ذِكْرٌ واسْتِغْفَارٌ

قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}. مَا أَيْسَرَهُ مِنْ عَمَلٍ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ جَزَاءٍ، لِمَنْ فَتَحَ اللهُ عليهِ بِهِ.! فَشَرَفٌ لَكَ أَنْ تَذْكُرَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ.

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -

أيُّهَا الْمُؤمِنُونَ: الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هِدَايَةٌ وَنُورٌ وَفَوْزٌ وَسُرُورٌ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهَ.

نَتَأَمَّلُ الْيَومَ آيَاتٍ رَتَّبَ الْمَولى عَلَيهَا جَزَاءَهَا وَثَوَابَهَا.

قَال اللَّهُ تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}. مَا أَيْسَرَهُ مِنْ عَمَلٍ، وَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ جَزَاءٍ، لِمَنْ فَتَحَ اللهُ عليهِ بِهِ.! فَشَرَفٌ لَكَ أَنْ تَذْكُرَ رَبَّكَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ. فَهُوَ خَالِقُكَ وَمُدَبِّرُكَ وَمُرَبِّيكَ بِالنِّعَمِ؛ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ والْخُضُوعِ بِدُونِ عَطَاءٍ؛ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ يُعْطِي الْعَبْدَ عَلَى ذِكْرِهِ جَزَاءً أَعْظَمَ مِنْ ذِكْرِ الْعَبْدِ لَهُ! وَلَوْ عَقَلْنَا هَذِهِ الْآيَةَ لَمَا فَتَرَتْ أَلْسِنَتُنَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ليلاً وَنَهَارًا سِرًّا وَجِهَارٍا. وَهَذَا يُبَيِّنُ لَكَ السِّرَ فِي قَولِ أُمِّنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». (رواهُ مُسْلِمٌ)

عِبَادَ اللهِ: مَنْ هَذا الْمَخْلُوقُ الْضَّعِيفُ حَتَّى يَذْكُرَهُ الْخَالِقُ الْعَظِيمُ جَلَّ جَلالَهُ؟

جَاءَ فِي الحَدِيثِ القدْسِيِّ تَفْصِيلٌ أَكْثَرُ لِكَيْفِيَّةِ تَشْرِيفِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ لِعَبْدِهِ الْمَخْلُوقِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ».(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).

وفي الصَّحِيحِ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ. وَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى». (صَحَّحَهُ الألبَانِيُّ). مِنْ هُنَا جَاءَ تَقْسِيمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ للذي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُهُ. بِأَنَّهُ: «مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». (مُتَّفَقٌ عَليهِ)

عِبَادَ اللهِ: وَذِكْرُ اللَّهِ يَكُونُ عَامًّا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، فَكُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فَهُو ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّ الْكَفَّ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ فَهُوَ ذِكْرٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ لَكَ عُبُودِيَّتُكَ لِلَّهِ وَتَعْظِيمُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَرَجَاؤُهُ وَخَوْفُهُ وَخَشْيَتُهُ. قَالَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَحِمَهُ اللهُ: الذِّكْرُ طَاعَةُ اللَّهِ، مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ، وَمَنْ لَمْ يُطِعْهُ، فَلَيْسَ بِذَاكِرٍ وَإِنْ أَكْثَرَ التَّسْبِيحَ وَتِلاوَةَ الْكِتَابِ.

عِبَادَ اللهِ: أَمَّا الذِّكْرُ الْخَاصُّ فَهُوَ مَا كَانَ بِاللِّسَانِ مَعَ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ لَهُ؛ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} أَيْ ذِكْرُ اللَّهِ لَكُمْ بِالثَّوَابِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْكُمْ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِكُمْ لَهُ فِي عِبَادَتِكُمْ وَصَلَوَاتِكُمْ. فَالَّلهُمَّ أعِنَّا على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.

عِبَادَ اللهِ: مِن الآيَاتِ التي رَتَّبَ اللهُ لَهَا جَزَاءً عَظِيمًا: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}. قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كَانَ فِيكُمْ أَمَانَانِ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، فَأَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ مَضَى وَالِاسْتِغْفَارُ كَائِنٌ فِيكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.

