ضرر التنازع والاختلاف
صاعقةٌ متى حَلَّتْ بمُجْتَمَع فإنها –واللهِ- مُهْلِكة مُدَمِّرَة، كلٌّ يَعْرفُها ويَمْقُتُها، ولكنه لا يدري أنه قد رَكِبَها وتَلَبَّسَ بها، إنها التنازعُ والتفرُّق والاختلاف بين المسلمين.
- التصنيفات: النهي عن البدع والمنكرات -
مَعْشَرَ الإخْوَة: باقعةٌ([1]) صاعقةٌ، متى حَلَّتْ بمُجْتَمَع فإنها –واللهِ- مُهْلِكة مُدَمِّرَة، كلٌّ يَعْرفُها ويَمْقُتُها، ولكنه لا يدري أنه قد رَكِبَها وتَلَبَّسَ بها، إنها التنازعُ والتفرُّق والاختلاف بين المسلمين.
إنَّ المتنازِعَيْن حين يريدان أن يَجُرَّا الحق إليهما جَرًّا، ويَحْرِما الآخَرِين منه بالقوة والتأْلِيب والاحتقار؛ بل واستحضار إنكار المنْكَر وإسقاط الآخر، فإن المجتمع سيتفرق، ويَحْصل الشرُّ الذي هو أعظم من الشر المظنون في الرَّأْي المخالِف، قال الله تعالى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال:46]، هذه الآية الجامِعَة المحْكَمَة فيها النهي عن التنازُع، وفيها نتيجة التنازع وهو الفشل والجُبْن، وانْحِلال العزائم، وتَفَرُّق القوة، وفيها المنهج الحقُّ وهو قوله: {وَاصْبِرُوا}، فلا بد من تَصْبِير النَّفْس على طاعة الله، وحَمْلِها على عَدَمِ التنازُع؛ لأنه مما يَعْسُر على الكثير مِن أَهْل العَقْل والعِلم -فَضْلًا عن الرِّعَاع والدَّهْمَاء([2])- أنْ يُحافظوا على تَوَازُنهم، ويُسَيْطِروا على عُقُولِهم.
إنَّ التنازعَ واختلافَ القلوبِ هي القاصِمَةُ، متى نُفَرِّق بين اختلاف الآراء وتعدد الأقوال، وبين التنازع والتفَرُّق؟ هناك حَدٌّ لا بد أن يعرفه كُلُّ مَن يتكلم في العِلم وأُمُور العامَّة، بين إبداء الرأي والتدليل عليه، وفَتْح المجال لتمحيصه ودراسته وتأييده أو رَدِّه، وبين إحداث الفَوْضَى والتأليب واتِّهَام النيات والولاء والبراء والتنازع.
لِنَنْظُرْ إلى تعامُل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع اختلاف الصحابة، وكيف كان غضبه -صلى الله عليه وسلم- ليس لتعدد الآراء، وإنما للتنازع واختلاف القلوب، ففي صحيح البخاري عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيةً، وسَمِعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأُ خِلافَها، فجِئْتُ به النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرتُه، فَعَرَفْتُ في وَجْهِهِ الكراهيةَ، وقال: «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، وَلاَ تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا»([3])، وفي رواية أحمد: قَالَ: وَغَضِبَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، قَالَ شُعْبَةُ أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَلَكُوا»([4]).
فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يُغْضِبْه وجودُ الرأْيَيْن؛ وإنما أَغْضَبَهُ الاختلافُ الذي أَدَّى إلى التنازُع بينهما؛ ولهذا تَأَمَّلُوا ما رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: لما اشْتَدَّ بِالنبي -صلى الله عليه وسلم- وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ»، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- غَلَبَهُ الوَجَعُ، وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ»، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: (إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَبَيْنَ كِتَابِهِ)([5]). قال الحافظ ابن حجر: (أَيْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ كَانَ سَبَبًا لِتَرْكِ كِتَابَةِ الْكِتَابِ، وَفِي الْحَدِيث دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلم، وَعَلَى أَنَّ الاخْتِلافَ قَدْ يَكُون سَبَبًا فِي حِرْمَان الْخَيْر)([6]).
