علمتنى الصديقة مريم بنت عمران
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
علمتنى الصديقة مريم بنت عمران:
نسبها
أبوها هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يازم بن يهفاشاط بن إنشا بن أبيان بن رخيعم بن سليمان بن داود عليهما السلام يرجع نسبه إلى داود عليه السلام وهو ابن اسحاق بن إبراهيم عليه السلام
أمها هى حنة بنت فاقوذ ، قال محمد بن إسحاق : وكانت امرأة لا تحمل ، فرأت يوما طائرا يزق فرخه ، فاشتهت الولد ، فدعت الله ، عز وجل ، أن يهبها ولدا ، فاستجاب الله دعاءها ، فواقعها زوجها ، فحملت منه ، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون ( محررا ) أي : خالصا مفرغا للعبادة ، ولخدمة بيت المقدس "
إن الله عزوجل وصف مريم فى القرآن بأنها صديقة إذ يقول تعالى :" مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ " لأنها صدقت بعيسى نبى الله ورسوله وآمنت بما جاء به والصديقية أعلى المقامات بعد النبوة وهو دليل على أنها ليست من الانبياء فلم يبعث الله نبيا إلا من الرجال و الدليل على ذلك قوله تعالى : {( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى )} [ يوسف : 109 ]
علمتنى قصة مريم أن دعاء الوالدين لأولادهم بإخلاص وصدق مع الله هو سهم صائب الذى لا يخيب فعلى الوالدين أن يدعو لأولادهم بالخير ولا يسأما من الدعاء حتى يستجيب المولى عزوجل ولنا فى عائلة عمران العبرة والعظة فإن زوجته عندما علمت أنها حامل دعت ربها بإخلاص أنها ستهب المولود لخدمة بيت المقدس وقد حصنتها أمها وذريتها من الشيطان منذ ولادتها فلم يجد الشيطان عليها سبيلا بل وجعل حفيدها من أولى العزم من الرسل صاحب رسالة إلى أهل زمانه عيسى عليه السلام أرايت كيف يعمل الدعاء وإخلاص النية لله فى الأبناء وأبناء الأبناء أيضا ؟
كما علمتنا درسا من كونها أنثى وأمها كانت تتمنى الذكر لأنه الأقوى والأقدر على خدمة بيت الله هذا كان تصورها لكن الله يعلمنا الدرس أن الإنسان لا يدرى الخير لنفسه وما يجلب له النفع هل الذكر أم الأنثى الله وحده هو الذى يقدر ويختار للإنسان إذ يقول تعالى :" {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } [النساء : 11]}. " فلنرضى بما قسم الله لنا ولنوقن أن كل عطاءات الله خيرا فربما تمنى الرجل الولد فجاء الولد وكان مصدر شقاء لأهله وكم من بنت أدخلت السعادة والسرور على والديها وكانت حقا ثمرة طيبة لهم
كما علمتنى مريم أن الله إذا أعطى أدهش بعطائه الواسع حين دخل عليها زكريا عليه السلام المحراب تعجب مما وجده عندها من فاكهة الشتاء فى الصيف وفاكهة الصيف فى الشتاء فهو سبحانه لا راد لفضله ولا مانع لعطائه فمن سنن العطاء الربانية أنها بغير حساب فقوانين الله عزوجل تختلف عن قوانين البشر
فمن اسلم الوجهة لله وصدق مع الله حقق على يديه المعجزات وجعل له من كرامات الأولياء نصيبا فقد جعلها وابنها آية للناس على قدرة الله وعظمته فكيف بابن دون أب فقد انتفت الأسباب أصلا لوجود هذا الطفل ولكن رب الأسباب لا يعجزه شيئا فى الأرض ولا فى السماء حتى لا ييأس الإنسان من رحمة الله وقد بذل كل الأسباب ولكن دون فائدة فتأتيه العبرة من قصة مريم أن هناك أشياء تتحقق فى الحياة بدون أسباب إنها فقط إرادة الله فى العطاء وما علينا إلا الصبر معه واحتساب الأجر
وعلمنى موقف استباق عُباد وخدام بيت المقدس لكفالة مريم حتى أنهم اقترعوا فيما بينهم أيهم يكفلها إذ يقول الله تعالى : {" وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ"}
أن نستبق إلى الخيرات وكفالة الأيتام ورعاية الضعفاء فى المجتمع فهذا أحق أن نتنافس فيه فننال الشرف عند الله بعكس ما نرى الآن من أن حقوق الايتام والضعفاء تسلب من قبل أقرب المقربين إليهم برغم من حفظ الإسلام لحقوقهم منذ أربعة عشر قرنا
