ فِي بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتَاعِينَ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ لِأَنَّهُمْ يَبِيعُونَ الْأَشْيَاءَ كَيْلًا وَيَقْبِضُونَ الْأَثْمَانَ وَزْنًا.

** قال في «الإكليل»: في الآية ذم التطفيف والخيانة في الكيل والوزن. أي لأنه من المنكر فهو من المحظورات أشد الحظر، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل في الأخذ والدفع، ولو في القليل. لأن من دنؤت نفسه إلى القليل دل على فساد طويته وخبث ملكته، وأنه لا يقعده عن التوثب إلى الكثير إلا عجز أو رقابة. [الإكليل في استنباط التنزيل، جلال الدين السيوطي]

** وَالتَّقْدِيمُ فِي افْتِتَاحِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالْوَيْلِ لِلْمُطَفِّفِينَ، يُشْعِرُ بِشِدَّةِ خَطَرِ هَذَا الْعَمَلِ، وَهُوَ فِعْلًا خَطِيرٌ; لِأَنَّهُ مِقْيَاسُ اقْتِصَادِ الْعَالَمِ وَمِيزَانُ التَّعَامُلِ، فَإِذَا اخْتَلَّ أَحْدَثَ خَلَلًا فِي اقْتِصَادِهِ، وَبِالتَّالِي اخْتِلَالٌ فِي التَّعَامُلِ، وَهُوَ فَسَادٌ كَبِيرٌ.

وَأَكْبَرُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وُجُودُ الرِّبَا إِذَا بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، وَحَصَلَ تَفَاوُتٌ فِي الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ.

وَفِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة:279].

وَلِذَا فَقَدَ وَرَدَ ذِكْرُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، وَالْحَثُّ عَلَى الْعِنَايَةِ بِهِمَا فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ، بِعِدَّةِ أَسَالِيبَ مِنْهَا الْخَاصُّ وَمِنْهَا الْعَامُّ.

فَقَدْ وَرَدَ فِي «الْأَنْعَامِ» وَ «الْأَعْرَافِ» وَ «هُودٍ» وَ «بَنِي إِسْرَائِيلَ» وَ «الرَّحْمَنِ» وَ «الْحَدِيدِ»، أَيْ: فِي سِتِّ سُوَرٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

فقال تعالى:

1/ الموضع الأول في قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام:152]

والْأَمْرَ هُنَا بِقَدْرِ الْوُسْعِ، وَمَنْ أَخَلَّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعَدِّي لَا حَرَجَ عَلَيْهِ. فَكَأَنَّ الْآيَةَ هُنَا تَقُولُ: تَحَرَّوْا بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ مِنَ التَّطْفِيفِ وَلَوْ يَسِيرًا. وَبَعْدَ بَذْلِ الْجُهْدِ {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، وَهَذَا غَايَةٌ فِي التَّحَرِّي مَعَ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ وَالتَّوَعُّدِ بِالْوَيْلِ، وَإِذَا كَانَ الْوَعِيدُ بِالْوَيْلِ عَلَى الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، فَمَا فَوْقَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

وَلَمْ يَذْكُرْ هُنَا عُقُوبَةً لِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِالْوَيْلِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ في سورة المطففين.

2/ الْمَوْضِعُ الثَّانِي فِي سُورَةِ «الْأَعْرَافِ» مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:85].

فَاقْتَرَنَ الْأَمْرُ بِالْوَفَاءِ بِالْكَيْلِ بِالْأَمْرِ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ; لِأَنَّ فِي الْأَمْرَيْنِ إِعْطَاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ مَا نَقْصٍ.

وَبَيِّنَ أَنَّ فِي عَدَمِ الْإِيفَاءِ الْمَطْلُوبِ بَخْسَ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ، وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا.

3/ الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ فِي سُورَةِ «هُودٍ»، وَمَعَ شُعَيْبٍ أَيْضًا: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} [هود:84-86] .

وَبِنَفْسِ الْأُسْلُوبِ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ، رَبَطَهُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَتَكْرَارِ الْأَمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ: {وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ}، ثُمَّ: {أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} نَهْيٌ عَنْ نَقْصِهِ، وَأَمْرٌ بِإِيفَائِهِ، نَصَّ عَلَى الْمَفْهُومِ بِالتَّأْكِيدِ: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} مَعَ التَّوْجِيهِ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُمْ.

4/ الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ فِي سُورَةِ «بَنِي إِسْرَائِيلَ»: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء:35]

فَمَعَ ضَرُورِيَّاتِ الْحَيَاةِ من حِفْظُ النَّفْسِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ يَأْتِي الْحِفَاظُ عَلَى الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.

5/ الْمَوْضِعُ الْخَامِسُ فِي سُورَةِ «الشُّورَى» وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَجَعَلَهُ مَقْرُونًا بِإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى:17]. الْمِيزَانُ هَنَا مُرَادٌ بِهِ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُتَضَمِّنٌ آلَةَ الْوَزْنِ وَزِيَادَةً.

6/ الموضع السادس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ «الرَّحْمَنِ»: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} [الرحمن:7]، مُقَابَلَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ رَفْعِ السَّمَاءِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ وَعَدْلٌ وَقُدْرَةٌ، وَالْمِيزَانُ وَضَعَهُ فِي الْأَرْضِ، لِتَقُومُوا بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَبِهَذَا الْعَدْلِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

7/ الموضع السابع: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ} [الرحمن:9]

8/ الموضع الثامن فِي سُورَةِ «الْحَدِيدِ» اقْتِرَانُ الْمِيزَانِ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد:25]

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ الْكِتَابِ هُوَ مِيزَانُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍ، وَعَدَمُ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ.

فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَعَمَّ وَأَشْمَلَ آيَاتِ الْوَفَاءِ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، بِمَثَابَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58].

وَقَدْ جَمَعَ لَفْظَ الْأَمَانَةِ; لِيَعُمَّ بِهِ كُلَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْتَمَنَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ هُنَا الْمِيزَانُ مَعَ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَبِهِ يَسْتَوْفِي كُلُّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ فِي أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَامُلِ، فَكُلُّ مَنْ غَشَّ فِي سِلْعَةٍ أَوْ دَلَّسَ أَوْ زَادَ فِي عَدَدٍ، أَوْ نَقَصَ أَوْ زَادَ فِي ذَرْعٍ، أَوْ نَقَصَ فَهُوَ مُطَفِّفٌ لِلْكَيْلِ، دَاخِلٌ تَحْتَ الْوَعِيدِ بِالْوَيْلِ.

فَمَنْ بَاعَ ذَهَبًا مَثَلًا عَلَى أَنَّهُ صَافٍ مِنَ الْغِشِّ وَزْنَ دِرْهَمٍ، وَفِيهِ مِنَ النُّحَاسِ عُشْرُ الدِّرْهَمِ، فَقَدْ نَقَصَ وَطَفَّفَ لِنَفْسِهِ، فَأَخَذَ حَقَّ دِرْهَمٍ كَامِلٍ ذَهَبًا، وَنَقَصَ حَيْثُ أَعْطَى دِرْهَمًا إِلَّا عَشْرًا.

وَمَنْ بَاعَ رِطْلًا سَمْنًا وَفِيهِ عُشْرُ الرِّطْلِ شَحْمًا، فَقَدْ طَفَّفَ بِمِقْدَارِ هَذَا الْعُشْرِ لِنَفْسِهِ، وَنَقَصَ وَبَخَسَ الْمُشْتَرِي بِمِقْدَارِ ذَلِكَ.

وَهَكَذَا مَنْ بَاعَ ثَوْبًا عَشْرَ أَمْتَارٍ وَهُوَ يَنْقُصُ رُبُعَ الْمِتْرِ، فَقَدْ طَفَّفَ وَبَخَسَ بِمِقْدَارِ هَذَا الرُّبُعِ.

وَهَكَذَا فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ الْأَوْلَادِ، وَبَيْنَ الْأَهْلِ، وَكُلَّ مَا فِيهِ عَطَاءٌ وَأُخِذَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

** فهؤلاء المطففين جمعوا بين الأمرين، بين الشح والبخل، الشح: في طلب حقهم كاملاً بدون مراعاة أو مسامحة، والبخل: بمنع ما يجب عليهم من إتمام الكيل والوزن، وهذا المثال الذي ذكره الله -عز وجل- في الكيل والوزن هو مثال، فيقاس عليه كل ما شبهه، فكل من طلب حقه كاملاً ممن هو عليه ومنع الحق الذي عليه فإنه داخل في الآية الكريمة، فمثلاً الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقه كاملاً ولا يتهاون في شيء من حقه، لكنه عند أداء حقها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، من النفقة والعشرة بالمعروف وغير ذلك، وما أكثر ما تشكي النساء من هذا الطراز من الأزواج والعياذ بالله.