وقد رُفِعَتْ ليلةُ القَدْر بعد أن خَرَجَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لِيُخْبِرَهُم بها فحُرِمُوا معْرِفَتَها بسبب التنازع، وما حُرِمَ المسلمون النصرَ يوم أُحُدٍ إلا بسبب التنازع، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران:152]، فليستْ مخالفةُ أَمْر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وَحْدَهَا كانتْ سببَ الهزيمة؛ بل قَدَّمَ الله سببًا عظيمًا لها، وهو التنازع والتفرق، وقد أَمَرَ اللهُ بالائتلاف وعَدَمِ الاختلاف، فاختلفتم، فمِنْ قائل: نقيم في مَرْكَزِنا الذي جَعَلَنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومِنْ قائل: ما مُقامنا فيه وقَدِ انهزمَ العَدُوُّ، ولم يَبْقَ مَحْذُورٌ، ولا زالت كلمةُ ابن مسعود -رضي الله عنه- نِبْرَاسًا عَمَلِيًّا في ضَبْطِ النَّفْسِ والصبر كما عند أبي داود وغيره حينما أتَمَّ عثمانُ الصلاةَ مُتَأوِّلًا في مكة ولم يَقْصُر، فقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: (ها هنا صَلَّيْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر وعمر، فما صَلَّوْا إلَّا رَكْعَتَيْنِ)، فقال له رجل: أَفَلا تَقُومُ إليه؟! قال: (اسْكُتْ، فإنَّ الخِلافَ شَرٌّ)([7])، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلم إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال:43].
مَعْشَرَ المصَلِّين: إنَّ المتَتَبِّعَ للتاريخ يجد أنَّه ما مِن هزيمة ولا فِتنة إلا بسبب التنازع والاختلاف، وما (معركة الجَمَلِ) إلا مثالًا واقعيًّا لأَثَرِ التنازع والتفَرُّق، حتى وَقَعَ ما وَقَعَ من المأساة العظيمة وقُتِلَ أكابرُ الصحابة، حين لا يَسْتَحْضِرُ الناسُ أن الأصلَ الذي يَجِبُ مُراعاتُه هو تَأْلِيفُ القلوبِ، هذا هو الأصل الأول عند الخلاف، وليس الأصل الأول هو إسقاط الناسِ، وتَأْلِيبُهم، وإحداث فتنة بينهم، ولهذا نَصَّ ابن تيمية وغيرُه على أن تَرْك بعضِ المستحباتِ التي اخْتُلِفَ فيها من أَجْلِ تأليفِ القلوبِ أَفْضَلُ، قال -رحمه الله-: (ويُسْتَحَبُّ للرجل أن يَقْصِدَ إلى تَأْلِيفِ القلوبِ بِتَرْكِ هذه المستحباتِ المخْتَلَفِ فيها مع ثبوتها؛ لأنَّ مصلحةَ التأليف في الدين أَعْظَمُ مِن مَصْلَحَةِ فِعْلِ مِثْلِ هَذَا)([8])، فكيف إذا كان الخلاف على مسائلَ اجتهاديةٍ؟!
إنَّ الحاجةَ مُلِحَّة لِأَنْ تكونَ ثقافةُ الخلاف حاضرةً في النفوس، وأن تكون أيضًا سلوكًا في الواقع، فلا تَطِيشُ الأحلامُ عند وجود الخلاف، فإبداءُ الرَّأْيِ والرَّدُّ على القول وتَبْيِينُ خَطَئِه -من وجهة نظرك- كلها أساليب مشروعة ومأجورٌ صاحبُها إذا كان بِعِلم وحِلم، أما أنْ يَتَحَوَّل الخلافُ إلى مُفَاصَلَاتٍ وتأْلِيبٍ وتنازع فما هذا -والله- بالمنهج الصحيح، وإنما المنهج الصحيح هو قول الله: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [الأنفال:46]، فالصبر هو الشجاعة والقوة، والشجاعة ليستْ هي قُوَّةَ البدن، فقد يكونُ الرجلُ قويَّ البَدَنِ، ضَعِيفَ القَلْبِ، وإنما هي قُوَّةُ القلب وثباتُه، بخلاف المغلوب الذي لا يَمْلِكُ نفسه عند الغضب والتنازع.
إن التنازع ما نَزَلَ بِبَيْتٍ إلَّا فَرَّقَه، ولا بين زَوْجَيْنِ إلا فَرَّقَهُما، ولا بين صَدِيقَيْن إلا قَطَعَ بَرْدَ الوِصَالِ بينهما، ولا نَزَلَ في دَوْلَة إلا مَزَّقَها، قال الله تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]، قال ابنُ القَيِّم: (والزُّبُر: الكُتُب، أَيْ: كل فِرْقَةٍ صَنَّفُوا كُتُبًا أَخَذُوا بها، وعَمِلُوا بها، ودَعَوْا إليها دُونَ كُتُبِ الآخَرِين، كما هُو الوَاقِعُ سَوَاءٌ)([9]).
____________________________________
([1]) أي: داهية . المعجم الوسيط (بقع).
([2]) الرعاع من النَّاس: الغوغاء. والدهماء: عامتهم وسوادهم. المعجم الوسيط (رعع، دهم).
([3]) أخرجه البخاري (4/175، رقم3476).
([4]) أخرجه أحمد (2/441، رقم3985).
([5]) أخرجه البخاري (1/34، رقم114).
([6]) فتح الباري (1/209).
([7]) أخرجه أبو داود (2/199، رقم1960).
([8]) انظر: مجموع الفتاوى (22/407).
([9]) إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/197).
________________________________________
الكاتب: سليمان بن خالد الحربي