وماذا كانت نتيجة الاقتراع فقد وقعت الكفالة على زكريا وكان لا ينجب فعندما كفل مريم واعتنى بها أجاب الله طلبه بالذرية الصالحة التى كان يدعو بها سنوات طويلة ولم ييأس وكأن ثواب الأعمال الصالحة يعود على المرء نفسه بالخير فيقضى الله حاجته وييسر أمره ليدرك المسلم أهمية المساهمة فى الخير وقضاء حوائج الآخرين فكثير من الناس يشتكى الهموم والمطالب ولكنه يغفل عن طريق قضاء حوائج الناس وحب العطاء فهو أقرب الطرق لتفريج الهموم وإجابة المطالب
وتأمل كيف اختارت مريم الفتاة فى سن الخامسة عشر أن تعيش لله وتخدم دينه ولم تكن حريصه على ما يحرص عليه الفتيات فى مثل سنها وماذا عن اهتمامات الفتيات فى هذا السن ؟ ....الموضة وأحدث الصيحات فى الملابس والمكياج وحب التسوق والشراء ولكن مريم كانت فتاة من طراز خاص أنظر كيف سكن حب الله قلبها وسكنت إلى مرضاته وتعالت نفسها على الهموم الدنيوية
وإنا لنرى الإسلام يحتفى بالشاب الذى نشأ على طاعة ويكتب له الأجر فى الآخرة فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «(سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: .....وشابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّه تَعالى"» لأنه أختار طريق الله وهو فى فورة شبابه وكان الطريق ممهد أمامه لفعل أى شىء مواقف لهواه ولكنه اختار أن يعتصم بالله ويجعل حياته فى مرضاة الله فاستحق أن يحظى بمكانة عند الله تختلف عن غيره فى الآخرة
علمتنى قصة مريم عليها السلام أهمية الأخذ بالأسباب رغم أنها كانت فى أضعف االحالات التى تكون عليها المرأة قال الله لها "هزى إليك بجذع النخلة " كيف ذلك ولا يقدر عليه إلا العصبة من القوم ولكنه يعلمنا أن نأخذ بالأسباب قدر الاستطاعة وبما نملك من موارد وإن كانت قليلة فالسعى مطلوب وإن كان لا يزيد أو ينقص من الرزق المكتوب عند الله ولكنها سنة نتمسك بها والنتائج على الله
كما تعلمنا قصة مريم أنه بقدر الاقتراب من الله والإلتجاء إليه أوقات الرخاء يعطيك القوة والثبات لمواجهة العالم فى أوقات الشدة وتحمل أعباء الحياة وكدرها
أهمية أن يختلى الإنسان بنفسه يحاسبها ويشترط عليها قبل أن يحاسب ويختلى بربه ينقطع إليه ويناجيه فيحقق التوازن الروحى والإجتماعى فهو يحتاج أن يعتزل الناس والاختلاط بهم ليتجنب سلبيات الاختلاط من غيبة ونميمة ورياء ونفاق وغيرها
يقول ذي النون المصري: "لم أر شيئا أبعث على الإخلاص من الخلوة" فليتخذ كل منا مكان فى بيته للخلوة مع الله يصفى فيها نفسه وتعود لها توازنها ويقومها بالأتصال بخالقها ليمده بمادة الحياة وتغذية لروحه ليعود إلى الحياة بروح جديدة يغلب عليها الصفاء والنقاء وسلامة الصدر من أدرانها إنه المحراب يا شباب فتمسكوا به واجعلوا لأنفسكم خلوة مع الله تصقل فيها قلوبكم وترتوى نفوسكم ومن يعلم قد تكون سبب فى تغيير من حولك
كما علمتنى قصة مريم أن الصمت أبلغ من الكلام أحيانا فقد لا يجدى الكلام مع أناس لا يسمعوا إلا ما يريدون وما يوافق أهواءهم فعلى الإنسان أن يتخلى عن الجدال العقيم الذى لا يؤدى إلى نتائج ويلتزم الصمت فلنصم عن الكلام مع من يجهل أحوالنا إذ يقول تعالى {"فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26}
علمتنى مريم العفة حين قالت عندما وضعت ابنها عيسى عليه السلام قال تعالى : {"قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23 "} لأنها تعلم حجم المحنة التى وضعت فيها كيف ستواجه المجتمع وهى العابدة الزاهدة وهى الآن تتمنى الموت على أن توضع فى هذا الموقف فقد اختبرت بأصعب اختبار تواجهه الفتاة التى تحرص على العفة وسمتها التدين
