سطحية النخب العلمانية!!

محمد جلال القصاص

في برنامج "المجتمع"، وهو منبر للمؤمنين بأفكار محمد شحرور، حضر أحد الفلاسفة المعاصرين (هكذا وصفه مقدم البرنامج، وهو أستاذ جامعي من الجزائر)، للحديث تحت عنوان "حين تأبى الأمة قراءة القرآن"

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -
بسم الله الرحمن الرحيم

لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

في برنامج "المجتمع"، وهو منبر للمؤمنين بأفكار محمد شحرور، حضر أحد الفلاسفة المعاصرين (هكذا وصفه مقدم البرنامج، وهو أستاذ جامعي من الجزائر)، للحديث تحت عنوان "حين تأبى الأمة قراءة القرآن"، ولم يكد ينفك عن سؤالٍ يردده، وهو: لماذا ينصرف القراء والمتابعون عن المفكر العربي؟! لماذا لا يتحول المفكر العربي إلى مدرسة فكرية؟!

وحين تواجه سؤالًا لا تندفع للإجابة عليه قبل أن تتأمل السؤال، والسائل، والسياق الذي برز فيه السؤال وسائله، فقد ترفض السؤال، وقد تشتبك مع السياق لا مع السائل ولا مع السؤال.. لابد أن تدور حول المشهد وتتأمل في الثلاثة: السؤال، والسائل، والسياق؛ وتعيد النظر مرة بعد مرة قبل أن تجيب!!

هنا أستاذ جامعي عنده إحساس متضخم بالذات، ربما لأنه اعتاد الحديث للطلبة النظاميين، وهؤلاء لا يعارضون معارضة حقيقية، وخاصة طلبة الرسائل العلمية (الماجستير والدكتوراة) بل يتلقون حديثه- أيًا كان-؛ وربما لأنه رَاكَم عددًا من الأوراق البحثية في مؤتمرات جامعية؛ وربما استأنس بالحفاوة التي يتلقى بها فريقُ الإعدادِ الضيفَ.. أيًا كان، فظنّ أنه علا وارتفع، وأن على الجماهير أن تأتي وتلتف حوله- وأمثاله-!!

في هذا المشهد عدد من الإشكالات تكشف بوضوح سطحية النخبة العلمانية المعاصرة:
منها: تضخم الذات.. حاله كحال من قال الله فيهم ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ. يرى نفسه موجهًا لغيره، ويرى نفسه وهمومها دون غيره.
ومنها: الغفلة عن السياق العام شديد الوضوح. وذلك أن العلمانية مُمَكَّنة من أدوات الفعل كلها: السلطة، والمال، والمنابر الإعلامية، بل ومنابر المساجد.. باعتبار أنها تحت يد السلطة العلمانية ولا يقال عليها إلا ما يرضيهم.. أو ما لا يسخطهم؛ وممكنه من المراكز البحثية في الجامعات وغير الجامعات، والذين يعارضون العلمانية في الشارع.. خارج الأبنية (المؤسسات)، ومن يتواجد منهم ضمن الأبنية (المؤسسات) قلة ويخضعون لشروط الأبنية العلمانية.. بمعنى أن من يعارضون العلمانية بلا أدوات تُذكر، ولا يملكون إلا مساحة محدودة جدًا، وتضيق عليهم يومًا بعد يوم، وإنما تأتيهم الجماهير لمضمون خطابهم.
ومنها: الجهل بحال كثير ممن اشتهر، فلو أنه تأمل قليلًا لعلم أن جل رموز المرحلة الفائتة والحالية من العلمانيين: ساسة ومفكرين، فنقول: عبد الناصر، وهو عدو للإسلاميين؛ ونقول: سعد زغلول، وطه حسين؛ ونقول: عابد الجابري، وطه عبد الرحمن، وعزمي بشارة، وحسن حنفي؛ وبعض هؤلاء على خطوتين منه ولابد أنه دَرَسَهم وربما دَرَّسهم. ومع ذلك يسأل لماذا لا يشتهر المفكر العلماني؟ لماذا لا تأتيه الجماهير؟!