وظلم الناس أشد من ظلم الإنسان نفسه في حق الله؛ لأن ظلم الإنسان نفسه في حق الله تحت المشيئة إذا كان دون الشرك، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الادميين لابد أن يوفى.

فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ، وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: ‌إِنَّ ‌الْمُفْلِسَ ‌مِنْ ‌أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ». [مسلم]

فالنصيحة لهؤلاء الذين يفرطون في حق أزواجهم أن يتقوا الله عز وجل فإن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أوصى بذلك في أكبر مجمع شهده العالم الإسلامي في حياة الرسول -عليه الصلاة والسلام- في يوم عرفة في حجة الوداع، قال: (فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، ‌وَاسْتَحْلَلْتُمْ ‌فُرُوجَهُنَّ ‌بِكَلِمَةِ ‌اللهِ) [مسلم]، وقال: (أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّمَا هُنَّ ‌عَوَانٍ ‌عِنْدَكُمْ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ) [الترمذي، وحسنه الألباني] أي بمنزلة الأسرى لأن الأسير إن شاء فكه الذي أسره وإن شاء أبقاه، والمرأة عند زوجها كذلك إن شاء طلقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده فليتق الله فيها.

كذلك أيضاً نجد بعض الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقه على التمام لكنه مفرط في حقهم، فيريد من أولاده أن يبروه ويقوموا بحقه، أن يبروه في المال، وفي البدن، وفي كل شيء يكون به البر، لكنه هو مضيع لهؤلاء الأولاد، غير قائم بما يجب عليه نحوهم، نقول هذا مطفف، -كما نقول في المسألة الأولى في مسألة الزوج مع زوجته- ونقول له تذكر قول الله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.

{أَلَا يَظُنُّ} الظَّنُّ هنا: مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ الْمَشْهُورِ وَهُوَ: اعْتِقَاد وُقُوع الشَّيْء اعْتِقَادًا رَاجِحًا.

 

والمعنى: ألا يتيقن هؤلاء ويعلموا علم اليقين؛ لأن الظن هنا بمعنى اليقين، والظن بمعنى اليقين يأتي كثيراً في القرآن مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:46].

{أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} من قبورهم بعد مماتهم {لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} عظيم الهول جليل الخطب، كثير الفزع، من خسر فيه أدخل نارا حامية.

فهذا اليوم عظيم -ولا شك أنه عظيم- كما قال تعالى: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] عظيم في طوله، في أهواله، فيما يحدث فيه، في كل معنى تحمله كلمة عظيم، لكن هذا العظيم هو على قوم عسير، وعلى قوم يسير، قال تعالى:

{فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر:9-10]

{وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً} [الفرقان:26]

{مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ} [القمر:8].

لكنه بالنسبة للمؤمنين -جعلنا الله منهم- يسير كأنما يؤدي به صلاة فريضة من سهولته عليه ويسره عليه، لاسيما إذا كان ممن استحق هذه الوقاية العظيمة، وكان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فهذا اليوم عظيم لكنه بالنسبة للناس يكون يسيراً ويكون عسيراً.

{يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} يقومون حفاة عراة غرلًا [غير مختونين] في موقف صعب حرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه، فيغشى المجرم فيه من الهول، ما يود الافتداء بكل مستطاع.

قال ابن عثيمين: يقومون من قبورهم حفاة ليس لهم نعال ولا خفاف، عراة ليس عليهم ثياب لا قُمص ولا سراويل ولا أزر ولا أردية، (غرلاً) أي غير مختونين بمعنى أن القلفة التي تقطع في الختان تعود يوم القيامة مع صاحبها، كما قال الله تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:104].

ويعيده الله -عز وجل- لبيان كمال قدرته تعالى، وأنه يعيد الخلق كما بدأهم، والقلفة إنما قطعت في الدنيا من أجل النزاهة عن الأقذار؛ لأنها إن بقيت فإنه ينحبس فيها شيء من البول وتكون عرضة للتلويث، لكن هذا في الآخرة لا حاجة إليه؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف بل هي دار جزاء، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد يكلف فيها امتحاناً كما قال تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} [القلم:42-43].

 فالناس يقومون على هذا الوصف حفاة، عراة، غرلاً. وفي بعض الأحاديث (بُهماً) [أي ليس معهم شيءٌ] قال العلماء: البهم يعني الذين لا مال معهم، ففي يوم القيامة لا مال يفدي به الإنسان نفسه من العذاب في يوم القيامة، ليس هناك ابن يجزي عن أبيه شيئاً، ولا أب يجزي عن ابنه شيئاً، ولا صاحبة ولا قبيلة كلٌّ يقول: نفسي نفسي. {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:37]. نسأل الله تعالى أن يعيننا على أهواله وأن ييسره علينا.

وعن مالك عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {يَوْمَ ‌يَقُومُ ‌النَّاسُ ‌لِرَبِّ ‌الْعَالَمِينَ} [المطففين:6] قَالَ: «يَقُومُ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ». [البخاري]

وفي رواية أحمد عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ({يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:6]، لِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ تبارك وتعالى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ‌حَتَّى ‌إِنَّ ‌الْعَرَقَ ‌لَيُلْجِمُ ‌الرِّجَالَ ‌إِلَى ‌أَنْصَافِ آذَانِهِمْ) [صحيح]

وفي رواية صحيحة لأحمد عن سُلَيْم بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قِيدَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ. قَالَ: فَتَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمْ ‌مَنْ ‌يَأْخُذُهُ ‌إِلَى ‌عَقِبَيْهِ، ‌وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حَِقْوَيْهِ [جَنْبيه]، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا).

وفي رواية لأحمد أيضا بسند قوي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (‌تَدْنُو ‌الشَّمْسُ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌عَلَى ‌قَدْرِ ‌مِيلٍ، ‌وَيُزَادُ فِي حَرِّهَا كَذَا وَكَذَا، يَغْلِي مِنْهَا الْهَامُ كَمَا تَغْلِي الْقُدُورُ، يَعْرَقُونَ فِيهَا عَلَى قَدْرِ خَطَايَاهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى سَاقَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى وَسَطِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ).

ولأحمد عن أَبي عُشَّانَةَ حَيُّ بْنُ يُومِنَ الْمَعَافِرِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (تَدْنُو الشَّمْسُ ‌مِنَ ‌الْأَرْضِ ‌فَيَعْرَقُ ‌النَّاسُ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَبْلُغُ عَرَقُهُ عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْعَجُزَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ الْخَاصِرَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ مَنْكِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ وَسَطَ فِيهِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَأَلْجَمَهَا فَاهُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُشِيرُ هَكَذَا-، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغَطِّيهِ عَرَقُهُ). وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِشَارَةً [حديث صحيح]

وفي سنن أبي داود عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَفْتَتِحُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِيَامَ اللَّيْلِ فَقَالَتْ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ كَانَ إِذَا قَامَ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمِدَ اللَّهَ عَشْرًا، وَسَبَّحَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ عَشْرًا، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي» وَيَتَعَوَّذُ مِنْ ‌ضِيقِ ‌الْمَقَامِ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ. [قال الألباني: حسن صحيح]

** وفي تأثر الويل للمطففين بما ذكر في هاتين الآيتين. مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. ووجه ذلك، كما لخصه الشهاب، أن في ذكر الظن من التجهيل مع اسم الإشارة الدال على التبعيد، تحقيرا، ووصف يوم قيامهم بالعظمة، وإبدال {يَوْمَ يَقُومُ} منه، فإنه يدل على استعظام ما استحقروه. والحكمة اقتضت أن لا تهمل مثقال ذرة من خير وشر.

** وعنوان {رَبِّ الْعَالَمِينَ} للمالكية والتربية الدالة على أنه لا يفوته ظالم قويّ، ولا يترك حق مظلوم ضعيف، وَاللَّامُ فِي {الْعالَمِينَ} لِلِاسْتِغْرَاقِ.  

