أثر المبالغة البيانية على موضوع الخطبة

فإن آفة الخطابة التطويل، ومهما تكن العبارات متناسقة والإنشاء رشيقًا والموضوع شيقًا والخطيب ممتازًا، فما منع ذلك أن يكون السامعون بشرًا مثله لهم آذان تصم إذا أجهدتها، وبصر يكل إذا أتعبته، ولا يجب أن...

  • التصنيفات: الدعاة ووسائل الدعوة -

 

الشيخ شريف عبدالعزيز - ملتقى الخطباء

 


من أهم الفنون التي تلزم أي خطيب؛ فن إيصال الرسالة وتفهيم المستمع، فتوصيل مغزى الخطبة ورسالتها ومقصدها الأساسي هو أحد أهم أدوات الداعية والخطيب في التأثير والتغيير وإيصال الأفكار؛ فالإفهام والإيصال عملية تتطلب مهارات علمية ونفسية واجتماعية عالية، لأن الهدف منه هو تغيير القناعات والأفكار الراسخة عبر السنين، وليس مجرد الإفحام والاستكثار من الحجج على الخلق فحسب، بل تأدية رسالة الخطبة كاملة بوضوح مع إشباع القلب وإمتاع العقل معاً.

 

وللوصول لتلك الغاية العظيمة التي تجعل خطبة الجمعة من أهم أدوات التغير والتأثير في المجتمعات المسلمة يلزم الخطيب المزاوجة بين الخطاب الإنشائي العاطفي الذي يخاطب القلب ويستحث مواطن الخير والنور فيه، والخطاب العلمي الذي يخاطب العقل ويحرره من قيود الأوهام والخيالات الفاسدة والظنون الكاذبة والشبهات المضلة المعوقة.

 

ويوم أن يطغى أسلوب على آخر فإن الخطبة تفقد كثيراً من تأثيرها على المستمع، فإما أن تلقيه في متاهة من الأفكار المتشعبة والقوالب العلمية الجافة فيصيبه التشتت وعدم الانتباه، وأما أن تغرق به في بحر من المبالغات البيانية والترصيعات اللغوية والمحسنات البديعة، فيطرب ولا يفهم، وينتشي ولا يعمل، وينسجم ولا يتأثر!!

 

وفي هذا المقال سنعرض لأثر المبالغة في استخدام المحسنات اللغوية على بناء الخطبة وموضوعها، وأثر طغيان الخطاب الإنشائي على المضمون العلمي للخطبة، لأن تلك الآفة غالباً ما يقع فيها الخطباء من حيث لا يدرون، فيحسبون أنهم يحسون صنعاً باستعراض مهاراتهم اللسانية وبراعتهم البلاغية أمام الحاضرين، ويغفلون عن أثر ذلك في عقل وسلوك السامعين.

 

الفرق بين الخطابين الإنشائي والعلمي

للكتابة إنشاء خاص، وللكلام إنشاء آخر، ومن يجيد الواحد قد لا يجيد الثاني، بل ربما كان تناقض بين الاثنين؛ فإن السواد الأعظم من مشاهير الكتاب لم يكونوا خطباء، وبخلاف ذلك قلما تجد بين الخطباء من لا يعد كاتبًا!!

 

وإذا كان الكاتب غير الخطيب، فليس ذلك فقط لأنه لا يعرف أن يتكلم كما يعرف أن يكتب، بل لأن كتابته لا توافق المنبر، فإن المكتوب ينال بالنظر ويذاق بالفكر، أما المقول فهو لا يصل إلى القلب إلا إذا مر في الأذن، وللأذن إحساس يجب إرضاؤه ونعومة يحاذر من تخديشها، والشعور الذي يثيره السمع ليس كالذي تُولده القراءة، فضلًا عن ذلك فإن عقلية الجمهور المحتشد في مكان عمومي تختلف عن عقلية الفرد المعتزل في غرفته.

 

لذلك كان من الطبيعي أن يكون للخطاب الإنشائي سلطان على سياق الخطبة وأسلوب الخطيب، وأن ينصب اهتمام الخطيب على صياغة خطبته وفق قوانينها وباستخدام أدواتها وطرائقها المبثوثة في كتب اللبيان والبلاغة، ولكن المشكل يقع مع المبالغة والإيغال لحد الاستعراض في استخدام هذا الأسلوب لأن في المقابل ستضيع رسالة الخطبة ويتوه مقصدها الرئيس في زحمة احتشاد الصور والتشبيهات البلاغية، وعندها سيصاب السامع بحالة من تسطيح المعرفة وضحالة الفكر.

 

ويلخص ذلك ابن المعتز في تعريفه لبلاغة الخطيب المؤثرة: "إن البلاغة بثلاثة أمور؛ أن تغوص لحظة القلب في أعماق الفكر، وتتأمل بوجوه العواقب، وتجمع بين ما غاب وما حضر، ثم يعود القلب على ما أعمل به الفكر فيحكم سياق المعاني والأدلة، ويحسن تنضيدها ثم يبديه بألفاظ رشيقة مع تزيين معارضها واستكمال محاسنها". يعني ضرورة المزاوجة بين خطاب القلب والعقل معاً للوصول للهدف الرئيس؛ التأثير.

 

وقد ورد في الأثر من كلام سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم- وصبحه الأكرمين -رضوان الله عليهما- يشير إلى كراهية التغول في استخدام المحسنات البلاغية في الخطاب على حساب الحقائق والمفاهيم والاختصار المفيد.