ودعنا نصحح السؤال، بحثًا عن فائدة مرجوة من هكذا نقاش، فنقول: لماذا يشتهر مفكر علماني ولا يشتهر آخر؟ وقد يكون المشهور الأقل علمًا؟!
وظني أن هذا هو السؤال الحقيقي الذي يريده هذا "الفيلسوف".

المفكر العربي العلماني تابع للفكر الغربي.. يفكر كما يفكرون، ويقول ما يقولون، لا يأتي بجديد. كلُّ أقواله منهم وتخدم سياقهم في بلادنا وبلادهم؛ ولذا حين تقرأ أو تنصت لأحدهم تجده دائمًا يروي عنهم ويستدل بأقوالهم: قال سارتر، قال نيتشه، قال كانط، تمامًا كما نروي نحن عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وصحابته والتابعين لهم بإحسان، رضي الله عنهم!!

والمجتهد من العلمانيين العرب هو الذي يستخدم المقولات/ المفاهيم/ النظريات/ المنظورات/ النماذج المعرفية/ الغربية في فهم الشريعة (التراث كما يسمونه)، بمعنى يحاول قراءة الشريعة بعيون الغرب.. بأهواء الغرب، كما فعل عباس العقاد حين قرأ الشريعة بمقولة "العبقرية".. يقول صنع التاريخ الإسلامي عدد من العباقرة (محمد، صلى الله عليه وسلم، وعمر، وأبو بكر، وعلي رضي الله عنهم)، وهي (أي العبقرية بهذا المعنى) مقولة غربية اشتهر بها المفكر الإنجليزي " توماس كارليل" وأمره مشهور وكتب عنه وعن فهمه للعبقرية قبل أن يبدأ عبّاس في استخدام المفهوم وقراءة الشريعة به. وإن الوحي هو الذي صنع محمدًا، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، رضي الله عنهم، وصنع بهم واقعًا جديدًا استمر لعشرات القرون. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّۦنَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (سورة الجمعة:2)؛ ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾، ويقول الله تعالى: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِۦٓ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 16).
وتكون المحصلة أن يستقر (هذا الذي يتبعهم ويستخدم مقولاتهم) وسطًا تحت أقدامهم وأقدامنا.. لا يكون منهم.. ولا يكون منّا، كما وصف الله 
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ (النساء: 143).
ومن يبرز منهم يكون في سياق تفعيله من قبل الكافرين.. يُفَعِّلوه حين يتحدث بمقولاتهم (أطرهم النظرية).. يفعلوه كأنه حديث عن الإسلام من داخله، وهو حديثهم هم بلسان منتسب إلينا.
 والمقصود أن 
الظاهرة العلمانية تابعة للغرب وبالطبع لا تستطيع أن تتميز مستقلة في وضع سيادة يجعل الناس يتبعونها. ومن يبرز منهم يبرز بحكم دعم الأدوات السلطوية له، أو دعم أدوات الثقافة الغربية له بشكل مباشر أو من خلال التجار، فكل مشهور يتكون من جزئين: إمكاناته الشخصية والأدوات التي تدعمه، أو التي تسمح له أن يتمدد دون أن تعيقه.

إن هذا السؤال (لماذا يشتهر مفكر علماني ولا يشتهر آخر؟) لا يبحث عن إجابة مباشرة، وإنما يُعبِّر عن حسرة تملأ قلب صاحبه، ويُعبر-كذلك- عن غفلة ألمت بصاحبه عن السياق الذي يعيش فيه، ويعبر- بوضوح- عن أن الأمة خلف من يبلغ عن الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، ولولا فرض العلمانية بالقوة ما برز فيها إلا المبلغين عن الله الداعين إليه.

د. محمد جلال القصاص