وفي تعظيم أمر التطفيف إيماء إلى العدل وميزانه، وأن من لا يهمل مثل هذا، كيف يهمل تعطيل قانون عدله في عباده؟ وناهيك بأنه وصفهم بصفات الكفرة. فتأمّل هذا المقام، ففيه ما تتحيّر فيه الأوهام.

** قال في أضواء البيان: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وَتَوْبِيخٌ لِهَؤُلَاءِ النَّاسِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:

الْأُولَى: أَنَّ الْبَاعِثَ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ هُوَ عَدَمُ الْيَقِينِ بِالْبَعْثِ، أَوِ الْيَقِينُ مَوْجُودٌ لَكِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ عَلَى غَيْرِ الْمُوقِنِينَ -أَيْ غَيْرِ مُبَالِينَ- كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى فِي الْبَلَاغَةِ بِلَازِمِ الْفَائِدَةِ:

جَاءَ شَقِيقٌ عَارِضًا رُمْحَهُ … إِنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِمَاحُ

فَالْمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أَنَّ شَقِيقًا عَالِمٌ بِوُجُودِ الرِّمَاحِ فِي بَنِي عَمِّهِ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ مَعَهُ، وَلَكِنَّهُ رَأَى مِنْهُ عَدَمَ الْمُبَالَاةِ وَعَدَمَ الِاسْتِعْدَادِ، بِأَنْ وَضَعَ رُمْحَهُ أَمَامَهُ مُعْتَرِضًا، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا يُؤَمِنُ بِوُجُودِ الرِّمَاحِ فِي بَنِي عَمِّهِ، وَهُوَ لَمْ يُرِدْ بِكَلَامِهِ مَعَهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِأَمْرٍ يَجْهَلُهُ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهُ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنَ التَّأَهُّبِ وَالِاسْتِعْدَادِ، وَهَكَذَا هُنَا، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مُسَوِّفٍ وَمُتَسَاهِلٍ كَمَا جَاءَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» إِلَخْ. أَيْ: وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} يُفْهَمُ أَنَّ مُطَفِّفَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ هَذَا حَقِيقَةً غَالِبًا، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الطَّرَفُ الْآخَرُ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى فِعْلِهِ، فَهُوَ الَّذِي سَيُحَاسِبُهُ وَيُنَاقِشُهُ، لِأَنَّهُ خَانَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ سُبْحَانَهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وَلَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يُقْتَصُّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ غَرِيمِهِ، وَيَسْتَوْفِي كُلُّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ.

تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ... قَالَ الْقُرْطُبِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ مَا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُطَفِّفِينَ، فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وَأَنْتَ تَأْخُذُ أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ؟ اهـ.

إِنَّهَا مَقَالَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُقَالَ لِكُلِّ آكِلٍ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَيًّا كَانَ هُوَ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ.

 

{كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)}

{كَلَّا} إِبْطَالٌ وَرَدْعٌ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ: {أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} مِنَ التَّعْجِيبِ مِنْ فِعْلِهِمُ التَّطْفِيفَ، وَالْمَعْنَى: كَلَّا بَلْ هُمْ مَبْعُوثُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَلِتَلَقِّي قَضَاءِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَهِيَ جَوَابٌ عَمَّا تَقَدَّمَ.

قال ابن عثيمين: {كلا} إذا وردت في القرآن لها معانٍ حسب السياق، قد تكون حرف ردع وزجر، وقد تكون بمعنى «حقًّا»، وقد يكون لها معانٍ أخرى يعينها السياق؛ لأن الكلمات في اللغة العربية ليس لها معنى ذاتي لا تتجاوزه، بل كثير من الكلمات العربية لها معانٍ تختلف بحسب سياق الكلام، وفي هذه الآية يقول الله -عز وجل-: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} فتحتمل أن تكون بمعنى «حقًّا» إن كتاب الفجار لفي سجين، أو تكون بمعنى: الردع عن التكذيب بيوم الدين.

{إِنَّ كِتَابَ} ما كتب فيه من عملهم السيء وأحصي عليهم {الْفُجَّارِ} إيثار المظهر للإشعار بوصف لهم ثان، وهو الفجور، بخروجهم عن حد العدالة المتفق عليها الشرع والعقل.

وَشُمُولُ عُمُومِ الْفُجَّارِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ الْمُطَفِّفِينَ مِنْهُمْ وَغَيْرَ الْمُطَفِّفِينَ يُعْنَى بِهِ أَنَّ الْمُطَفِّفِينَ مِنْهُمْ الْمَقْصُود الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ، لِأَنَّ ذِكْرَ هَذَا الْوَصْفِ وَالْوَعِيدِ عَلَيْهِ عَقِبَ كَلِمَةِ الرَّدْعِ عَنْ أَعْمَالِ الْمُطَفِّفِينَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْوَعِيدَ مُوَجَّهٌ إِلَيْهِمْ.

{لَفِي سِجِّينٍ} فعيل من السجن وهو: أشد الحبس والضيق، كما يقال: شريب وسكير ونحو ذلك. أو لأنه مطروح في أسفل مكان مظلم. فهو يجمع الضيق والسفول كما قال تعالى: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان:13]

وقال الأصفهاني: السجين اسم لجهنم بإزاء علّيّين. وزيد لفظه تنبيها على زيادة معناه.

وَهَذَا الِاسْمُ مِنْ مُصْطَلَحَاتِ الْقُرْآنِ لَا يُعْرَفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ قَبْلُ.

{وَمَا أَدْرَاكَ} الاستفهام هنا للتعظيم أو التهويل، أي ما الذي أعلمك بسجين؟ وهل بحثت عنه؟ وهل سألت عنه حتى يبين لك؟ والتعظيم قد يكون لعظمة الشيء رفعة وعلواً كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} [المطففين:18] وقد يكون لعظمة الشيء نزولاً، وهذا التعظيم في سجين ليس لرفعته وعلوه ولكنه لسفوله ونزوله.

** قيل إن كل شيء ذكره الله تعالى بقوله: {وَما أَدْراكَ} فسّره. وكل ما ذكره بقوله: {وَما يُدْرِيكَ} تركه مبهما.

وفي هذا الموضع ذكر {وَما أَدْراكَ} وكذا في قوله: {وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ} ثم فسّر الكتاب، لا السجين والعليون. لأن جُمْلَةُ و{َما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ} مُعْتَرِضَةٌ بَين جملَة: {إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ} وَجُمْلَةِ {كِتابٌ مَرْقُومٌ}

{مَا سِجِّينٌ} في مسند أحمد في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة المحتضر وما يكون بعد الموت قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟! فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلَا يُفْتَحُ لَهُ " ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف:40] فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: ‌اكْتُبُوا ‌كِتَابَهُ ‌فِي ‌سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا). [إسناده صحيح]

{كِتَابٌ مَرْقُومٌ} مسطور بيّن الكتابة، كِتَابَةً بَيِّنَةً تُشْبِهُ الرَّقْمَ فِي الثَّوْبِ الْمَنْسُوجِ، وَهَذَا الْوَصْفُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ مَا يُفِيدُهُ لَفْظُ كِتابٌ.

‌‌وقوله تعالى: {كِتَابٌ مَرْقُومٌ} ليس تفسيرًا لقوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ} -كما ذكرنا آنفا- وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلى سجين، فـ {كتاب} هذه لا تعود على سجين وإنما تعود على كتاب في قوله: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ}؛ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ أَيْ «كِتَابُ الْفُجَّارِ» كِتَابٌ مَرْقُومٌ مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد ولا ينقص منه أحد. قاله محمد بن كعب القرظي.

وقال القاشانيّ: {لَفِي سِجِّينٍ} في مرتبة من الوجود مسجون أهلها في حبوس ضيقة مظلمة أذلاء أخساء في أسفل مراتب الطبيعة ودركاتها. وهو ديوان أعمال أهل الشرّ ولذلك فسّر بقوله: {كِتابٌ مَرْقُومٌ} أي ذلك المحل المكتوب فيه أعمالهم، كتاب مرقوم برقوم هيئات رذائلهم وشرورهم.

{وَيْلٌ} الهلاك والدمار {يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} ‌‌ثم قال تعالى مفسرًا للمكذبين الفجار الكفرة {الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ} بيوم الحساب والمجازاة.