فقد كره النبي-صلى الله عليه وسلم- المبالغة في التفاصح وكل صور التكلف والتشدق، فقال: «"إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة"»  (أخرجه أبو داوود والترمذي وصححه الألباني). وقال عليه الصلاة والسلام: «"إن أحبَّكم إليَّ وأقربكم مني منزلةً يوم القيامة أحاسِنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إِليَّ وأبعدكم مني منزلةً يوم القيامة الثَّرثارون المتَشدِّقون المُتَفَيْهِقُونَ"» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد).

والثرثار: الذي يُكثر الكلام في تكلف وخروج عن الحد.

والمُتَشَدِّق: المتكلم بملء شدقيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه.

والمُتَفَيْهِقُ: أصله من الفَهْقِ، وهو الامتلاءُ، من قولهم: فَهِقَ الإناءُ والحوضُ، إذا امتلأ حتى تصبَّب، وأُطلق على من يتنطع في الكلام ويتوسع فيه، كأنه ملأ فمه بالكلام إظهارًا لفصاحته، وفضله، واستعلاءً على غيره، ولذلك جاء في بعض الروايات تفسيره بالمتكبر.

 

وفي المقابل نجد الثناء النبوي الجميل على تفادى كل هذه الآفات؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: «"إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته، مَئِنَّةٌ من فقهه"» (أخرجه الإمام مسلم)، ومئنة من فقهه أي علامة على فقهه وعلمه وبصيرته.

فإن آفة الخطابة التطويل، ومهما تكن العبارات متناسقة والإنشاء رشيقًا والموضوع شيقًا والخطيب ممتازًا، فما منع ذلك أن يكون السامعون بشرًا مثله لهم آذان تصم إذا أجهدتها، وبصر يكل إذا أتعبته، ولا يجب أن ينسى الخطيب أن استعداد الجمهور أو قابليته للإصغاء ليست واحدة فعليه أن يختار أوسط الطرق في شرحه وبيانه. يُروى أن ابن السماك وكان واعظاً مفوهاً بليغاً جعل يتكلم وجارية له تسمع، فلما انصرف إليها سألها كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده. قال: أردده حتى يفهمه من لا يفهمه. قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه يكون قد ملَّه من فهمه. وهذا هو حال كثير من السامعين مع خطباء اليوم.

 

فإن الاقتدار على الخطابة، والاغترار بذلاقة اللسان، والافتتان بشهوة الكلام، غالبًا ما يحول بين الإنسان وبين الوقوف حيث يجب أن يقف، وقد جاء التحذير من هذا المسلك عن عدد من الصحابة والتابعين، ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في الصحيح عن مسروق قال: دخلت على عبد الله ابن مسعود فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، فإن الله قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: { (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ)} {} [ص86]، وقال أيضاً -رضي الله عنه-: "إنكم في زمنٍ كثيرٌ فقهاؤه، قليلٌ خطباؤه، وسيأتي عليكم زمانٌ قليلٌ فقهاؤه، كثيرٌ خطباؤه". وقيل لأيوب السختياني: "العلم اليوم أكثر أو فيما تقدم؟ فقال: الكلام اليوم كثيرٌ، والعلم فيما تقدم أكثر".

 

ومن أهم الآثار التي تتسبب فيها المبالغة في استخدام الخطاب الإنشائي العاطفي على موضوع الخطبة:

1-اختزال القضايا الهامة في حياة الأمة، والنوازل الفكرية والمستحدثات الفقهية في إطار بلاغي منمق يركز على ضرب الأمثال وسوق الأشعار وحشد الصور البيانية، بعيداً عن التأصيل العلمي والتركيز الفكري والبيان الواضح مما أدى لشيوع ثقافة الهشاشة والتسطيح المعرفي وهذا أدى لنشوء أجيال تحفظ أشعاراً ولا تعرف أحكاماً.

 

2-غياب الخطيب العالم المؤثر الذي يلجأ إليه الناس عند النوازل والمستجدات، بسبب تركيز الخطباء على حفظ الأشعار والاستزادة من المحسنات البديعة على حساب الارتقاء بالمستوى العلمي والتوسع المعرفي ودراسة أحوال المجتمع وما يستجد عليه من أحداث ومتغيرات.

 

3-اختلال البناء العقلي والعلمي للسامعين بسبب التركيز والإكثار من مخاطبة القلب واستثارة كوامنه وبث الحماسة وإلهاب المشاعر على حساب مخاطبة العقل واستثارة الفكر والتأمل والتدبر وتحرير المفاهيم وضبط التصورات، مما أدى لظهور أجيال من الشباب جمعت بين نقيضين؛ غاية الحماسة وصدق العاطفة مع جهل بالواقع واستعجال للنتائج.

 

وفي الختام نُؤكد أن الخطاب الإنشائي العاطفي لا يُنكر ما لها من أهمية وفائدة؛ إذ هو لغة الأديب، وسلاح الخطيب المفوّه، ووسيلة الواعظ المؤثر، ومع ذلك لا ينبغي للخطباء أن يركنوا إِلى المبالغة البيانية عند إعداد خطبتهم، فيخوضوا من حيث لا يعلمون فيما لا يحسنون من دقيق العلم وقضايا الفكر معتمدين على قدراتهم البلاغية فحسب، دون تقديم خطاب عقلي متوازن، يقنع السامع ويجعله يفهم الغاية والرسالة، ذلك أن عالم الأفكار والمفاهيم يحتاج إلى فقه مكين، وبصيرة نافذة، وعناية بالتحقيق، وصبر على التدقيق؛ وبعبارةٍ أخرى يحتاج إلى لغة العلم الدقيقة لا إلى لغة الخطابة المؤثرة؛ ولكلٍ ميدانه ومجاله، وإعمال كل شيءٍ في موضعه يقود إلى التكامل بين القدرات والخبرات.