أيُّهَا الأَخُ الْمُؤمِنُ: الِاسْتِغْفَارُ مَعْنَاهُ أَنَّكَ تَطْلُبُ مِنْ رَبِّكَ أَنْ يَمْحُوَ عَنْكَ الذُّنُوبَ، فَبَنُوا آدَمَ كُلُّهُمْ خَطَّاؤونَ. وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الذُّنُوبَ سَبَبُ الْعَذَابِ والْهَلاكِ، فَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِنَا أَنْ شَرَعَ لَنَا الاسْتِغْفَارَ لِيَدْفَعَ عَنَّا الْعَذَابَ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ؛ لِذَا جَاءَ أَمْرُ الرُّسُلِ عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أَقْوَامَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ في كُلِّ مَوضِعٍ، شِعَارُهُمْ جَمِيعًا: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ}. وَقَولُهُمْ: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} وَقَولُهُمْ: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ}.

عِبَادَ اللهِ: مِنْ الْمَنْقُولاتِ الْجَمِيلَةِ لِشَيخِ الإسْلامِ ابنِ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ عن الاسْتِغْفَارِ قَولُهُ: الاسْتِغْفَارُ يُخرجُ العبْدَ مِن الفِعْلِ الْمَكْرُوهِ إلى الفِعْلِ الْمَحْبُوبِ، وَمِنَ العَمَلِ النَّاقِصِ إلى العَمَلِ التَّامِ، وَيَرْفَعُ العَبدَ مِن الْمَقَامِ الأَدْنى إلى الأَعلى والأَكْمَلِ، فَإنَّ العَبْدَ يَحتَاجُ إلى الاسْتِغْفَارِ آنَاءَ الَّليلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ لِمَا فيهِ مِنَ الْمَصَالِحِ وَجَلْبِ الْخَيرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَـرَّاتِ.

وَمِمَّا قَالَهُ الشَّيخُ السَّعدِيُ رَحِمَهُ اللهُ: (يَنبَغِي لِلعبدِ، كُلَّمَا فَرَغَ من عِبادَةٍ، أنْ يَستَغفِرَ اللهَ عن التَّقصِيرِ، وَيشْكُرَهُ على التَّوفِيقِ، لا كَمنْ يَرى أنَّه قد أَكمَل العِبَادَةَ، وَمَنَّ بِها على رَبِّهِ، وَجعَلت لَه مَحَلاًّ ومَنزِلَةً رَفِيعَةً، فهذا حَقِيقٌ بِالْمَقتِ، وَرَدِ الفِعلِ).

أيُّهَا الْكِرَامُ: وَهذَا سِرُّ مُلازَمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى الاسْتِغْفَارِ. فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». وَقَالَ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (صَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ).

الاسْتِغْفَارُ يَا مُؤمِنُونَ: مُكَفِّرٌ لِلسَّيئَاتِ، دَافِعٌ لِلبَلايَا، وَرَافِعٌ لِلدَّرَجَاتِ، أَلَمْ يَقُلْ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}. فِي الحَدِيثِ القدْسِيِّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ».

الاسْتِغْفَارُ يَا مُؤمِنُونَ: جَالِبٌ لِلرِّزْقِ، شَارِحٌ لِلنَّفْسِ، جَالِبٌ لِطُّمَأْنِينَةِ والرَّاحَةِ، فَارِجٌ لِلهَمِّ.

 فَإذا مَا أَذْنَبَ الإنْسَانُ وَعَصَى رَبَّهُ نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ، صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، حَتَّى يَعْلُوَ قَلْبَهُ ذَاكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}. هذاَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ قَالَ «مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

الْمُسْتَغْفِرُونَ يَا مُؤمِنُونَ مَحْبُوبُونَ عِنْدَ اللهِ وَكَفَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ}.

فَأَكْثِرُوا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ فِي بُيُوتِكُمْ وَعَلَى مَوَائِدِكُمْ وَفِي طُرُقَاتِكُمْ وَأعْمَالِكُمْ وَفِي أَسْوَاقِكُمْ وَفِي مَجَالِسِكُمْ وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَنْزِلُ الْمَغْفِرَةُ!

_______________________
 

الكاتب: خالد محمد القرعاوي