أي: لا يصدقون بوقوعه ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره. وبالتالي لا يمكن أن يستقيموا على شريعة الله. فلا يستقيم على شريعة الله إلا من آمن بيوم الدين؛ لأن من لم يؤمن به وإنما آمن بالحياة فقط، فهو لا يهتم بما ورائها، ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، والنار مثوى لهم. والله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائماً؛ لأن الإيمان بالله ابتداء والإيمان باليوم الآخر انتهاء. فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر.

وفيه إشعار بأن المطففين ممن يتناولهم هذا الوصف. لأن إصرارهم على التعدي والاجترام يدل على عدم الظن بالبعث.

{وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ} مجاوز طور الفطرة الإنسانية، بتجاوزه حد العدالة إلى الإفراط في أفعاله بالبغي والعدوان {أَثِيمٍ} أي مبالغ في ارتكاب أفانين الإثم وأنواع المعاصي. مُبَالَغَةٌ فِي الْآثِمِ، أَيْ كَثِيرُ الْإِثْمِ.

وقيل: الأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.

{إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا} يعني إذا تلاها عليه أحد، وهذا يدل على أن هذا الرجل لا يفكر أن يتلو آيات الله، ولكنها تتلى عليه، فإذا تليت عليه {قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} ما سطروه من الأحاديث والأخبار. يريد أنه ليس بوحي ربّاني، ولا تنزيل إلهيّ. مع نصوع بيانه وشواهد برهانه.

وَالْأَسَاطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وَهِيَ الْقِصَّةُ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُرَادَ الْقِصَّةُ الْمُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ الْقُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وَإِسْفِنْدِيَارَ، عِنْدَ الْفُرْسِ.

وَالْمُرَادُ بِالْأَوَّلِينَ: الْأُمَمُ السَّابِقَةُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُطْلَقُ عَلَى السَّابِقِ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ بِأَنَّهُ أَوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى ثَانٍ بَعْدَهُ وَإِنْ كَانَ هُوَ قَدْ سَبَقَتْهُ أَجْيَالٌ، وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَصِفُونَ الْقُرْآنَ بِذَلِكَ لِمَا سَمِعُوا فِيهِ مِنَ الْقِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إِلَيْهِمْ مَسَاقَ الْمَوْعِظَةِ وَالِاعْتِبَارِ، فَحَسِبُوهَا مِنْ قِصَصِ الْأَسْمَارِ. وَاقْتَصَرُوا عَلَى ذَلِكَ دُونَ مَا فِي أَكْثَرِ الْقُرْآنِ مِنَ الْحَقَائِقِ الْعَالِيَةِ وَالْحِكْمَةِ، بُهْتَانًا مِنْهُمْ.

وَمِمَّنْ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَكَانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وَقِصَّةَ إِسْفِنْدِيَارَ وَجَدَهَا فِي الْحِيرَةِ فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهَا فِي مَكَّةَ وَيَقُولُ: "أَنَا أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ مُحَمَّدٍ فَإِنَّمَا يُحَدِّثُكُمْ بِأَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ".

والحاصل أنه إذا سمع كلام الله تعالى يكذب به ويظن به ظن السوء فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى:

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [النحل:24]

{وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان:5].

قال ابن عاشور: وَمَعْنَى التَّكْذِيبِ بِـ «يَوْمِ الدِّينِ» التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.

فَالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ هُوَ مَنْشَأُ الْإِقْدَامِ عَلَى السَّيِّئَاتِ وَالْجَرَائِمِ، وَلِذَلِكَ أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: {وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ}

أَيْ أَنَّ تَكْذِيبَهُمْ بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خلق النَّاس وَتَكْلِيفِهِمْ إِذِ الْحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أَعْمَالِهِمْ وَحِفْظَ نِظَامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جَاءَتْهُمُ الشَّرَائِعُ آمِرَةً بِالصَّلَاحِ وَنَاهِيَةً عَنِ الْفَسَادِ. وَرَتَّبَ لَهُمُ الْجَزَاءَ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ بِالثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ، وَعَلَى أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالْعَذَابِ وَالْإِهَانَةِ. كُلٌّ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أَهْمَلَ الْخَالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقَاتِهِ وَأَهْمَلَ جَزَاءَ الصَّالِحِينَ وَالْمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ حِكْمَةِ الْخَلْقِ قَالَ تَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [الْمُؤْمِنُونَ:115-116].

وَقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ وَهِيَ: مُعْتَدٍ، أَثِيمٍ، يَقُولُ إِنَّ الْآيَاتِ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ.

{كَلَّا بَلْ} اعْتِرَاضٌ بِالرَّدْعِ وَبَيَانٌ لَهُ، لِأَنَّ كَلَّا رَدْعٌ لِقَوْلِهِمْ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أَيْ أَنَّ قَوْلَهُمْ بَاطِلٌ. وَحَرْفُ {بَلْ} لِلْإِبْطَالِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونٍ كَلَّا وَبَيَانًا وَكَشْفًا لِمَا حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولُوا فِي الْقُرْآنِ مَا قَالُوا وَأَنَّهُ مَا أَعْمَى بَصَائِرَهُمْ مِنَ الرَّيْنِ.

فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا أنَّ هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله على رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا.

{رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} غطّى على مداركهم ما اكتسبوه من الآثام حتى كدّر جوهرها وصار صدأ عليها بالرسوخ فيها.

وَمَجِيءُ {يَكْسِبُونَ} بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ دُونَ الْمَاضِي لِإِفَادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ الْكَسْبِ وَتَعَدُّدِهِ فِي الْمَاضِي.

قَالَ الشَّاعِرُ:

وَكَمْ رَانَ مِنْ ذَنْبٍ عَلَى قَلْبِ فَاجِرِ … فَتَابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رَانَ فَانْجَلَى

و (الرين) أصل معناه: الصدأ والوسخ القارّ، شبه به حب المعاصي الراسخ في النفس. وذلك أنه يحصل من تكرار الفعل ملكة راسخة لا تقبل الزوال، وصفة للنفس قارّة فيها. فبكثرة المعاصي يرسخ حبها في القلب بحيث لا يزول، كالصدأ الذي لا يزول بسهولة. قال في «الأساس»: "الران ما غطى على القلب وركبه من القسوة للذنب بعد الذنب".

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ المؤْمِنَ ‌إِذَا ‌أَذْنَبَ ‌ذَنْباً كَانَتْ نُكْتَةٌ [أثر قليل كالنقطة] سَوْدَاءُ في قَلْبِه، فَإِنْ تَابَ، وَنَزَعَ [أقلع عن ارتكاب المعصية]، واسْتَغْفَرَ صُقِلَ مِنْهَا [نظف وطهر]، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يُغَلَّفَ بِهَا قَلْبُهُ، فَذلِكَ الرَّانُ الذي ذَكَرَ اللهُ في كِتَابِهِ: {كَلَاّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ}). [الترمذي وصححه النسائي]

وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت.

وعلى النقيض أهل الإيمان كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17] فمن اهتدى بهدي الله واتبع ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، وصدق بما أخبر الله به، وفعل مثل ذلك فيما جاء عن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلا شك أن قلبه يستنير، وأنه يرى الحق حقًّا، ويرى الباطل باطلاً، ويعظم آيات الله عز وجل، ويرى أنها فوق كل كلام، وأن هدي محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فوق كل هدي، هذا من أنار الله قلبه بالإيمان، أما من تلطخ قلبه بأرجاس المعاصي وأنجاسها فإنه لا يرى هذه الآيات حقًّا بل لا يراها إلا أساطير الأولين كما في هذه الآية.

** وهنا سكتة لطيفة عند بعض القراء وعند آخرين لا سكتة، وهذه لا تغير المعنى سواء سكتّ أم لم تسكت فالمعنى لا يتغير.

قَالَ أَبُو حَيَّانَ: قُرِئَ «بَلْ رَانَ» بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، وَبِالْإِظْهَارِ وَقَفَ حَفْصٌ عَلَى «بَلْ» وَقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِيَتَبَيَّنَ الْإِظْهَارُ أو لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا لَامٌ.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْبَاذِشِ: وَأَجْمَعُوا -يَعْنِي الْقُرَّاءَ- عَلَى إِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سَكْتِ حَفْصٍ عَلَى «بَلْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «رَانَ».

وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: الْبَيَانُ وَالْإِدْغَامُ حَسَنَانِ.

وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ اللَّامِ فِي الرَّاءِ، وَبِالْإِظْهَارِ وَالْإِدْغَامِ أَجْوَدُ.

 {كَلَّا} تَأْكِيدٌ لِـ {كَلَّا} الْأُولَى، زِيَادَةً فِي الرَّدْعِ لِيَصِيرَ تَوْبِيخًا.

{إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} قال ابن جرير: أي فلا يرونه ولا يرون شيئا من كرامته يصل إليهم، فهم محجوبون عن رؤيته وعن كرامته. وتخصيص الحجب بهؤلاء يقتضي أن غيرهم غير محجوب فيرى الله تعالى ويرى كرامته.

قال الشهاب: لما كان الحجاب هو الساتر من ستارة بزّ وغيرها، استعير تارة لعدم الرؤية، لأن المجوب لا يرى ما حجب. وتارة للإهانة، لأن الحقير يحجب ويمنع من الدخول على الرؤساء. ولذا قالت العرب: «الناس ما بين مرحوب ومحجوب»، أي معظم ومهان.

قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذٍ، وهذا الذي قاله الإمام الشافعي -رحمه الله- في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23]، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنات الفاخرة.

أما قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103]. فإن نفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية، ولهذا كانت هذه الآية مما استدل به السلف على رؤية الله، واستدل به الخلف على عدم رؤية الله، ولا شك أن الآية دليل عليهم، لأن الله لم ينف بها الرؤية وإنما نفى الإدراك، ونفي الإدراك يدل على ثبوت أصل الرؤية.

فالحاصل أن القرآن دل على ثبوت رؤية الله -عز وجل- حقًّا بالعين، وكذلك جاءت السنة الصحيحة بذلك، وقد آمن بذلك الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون لهم بإحسان من سلف هذه الأمة وأئمتها، وأنكر ذلك من حُجبت عقولهم وقلوبهم عن الحق فقالوا: إن الله لا يمكن أن يُرى بالعين، وإنما المراد بالرؤية في الآيات هي رؤية القلب أي اليقين، ولا شك أن هذا قول باطل مخالف للقرآن والسنة وإجماع السلف، ثم إن اليقين ثابت لغيرهم أيضاً حتى الفجار يوم القيامة سوف يرون ما وُعدوا به حقًّا ويقينًا.

{ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ} ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران محترقون بها. جَمْعُ: صَالٍ، وَهُوَ الَّذِي مَسَّهُ حَرُّ النَّارِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَتُهُ بِحَرْفِ {ثُمَّ} الدَّالَّةِ فِي عَطْفِهَا الْجُمَلَ عَلَى «التَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ» وَهُوَ ارْتِقَاءٌ فِي الْوَعِيدِ لِأَنَّهُ وَعِيدٌ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ خزي الإهانة.

{ثُمَّ يُقَالُ} على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير {هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} أي في الدنيا.

يقال لهم هذا تبكيتا لهم وزيادة في التنكيل بهم. فإن أشد شيء على الإنسان، إذا أصابه مكروه، أن يذكر وهو يتألم له، بأن وسائل النجاة من مصابه كانت بين يديه فأهملها. وأسباب التفصي عنه كانت في مكنته فأغفلها.

** عَطْفُ الْجُمْلَةِ بِحَرْفِ {ثُمَّ} اقْتَضَى تَرَاخِيَ مَضْمُونِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَيْ بُعْدُ دَرَجَتِهِ فِي الْغَرَضِ الْمَسُوقِ لَهُ الْكَلَامُ.

** وَبُنِيَ فِعْلُ يُقالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ الْقَائِلِ وَالْمَقْصِدِ هُوَ القَوْل.

** وَاقْتَضَى اسْمُ الْإِشَارَةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى الْعَذَابِ، وَالْإِخْبَارُ عَنِ الْعَذَابِ بِأَنَّهُ الَّذِي كَانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ يُفِيدُ أَنَّهُ الْعَذَابُ الَّذِي تَكَرَّرَ وَعِيدُهُمْ بِهِ وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْخُلُودُ وَهُوَ دَرَجَةٌ أَشَدُّ فِي الْوَعِيدِ، وَبِذَلِكَ كَانَ مَضْمُون الْجُمْلَة أرقى رُتْبَة فِي الْغَرَض من مَضْمُونُ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ هِيَ عَلَيْهَا.

** وَتَقْدِيمُ {بِهِ} عَلَى {تُكَذِّبُونَ} لِلِاهْتِمَامِ بِمَعَادِ الضَّمِيرِ مَعَ الرِّعَايَةِ عَلَى الْفَاصِلَةِ.

وَقَدِ اشْتَمَلَتِ الْجُمْلَةُ وَمَعْطُوفَاهَا عَلَى أَنْوَاعٍ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْوَيْلِ وَهِيَ: الْإِهَانَةُ بحَجْبُهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ، وَالْعَذَابُ، وَالتَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ الْخَلَاصِ مِنَ الْعَذَابِ.

قال ابن القيم في «بدائع الفوائد» في هذه الآية: جمع لهم سبحانه بين العذابين عذاب الحجاب وعذاب النار. فألم الحجاب يفعل في قلوبهم وأرواحهم، نظير ما تفعله النار في أجسامهم. كحال من حيل بينه وبين أحب الأشياء إليه في الدنيا، وأخذ بأشد العذاب.

فإن أخص عذاب الروح أن تتعلق بمحبوب لا غنى لها عنه، وهي ممنوعة من الوصول إليه. فكيف إن حصل لها، مع تواري المحبوب عنها وطول احتجابه، بغضه لها ومقته وطرده وغضبه الشديد عليها؟

فأي نسبة لألم البدن إلى هذا الألم الذي لا يتصوره إلا من بلي به أو بشيء منه؟

فلو توهمت النفوس ما في احتجاب الله سبحانه عنها يوم لقائه من الألم والحسرة، لما تعرضت لأسباب ذلك الاحتجاب. وأنت ترى المحبين في الدنيا لصورة، منتهى حسنها إلى ما يعلم، كيف يضجّون من ألم احتجاب محبوبهم عنهم وإعراضه وهجره؟ ويرى أحدهم كالموت أو أشد منه من بين ساعة، كما قال:

وكنت أرى كالموت من بين ليلة … فكيف ببين كان ميعاده الحشر

وإنما يتبين الحال في هذا بمعرفة ما خلقت له الروح وما هيئت له وما فطرت عليه، وما لا سعادة لها ولا نعيم ولا حياة إلا بإدراكه.

فاعلم أن الله سبحانه خلق كل عضو من الأعضاء لغاية ومنفعة، فكماله ولذته في أن يحصل فيه ما خلق له، فخلق العين للإبصار والأذن للسمع والأنف للشم واللسان للنطق واليد للبطش والرجل للمشي والروح لمعرفته ومحبته والابتهاج بقربه والتنعم بذكره.

وجعل هذا كمالها وغايتها. فإذا تعطلت من ذلك كانت أسوأ حالا من العين والأذن واللسان واليد والرجل، التي تعطلت عما خلقت له، وحيل بينها وبينه.

بل لا نسبة لألم هذه لروح إلى ألم تلك الأعضاء المعطلة البتة. بل ألمها أشد الألم. وهو من جنس ألمها إذ فقدت أحب الأشياء إليها وأعزه عليها، وحيل بينها وبينه، وشاهدت غيرها قد ظفر بوصله وفاز بقربه ورضاه.

والروح لا حياة لها ولا نعيم ولا سرور ولا لذة إلا بأن يكون الله وحده هو معبودها وإلهها ومرادها، الذي لا تقرّ عينها إلا بقربه والأنس به والعكوف بكليتها على محبته والشوق إلى لقائه. فهذا غاية كمالها وأعظم نعيمها وجنّتها العاجلة في الدنيا. فإذا كان يوم لقائه كان أعظم نعيمها رفع الحجاب الذي كان يحجبها في الدنيا عن رؤية وجهه وسماع كلامه.

وفي حديث الرؤية: (فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِم ‌مِنَ ‌النَّظَرِ ‌إِلى ‌وَجْهِهِ وَلَا أَقَرَّ لأَعْيُنِهِمْ") [النسائي في التفسير]

ثم قال: وكما جمع سبحانه لأعدائه بين هذين العذابين، وهما ألم الحجاب وألم العذاب، جمع لمحبيه بين نوعي النعيم نعيم القرب والنظر، ونعيم الأكل والشرب والنكاح والتمتع بما في الجنة، في قوله: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الإنسان:11].