وعلمتنا أن أصحاب الفطرة السوية السليمة تأبى الفواحش فها هى هند بنت أمية تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء قالت أوتزنى الحرة يا رسول الله ؟ إنها الفطرة السليمة التى تعلم أن الحرية الحقيقية فى أن تكون عبد لرب واحد وماذا عن بناتنا اليوم وما يواجهون من فتن ؟ تجد الفتاة تختلط بالشباب بلا ضوابط وتدخل فى علاقة لا تعلم مداها وتتحدث بطريقة غير لائقة وترفع صوتها بالضحك فى وسط الطريق أين العفة ! أين الحياء! يا ليت كل فتاة تتعلم وتعرف معنى العفة الحقيقى من السيدة مريم بنت عمرآن
عندما مدح الله تعالى الأنبياء قال عن سليمان { "وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30 "} وقال عن موسى إنه كان مخلصا وقال عن إبراهيم :"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً "وعن إسماعيل أنه كان صادق الوعد وعندما مدح مريم قال "وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا "لبيان أهمية العفة والطهر للمرأة كما أنها شهادة من الله لها إلى يوم القيامة على عفتها وطهرها أمام أهلها وأمام العالم إلى يومنا هذا وإذا كنا نصدق شهادة رجلين عدلين من المسلمين فمابالك بشهادة رب العالمين لمريم الصديقة والمرأة المسلمة العفيفة فى هذه الأيام تمتحن امتحانا عظيما فقد زينت لها أبواب الفتن بل وفتحت على مصراعيها ما بين دعاة النسوية أن تخرج المرأة من بيتها وتهمل فى تربية أولادها وتختلط بالرجال وتتزين خارج المنزل أما داخل المنزل فهى مبتزلة فى ملابسها وشكلها كما أن هناك دعوات بخلع الحجاب وأنه ليس مما فرضه الله على النساء وهكذا من الدعوات التغريبة والتى تنكس فطرة المراة السوية وتخلع عنها عفتها وثوب الحياء بأسم الحرية والكرامة الشخصية ودعوات النجاح خارج البيت فجعلها تنفر من لفظ ربه منزل وتسعى للتخلص منه والبيوت هى مصنع الرجال فاليت كل فتاة وزوجة تدرك ما يحاك لها ليخرجها من إطار العفة والحياة والفطرة السوية للتمسك بدينها فهو مصدر السعادة لها فى الدنيا والأخرة
علمتى قصة مريم أن الله يدافع عن أوليائه فمن يصدق أن وليد عمره يوم ينطق ليخرس السنة الناس ينطق بالحق وتظهر البراءه على يد هذا المولود فقط كن مع الله وتوكل عليه تجده معك فى كل الأوقات تنال معيته ويجند لك جنوده إذ يقول تعالى : "وما يعلم جنود ربك إلا هو" واجه المجتمع ولا تخشى شيئا إذا كنت موقن أنك ترضى الله عزوجل يقول الله عزوجل فى الحديث القدسى " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذني لأعيذنه ) رواه البخاري .
علمتنى أيضا نسبة الفضل لله فى كل نعمة أنعمها على العبد فلم تغتر بكثرة عبادتها وتبتلها لله ولكن عندما سألها زكريا عليه السلام من أين لك هذا؟ قالت "هو من عند الله " وهذا من التأدب مع الله فكلما اقترب العبد من الله بصدق كان أكثر معرفة بالله وخشية له وكان شاكرا للصغيره قبل الكبيرة
علمتنى قصة مريم معنى الاصطفاء
حين نادت الملائكة مريم وهى تصلى فى المحراب {"إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)}
الاصطفاء الأول بخدمة بيت المقدس والاصطفاء الثانى بأنه جعلها أم لنبى وصاحب رسالة عيسى عليه السلام نبى أمته فقد اجتهدت فى التعبد لله وأخلصت له بقلبها فلم تشغلها هموم الدنيا مثل كل الفتيات فى سنها فكانت زاهده فى الدنيا متبتلة إلى الله اختارته على الدنيا المزخرفة المزينة فكانت محل لأختيار الله لها ليرفع درجاتها إلى الصديقية و ليجرى عليها كرامة من كرامته التى يعطيها لاصفيائه وأن تكون هى وابنها أية للعالمين وقد أمرتها الملائكة أن تتطيل القيام لله رب العالمين فى الصلاة وتكثر من السجود بين يديه فإن معرفة الله وعبادته بإحسان ومشاهدة نعمه على العبد هى التى تحقق الصدق فى العبودية والتى ترفع العبد إلى الدرجات العلى وأنت أيتها المؤمنة الصادقة فى إيمانك لله إذا كنت على طاعة وتقربت له بالعبادة من قيام وصيام وطهرت قلبك من أمراض القلوب أنت أيضا من أوليائه واصفيائه ليس ببعيد على الله
فسلام على خير نساء العالمين العابدة التى خُلد ذكرها فى قرآن يتلى إلى يوم القيامة