 

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21)

{كَلَّا} ردع عن التكذيب، أو بمعنى حقّا {إِنَّ} لتأكيد الخبر {كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} جَمْعُ عِلِّيٍّ، وهو مقابل للسجين، في علوه وارتفاع درجته، وكونه ديوان أعمال أهل الخير.

** وَمِنْ عَادَةِ الْقُرْآنِ تَعْقِيبُ الْإِنْذَارِ بِالتَّبْشِيرِ وَالْعَكْسُ لِأَنَّ النَّاسَ رَاهِبٌ وَرَاغِبٌ فَالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الْأَبْرَارِ إِدْمَاجٌ اقْتَضَتْهُ الْمُنَاسَبَةُ وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ مَقَامَ إِنْذَارٍ.

قال الأعمش: عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا حاضر عن {سِجِّينٌ} قال: هي الأرض السابعة وفيها أرواح الكفار، وسأله عن {عِلِّيِّينَ} فقال: هي السماء السابعة وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ} يعني: الجنة.

وفي رواية العوفي عنه: أعمالهم في السماء عند الله. وكذا قال الضحاك:

وقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى.

والظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع، ولهذا قال تعالى معظمًا أمره ومفخمًا شأنه: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ}

{كِتَابٌ مَرْقُومٌ} محل شريف رُقم بصور أعمالهم، وهذا بيان لقوله: {إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ} أي أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم مكتوب لا يتغير ولا يتبدل.

{يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أَيْ يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ إِعْلَانُ تَنْوِيهٍ بِصَاحِبِهِ كَمَا يُعْلَنُ بِأَسْمَاءِ النَّابِغِينَ فِي التَّعْلِيمِ، وَأَسْمَاءِ الْأَبْطَالِ فِي الْكَتَائِب.

وقيل: المقربون هم الأبرار: أعاد ذكرهم، بوصف ثان، تنويها بهم وتعديدا لصفاتهم.

أو هم الملائكة إجلالا لهم وتعظيما لشأنهم. قاله قتادة.

وقال العوفي، عن ابن عباس: يشهده من كل سماء مقربوها.

 

{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) }

{إِنَّ الْأَبْرَارَ} جمع بَر، والبر كثير الخير، كثير الطاعة، كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله.

وَذُكِرَ الْأَبْرَارُ بِالِاسْمِ الظَّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ. خِلَافًا لِمَا جَاءَ فِي جُمْلَةِ: {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الْأَبْرَارِ.

{لَفِي نَعِيمٍ} نعيم مقيم وجنات فيها فضل عميم.

{عَلَى الْأَرَائِكِ} الأسرة والمتكآت.. وَالْأَرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ وَوِسَادَتِهِ وَحَجَلَةٍ مَنْصُوبَةٍ عَلَيْهِمَا، فَلَا يُقَالُ: أَرِيكَةٌ إِلَّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا حَبَشِيَّةٌ.

{يَنْظُرُونَ} إلى ما أعطاهم الله من الكرامة وأفانين النعيم والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد.

{تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} بهجته ورونقه، كما يرى على وجوه المترفهين ماؤه وحسنه.. وَإِضَافَةُ نَضْرَةَ إِلَى النَّعِيمِ مِنْ إِضَافَةِ الْمُسَبَّبِ إِلَى السَّبَبِ.

** قَرَأَ الْجُمْهُورُ: تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ وَنَصْبِ نَضْرَةَ وَهُوَ خِطَابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.

أَيْ تَعْرِفُ يَا مَنْ يَرَاهُمْ. وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ «تُعْرَفُ» بِصِيغَةِ الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَرَفْعِ «نَضْرَةُ». وَمَآلُ الْمَعْنَيَيْنِ وَاحِدٌ.

{يُسْقَوْنَ} عَبَّرَ بِـ {يُسْقَوْنَ} دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهُمْ مَخْلُوقَاتٌ لِأَجْلِ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ. وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ التَّرَفُّهِ وَلَذَّةِ الرَّاحَةِ.

{مِنْ رَحِيقٍ} اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصَّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ، الخالصة التي لا غش فيها {مَخْتُومٍ} ختم على أوانيه تكريما له لصيانته عن أن تمسه الأيدي على ما جرت به العادة من ختم ما يكرم ويصان.

{خِتَامُهُ مِسْكٌ} أي الذي يختم به رأس قارورة ذلك الرحيق، هو المسك، كالطين الذي يختم به رؤوس القوارير فكأن ذلك المسك رطب ينطبع فيه الخاتم.

فالْخِتَام: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كَانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الْخِتَامِ عَلَى مَحَلِّ السِّدَادِ مِنَ الْقَارُورَةِ أَوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنْعِ تَخَلُّلِ الْهَوَاءِ إِلَيْهَا وَذَلِكَ أَصْلَحُ لِاخْتِمَارِهَا وَزِيَادَةِ صَفَائِهَا وَحِفْظِ رَائِحَتِهَا. وَجُعِلَ خِتَامُ خَمْرِ الْجَنَّةِ بِعَجِينِ الْمِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الْخَتْمِ.

** وَفُسِّرَ أيضا {خِتامُهُ مِسْكٌ} بِأَنَّ الْمَعْنَى خِتَامُ شُرْبِهِ، أَيْ آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أَيْ طَعْمُ الْمِسْكِ بِمَعْنَى نَكْهَتِهِ. أي من شربه كان ختم شربه على ريح المسك. والقصد لذة المقطع بذكاء الرائحة وأرجها، على خلاف خمر الدنيا الخبيثة الطعم والرائحة.

قال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر فكان آخر شيء جعل فيها مسك ختم بمسك، وكذا قال قتادة والضحاك.

وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} قال: طينه مسك.

‌‌قال ابن مسعود في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ}: أي خلطه مسك.

** وَالْمِسْكُ مَادَّةٌ حَيَوَانِيَّةٌ ذَاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وَقُوَّةُ رَائِحَتِهِ مُنْذُ الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ، وَهَذِهِ الْمَادَّةُ تَتَكَوَّنُ فِي غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ فِي عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الْغَزَالِ فِي بِلَادِ التِّيبِتِ مِنْ أَرْضِ الصِّينِ فَتَبْقَى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إِلَى أَنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُهَا طُلَّابُهَا وَيَتَّجِرُونَ فِيهَا. وَهِيَ جِلْدَةٌ فِي شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ وَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: «فَأْرَةُ الْمِسْكِ».

{وَفِي ذَلِكَ} النعيم المنوه به وما تلاه {فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} فليرغب الراغبون بالاستباق إلى طاعة الله تعالى. كقوله تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات:61]. فهو تَوْجِيهٌ إِلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ فِيهِ الْمُنَافَسَةُ.

** وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِإِفَادَةِ الْحَصْرِ، أَيْ: وَفِي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنَافَسِ النَّاسُ لَا فِي رَحِيقِ الدُّنْيَا الَّذِي يَتَنَافَسُ فِيهِ أَهْلُ الْبَذَخِ وَيَجْلِبُونَهُ مِنْ أَقَاصِي الْبِلَادِ وَيُنْفِقُونَ فِيهِ الْأَمْوَالَ.

قال ابن جرير: التنافس أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له، ويتمنى أن يكون له دونه. وهو مأخوذ من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه. وكأن معناه في ذلك: فليجدّ الناس فيه وإليه، فليستبقوا في طلبه ولتحرص عليه نفوسهم.

وقال ابن عثيمين: أي فليتسابق المتسابقون سباقاً يصل بهم إلى حد النفس، وهو كناية عن السرعة في المسابقة. يقال: نافسته أي سابقته سباقاً بلغ بي النفس، والمنافسة في الخير هي المسابقة إلى طاعة الله -عز وجل- وإلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى، والبعد عما يسخط الله.

وقال الرازيّ: إن مبالغته تعالى في الترغيب فيه تدل على علوّ شأنه. وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء.

** وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَفْتٌ لِأَوَّلِ السُّورَةِ، إِذَا كَانَ أُولَئِكَ يَسْعَوْنَ لِجَمْعِ الْمَالِ بِالتَّطْفِيفِ، فَلَهُمُ الْوَيْلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَإِذَا كَانَ الْأَبْرَارُ لَفِي نَعِيمٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا شَرَابُهُمْ، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْمُنَافِسَةِ، لَا فِي التَّطْفِيفِ مِنَ الْحَبِّ أَوْ أَيِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ.

** وَجُمْلَةُ: {وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ} مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ {خِتامُهُ مِسْكٌ} وَجُمْلَةِ {وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ}.

{وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} عطف على (ختامه) صفة أخرى لرحيق وما بينهما اعتراض مقرر لنفاسته.

أي ما يمزج به ذلك الرحيق من ماء تسنيم، وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه.

وَكَانُوا يَمْزُجُونَ الْخَمْرَ لِئَلَّا تَغْلِبَهُمْ سَوْرَتُهَا فَيُسْرِعُ إِلَيْهِمْ مَغِيبُ الْعُقُولِ لِأَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالْتِذَاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ فِي الْعَقْلِ دُونَ أَنْ يَغُتَّهُ غَتًّا فَلِذَلِكَ أَكْثَرُ مَا تُشْرَبُ الْخَمْرُ الْمُعَتَّقَةُ الْخَالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالْمَاءِ.

وتَسْنِيمٍ: عَلَمٌ لَعَيْنٍ فِي الْجَنَّةِ مَنْقُولٌ مِنْ مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ بمعنى رفعه وجَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنَامِ. سمي الماء به لارتفاعه وانصبابه من علوّ. وقد بينه تعالى بقوله:

{عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} أي: يشربها المقربون صرفًا وتمزج لأصحاب اليمين مزجًا.

والباء تأتي لمعان عدة، منها التبعيض مثل: «من»، وعليه، فهي هنا بمعنى: من، أي يشرب منها المقربون. وقيل: إنَّ يشرب هنا بمعنى يروى، أو يتلذذ، أو ينتفع.

  ففي تفسير الطبري: ويعني بقوله: {يشرب بها عباد الله}، يروى بها، وينتفع. وقيل: يشرب بها، ويشربها بمعنى واحد.

قال ابن عثيمين: "من العلماء من قال: (الباء) بمعنى (من) فمعنى {يشرب بها} أي يشرب منها.

ومنهم من قال: إن يشرب بمعنى «يروى» ضمّنت معنى يروى فمعنى {يشرب بها} أي يروى بها المقربون. وهذا المعنى أو هذا الوجه أحسن من الوجه الذي قبله؛ لأن هذا الوجه يتضمن شيئين يرجحانه وهما:

أولاً: إبقاء حرف الجر على معناه الأصلي.

والثاني: أن الفعل {يشرب} ضمَّن معنى أعلى من الشرب وهو الري، فكم من إنسان يشرب ولا يروى، لكن إذا روي فقد شرب، وعلى هذا فالوجه الثاني أحسن وهو أن يضمّن الفعل {يشرب} بمعنى يروى".

 

{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}

{إِنَّ الَّذِينَ} والِافْتِتَاحُ بِصُورَةِ الْكَلَامِ الْمُؤَكَّدِ لِإِفَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِالْكَلَامِ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي افْتِتَاحِ الْكَلَامِ الْمُرَادِ إِعْلَانُهُ لِيَتَوَجَّهَ بِذَلِكَ الِافْتِتَاحِ جَمِيعُ السَّامِعِينَ إِلَى اسْتِمَاعِهِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ خَبَرٌ مُهِمٌّ.

{أَجْرَمُوا} قاموا بالجرم، وهو الإثم العظيم كالكفر {كَانُوا} في الدنيا {مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ} استهزاء وسخرية، واستصغاراً لهم لإيمانهم بالله وحده وبما أوحاه إلى رسوله صلوات الله عليه، ونبذهم ما ألفوا عليه آباءهم.

وَيُؤذن تَرْكِيبُ «كَانُوا.. يَضْحَكُونَ» بِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ مُلَازِمَةٌ لَهُمْ فِي الْمَاضِي، وَصَوْغُ يَضْحَكُونَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَأَنَّهُ دَيْدَنٌ لَهُمْ.

{وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ} الفاعل يصح أن يكون إذا مر المؤمنون بالمجرمين، أو إذا مر المجرمون بالمؤمنين، والقاعدة التي ينبغي أن تفهم في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي أحدهما الآخر وجب حملها على المعنيين؛ لأن ذلك أعم.

{يَتَغَامَزُونَ} يغمز بعضهم بعضا استهزاء وسخرية. والغمز: الإشارة بالجفن والحاجب.

وَيُطْلَقُ أيضا عَلَى جَسِّ الشَّيْءِ بِالْيَدِ جَسًّا مَكِينًا، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ ‌غَمَزَ ‌رِجْلَيَّ، ‌فَقَبَضْتُهُمَا. [البخاري]

وَيُطْلَقُ الْغَمْزُ عَلَى تَحْرِيكِ الطَّرْفِ لِقَصْدِ تَنْبِيهِ النَّاظِرِ لِمَا عَسَى أَنْ يَفُوتَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنْ أَحْوَالٍ فِي الْمَقَامِ وَكِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ يَصِحُّ حَمْلُ الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ عَلَيْهِ.

وقيل: إِنَّمَا يَتَغَامَزُونَ مِنْ دُونِ إِعْلَانِ السُّخْرِيَةِ بِهِمُ اتِّقَاءً لَتَطَاوُلِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِالسَّبِّ لِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كَانُوا كَثِيرًا بِمَكَّةَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

قال السيوطيّ: وفي هذا دلالة على تحريم السخرية بالمؤمنين، والضحك منهم، والتغامز عليهم.

{وَإِذَا انْقَلَبُوا} أي رجع هؤلاء المجرمون من مجالسهم.

وَالِانْقِلَابُ: الرُّجُوعُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي جِيءَ مِنْهُ. يُقَالُ: انْقَلَبَ الْمُسَافِرُ إِلَى أَهْلِهِ وَفِي دُعَاءِ السَّفَرِ: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ ‌وَسُوءِ ‌الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ) [مسلم]

{إِلَى أَهْلِهِمُ} وَأَهْلُ الرَّجُلِ: زَوْجُهُ وَأَبْنَاؤُهُ، وَذُكِرَ الْأَهْلُ هُنَا لِأَنَّهُمْ يَنْبَسِطُ إِلَيْهِمْ بِالْحَدِيثِ فَلِذَلِكَ قِيلَ: إِلى أَهْلِهِمُ دُونَ: إِلَى بُيُوتِهِمْ.

وَالْمَعْنَى: وَإِذَا رَجَعَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ وَخَلَصُوا مَعَ أَهْلِهِمْ تَحَدَّثُوا أَحَادِيثَ الْفُكَاهَةِ مَعَهُمْ بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَمِّهِمْ.

{انْقَلَبُوا} تَكْرِيرُ فِعْلِ: {انْقَلَبُوا} لِمَا فِي إِعَادَةِ الْفِعْلِ مِنْ زِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنَاهُ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَلِزِيَادَةِ تَقْرِيرِ مَا فِي الْفِعْلِ مِنْ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ اسْتِحْضَارُ الْحَالَةِ.

مثله قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا} [الْقَصَص:63]

{فَكِهِينَ} فرحين متلذذين بالسخرية وحكاية ما يعيبون به أهل الإيمان.

وَالْمعْنَى: فاكهين بالتحدث عَنِ الْمُؤْمِنِينَ، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ فَاكِهِينَ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ مَعَهُ.

وقيل: فرحين بما هم فيه من الشرك والطغيان والتنعم بالدنيا فمهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم.

{وَإِذَا رَأَوْهُمْ} رأوا المؤمنين {قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} لتركهم ما عليه العامة من الشرك، والاعتصام بغيره.

وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وَلَامِ الِابْتِدَاءِ لِقَصْدِ تَحْقِيقِ الْخَبَرِ.

أَيْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْأَذَى بِالْإِشَارَاتِ وَبِالْهَيْئَةِ وَبِسُوءِ الْقَوْلِ فِي غَيْبَتِهِمْ وَسُوءِ الْقَوْلِ إِعْلَانًا بِهِ عَلَى مَسَامِعِ الْمُؤْمِنِينَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْر.

وَمُرَادُهُمْ بِالضَّلَالِ: فَسَادُ الرَّأْيِ. لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْرِفُونَ الضَّلَالَ الشَّرْعِيَّ، أَي هَؤُلَاءِ سيئوا الرَّأْيِ إِذِ اتَّبَعُوا الْإِسْلَامَ وَانْسَلَخُوا عَنْ قَوْمِهِمْ، وَفَرَّطُوا فِي نَعِيمِ الْحَيَاةِ طَمَعًا فِي نَعِيمٍ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَقْبَلُوا عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّخَلُّقِ بِالْأَخْلَاقِ الَّتِي يَرَاهَا الْمُشْرِكُونَ أَوْهَامًا وَعَنَتَا لِأَنَّهُمْ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَقْدِرَةِ قَدْرِ الْكَمَالِ النَّفْسَانِيِّ وَمَا هَمَّهُمْ إِلَّا التَّلَذُّذَ الْجُثْمَانِيَّ.

والمعنى: ضالون عن الصواب، متأخرون، متزمتون متشددون إلى غير ذلك من الألقاب، ولقد كان لهؤلاء السلف خلف في زماننا اليوم وما قبله وما بعده، من الناس من يقول عن أهل الخير: إنهم رجعيون، إنهم متخلفون ويقولون عن المستقيم: إنه متشدد متزمت، وفوق هذا كله من قالوا للرسل عليهم الصلاة والسلام إنهم سحرة أو مجانين.

{وَمَا أُرْسِلُوا} هؤلاء المجرمون {عَلَيْهِمْ} على المسلمين {حَافِظِينَ} مراقبين.

أي: والحال أنهم ما أرسلوا من جهة الله تعالى موكلين بهم، يحفظون عليهم أحوالهم، ويهيمنون على أعمالهم، ويشهدون ويحكمون برشدهم وضلالهم.

وهذا تهكم بهم وإشعار بأن ما اجترأوا عليه من القول من وظائف من أرسل من جهته تعالى.

وقد جوّز أن يكون ذلك من جملة قول المجرمين. كأنهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا علينا حافظين. إنكارا لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام.

قال أهل العلم: الذين أجرموا هم المعتدون الكبراء الذين شريت نفوسهم في الشر، وصمّت آذانهم عن سماع دعوة الحق. هؤلاء كانوا يضحكون من الذين آمنوا. ذلك لأنه حين رحم الله هذا العالم ببعثة النبيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان كبار القوم وعرفاؤهم على رأي الدهماء وفي ضلال العامة. وكانت دعوة الحق خافتة لا يرتفع بها إلا صوته عليه السلام، ثم يهمس بها بعض من يليه. ويجيب دعوته من الضعفاء الذين لم تطمس أهواؤهم سبيل الحق إلى قلوبهم فيسرّ بها إلى من يرجوه، ولا يستطيع الجهر بها لمن يخافه.

ومن شأن القويّ المستعز بالقدرة والكثرة أن يضحك ممن يخالفه في المنزع ويدعوه إلى غير ما يعرفه، وهو أضعف منه قوة وأقل عددا.

كذلك كان شأن جماعة من قريش، كأبي جهل، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل وأشياعهم.

وهكذا يكون شأن أمثالهم في كل زمان متى عمت البدع، وتفرقت الشيع وخفي طريق الحق بين طرق الباطل، وجهل معنى الدين، وأزهقت روحه من عباراته وأساليبه، ولم يبق إلا ظواهر لا تطابقها البواطن، وحركات أركان لا تشايعها السرائر.

وتحكمت الشهوات فلم تبق رغبة تحدو بالناس إلى العمل، إلا ما تعلق بالطعام والشراب والزينة والرياش والمناصب والألقاب.

وتشبثت الهمم بالمجد الكاذب. وأحب كل واحد أن يحمد بما لم يفعل.

وذهب الناقص يستكمل ما نقص منه بتنقيص الكامل.

واستوى في ذلك الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والجاهل والملقب بلقب العالم. إذا صار الناس إلى هذه الحال، ضعف صوت الحق وازدرى السامعون منهم بالداعي إليه. وانطبق عليهم نص الآية الكريمة.

** وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا فِي غَيْرِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ.

فَفِي قَوْمِ نُوحٍ: {وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود:38].

وَكَانَ نَفْسُ الْجَوَابِ عَلَيْهِمْ: {قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ} [هود:38-39].

وفي سورة الأنبياء: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 108-111] 

وَجَاءَ بِمَا يُفِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى بِالرُّسُلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:10].

** إِذَا كَانَ هَذَا حَالُ بَعْضِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا مَعَ بَعْضِ ضَعَفَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ حَالُ بَعْضِ الْأُمَمِ مَعَ رُسُلِهَا، فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يَتَأَثَّرَ بِسُخْرِيَةِ أَحَدٍ مِنْهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ عَلَى سُنَنِ غَيْرِهِ مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَيَنْتَصِرُ لَهُ إِمَّا عَاجِلًا وَإِمَّا آجِلًا، كَمَا فِي نِهَايَةِ كُلِّ سِيَاقٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ.

{فَالْيَوْمَ} يوم الدين والجزاء، يوم القيامة.

** والفاء فَاءُ السَّبَبِيَّةِ، أي أَنَّ اسْتِهْزَاءَهُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا كَانَ سَبَبًا فِي جَزَائِهُمْ بِمَا هُوَ مِنْ نَوْعِهِ فِي الْآخِرَةِ إِذْ جَعَلَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ جَزَاءً وِفَاقًا.

وَتَقْدِيمُ «الْيَوْمِ» عَلَى يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ الْعَظِيمِ الْأَبَدِيِّ.

 {الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ} وضحكهم من الكفار ضحك المسرور بما نزل بعدوّه من الهوان والصغار، بعد العزة والكبر.

** وَتَقْدِيمُ {مِنَ الْكُفَّارِ} عَلَى مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ يَضْحَكُونَ لِلِاهْتِمَامِ بِالْمَضْحُوكِ مِنْهُمْ تَعْجِيلًا لِإِسَاءَتِهِمْ عِنْدَ سَمَاعِ هَذَا التَّقْرِيعِ.

** وَقَوْلُهُ: {مِنَ الْكُفَّارِ} إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ، عُدِلَ عَنْ أَنْ يُقَالَ: مِنْهُمْ يَضْحَكُونَ، لِمَا فِي الْوَصْفِ الْمُظْهَرِ مِنَ الذَّمِّ لِلْكُفَّارِ.

وهذا والله هو الضحك الذي لا بكاء بعده، أما ضحك المجرمين بالمؤمنين في الدنيا فسيعقبه البكاء والحزن والويل والثبور.

{عَلَى الْأَرَائِكِ} في الجنة، والأرائك هي السرر الفخمة الحسنة النضرة {يَنْظُرُونَ} إلى ما أوتوا من النعيم، وما حل بالمجرمين من عذاب الجحيم.

قال تعالى: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات:50-61]

{هَلْ ثُوِّبَ} جوزي. وهو من (ثاب) بمعنى رجع. فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله. ويستعمل في الخير والشر.

وقيل: ثُوِّبَ أُعْطِيَ الثَّوَابَ، يُقَالُ: ثَوَّبَهُ كَمَا يُقَال: أثابه، إِذا أَعْطَاهُ ثَوَابًا. وَالثَّوَابُ: هُوَ مَا يُجَازَى بِهِ مِنَ الْخَيْرِ عَلَى فِعْلٍ مَحْمُودٍ وَهُوَ حَقِيقَتُهُ كَمَا فِي «الصِّحَاحِ»، وَلِذَلِكَ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي جَزَاءِ الشَّرِّ هُنَا اسْتِعَارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ.

وَالِاسْتِفْهَامُ تقريري وتعجيب مِنْ عَدَمِ إِفْلَاتِهِمْ مِنْهُ بَعْدَ دُهُورٍ.

{الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} قد جوزوا ما كانوا يفعلون في الدنيا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.

وهو سبحانه وتعالى حكم عدل. فحكمه دائر بين العدل والفضل، بالنسبة للذين آمنوا حكمه وجزاؤه فضل، وبالنسبة للكافرين حكمه وجزاؤه عدل، فالحمد لله رب العالمين.

وَلَيْسَ الْجَزَاءُ هُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بَلْ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّلَةِ لِمُعَادَلَتِهِ شِدَّةَ جُرْمِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ.

وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مُحَسِّنُ بَرَاعَةِ الْمَقْطَعِ لِأَنَّهَا جَامِعٌ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ.

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]