دعاء الكرب

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وفي رواية لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر. قال ذلك. قوله: (( إذا حزبه أمر )) أي: نزل به أمر مهم, أو أصابه غم....قال الطبري: كان السلف يدعون به, ويسمونه دعاء الكرب.

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -

    

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فالدنيا لا تدوم على حال, ولا بد من وقوع أشياء تجعل الإنسان في كربٍ, وحزنٍ, وغمٍ, فمن وقع له ذلك فعليه بأمور منها: تقوى الله, قال الله عز وجل: {﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّـهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ﴾} [الطلاق:2] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ننجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة. وقال أبو العالية رحمه الله: مخرجًا من كل شدة. وقال الربيع بن خيثم رحمه الله: يجعل له مخرجًا من كل شيء ضاق على الناس.

ومنها: الصلاة, قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة.

ومنها: ذكر الله عز وجل, فالذكر يدفع الكرب, قال العلامة ابن القيم رحمه الله: الذكر....به يستدفعون الآفات, ويستكشفون الكربات, وتهون عليهم به المصيبات, إذا أظلهم البلاءُ فإليه ملجؤهم, وإذا نزلت بهم النوازل فإليه مفزعهم, فهو رياض جنتهم التي فيها يتقلبون, ورؤوس أموال سعادتهم التي بها يتجرون, يدعُ القلب الحزين ضاحكاً مسروراً.  

ومنها: الصبر وانتظار الفرج, فإذا اشتد الكرب قرب الفرج, قال العلامة عبدالرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله: الله تعالى قدر من ألطافه وعوائده الجميلة أن الفرج مع الكرب, وأن مع اليُسر مع العسر, وأن الضرورة لا تدوم, فإن حصل مع ذلك قوة التجاء وشدّة طمع بفضل الله, ورجاء, وتضرع كثير ودعاء, فتح الله عليهم من خزائن جوده ما لا يخطر بالبال.

وقال العلامة العثيمين رحمه الله: الصبر مع انتظار الفرج يُعتبرُ من أعظم العبادات, لأنك إذا كنت تنتظر الفرج فأنت تنتظرُ الفرج من الله عز وجل, وهذه عبادة, وقد قال النبي علية الصلاة والسلام: (( «واعلم أن النصر مع الصبر, وأن الفرج مع الكرب» )), فكلما اكتربت الأمور فإن الفرج أقرب إليك.

ومنها: الدعاء بدعاء الكرب, فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما, قال:  كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: «(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَربُّ الْأَرْضِ, وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكريمِ ))» [متفق عليه]

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وفي رواية لمسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر. قال ذلك. قوله: (( إذا حزبه أمر )) أي: نزل به أمر مهم, أو أصابه غم....قال الطبري: كان السلف يدعون به, ويسمونه دعاء الكرب.

وقال الإمام الطيبي رحمه الله: قوله: " يقول عند الكرب " فإن قيل: فهذا ذكر, وليس فيه دعاء يزيل الكرب, فجوابه من وجهين:

أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء, ثم يدعو بما شاء.

الثاني: هو كما ورد " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين"

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: الكرب: ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه. قال العلماء: الحليم: الذي يؤخر العقوبة مع القدرة, والعظيم: الذي لا شيء يعظم عليه, والكريم: المعطى فضلًا.

وقال الإمام الشوكاني وفي الحديث مشروعية الدعاء بما اشتمل عليه لمن نزل به كرب وبعد فراغه يدعو بأن يكشف الله عنه كربه, ويذهب ما أصابه, ويدفع من نزل به.

ـــــــــــــــــــــ

وقال الإمام المناوي رحمه الله: كان يدعو عند الكرب أي: عند حلوله يقول (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ)) الذي لا شيء يعظم عليه. ((الْحَلِيمُ)) الذي يؤخر العقوبة مع القدرة

((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْكريمِ )) وفي رواية بدل العظيم, والكريم المعطى تفضلًا, روى برفع العظيم والكريم على أنهما نعتان للرب, والثابت في رواية الجمهور الجر نعت للعرش, قال الطيبي: صدر الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية

(( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَربُّ الْأَرْضِ, وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكريمِ )) قالوا: هذا دعاء جليل ينبغي الاعتناء به, والإكثار منه عند العظائم, وفيه التهليل المشتمل على التوحيد, وهو أصل التنزيهات الجلالية, والعظمة الدالة على تمام القدرة, والحلم الدال على العلم, إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم, وهما أصل الأوصاف الإكرامية.

قال ابن بطال عن أبي بكر الرازي: كنت بأصبهان عند أبي نعيم, وهناك شيخ يسمى أبا بكر عليه مدار الفتيا, فسُعي به عند السلطان فسجن, فرأيت المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في المنام, وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر, فقال لي المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: قل لأبي بكر يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج عنه, فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن إلا قليلًا حتى أُخرج.

وقال الإمام المباركفوري رحمه الله: قوله: " كان يدعو عند الكرب " أي: عند حلول الكرب, وهو بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة, أي: الغم الذي يأخذ النفس كذا في الصحاح, وقيل: الكرب أشد الغم.

ـــــــــــــــــــ

وقال العلامة عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز رحمه الله: السنة للمؤمن إذا حزبه أمر أن يفزع إلى الصلاة والدعاء, وهذا الذكر, (( « لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ, لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَربُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكريمِ» ))

وقال رحمه الله: سمى دعاء وهو ذكر لأن فيه كشف الكرب.

وقال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: قوله: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ)) يتوسل إلى الله بعظمته وحلمه إلى إزالة هذا الكرب, لأنه هذا ذكر وثناء يتضمن الدعاء.

وقوله: (( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ )) وصف الله العرش بالعظمة في القرآن الكريم, لأنه أعظم المخلوقات, فإن السماوات السبع والأرضين بالنسبة إلى الكرسي كحلقة أُلقيت في فلاة من الأرض, وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة, فلا يقدر قدره إلا الله عز وجل.

وقوله: (( وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكريمِ )) وصف الله العرش بالكرم في القرآن, والكريم في كل شيء بحسبه, فمعناه هنا: ذو الحُسن والبهاء, ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( إياك وكرائم أموالهم)) فالكريمة من المال: الحسنة الجميلة المرغوب فيها, والكريم من بني آدم: الذي يبذل ماله في محله.

قال الشيخ خالد بن عثمان السبت: وقوله: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب " عرفنا أن هذه الصيغة تدل على التكرار والمداومة فهو أمر متكرر.

والكرب كما فسره أئمة اللغة _ كالجوهري رحمه الله _ هو الغمُّ الذي يأخذ. يقال: كربه الغمُّ, ويُقال: فلان مكروب النفس.              

ــــــــــــــ             كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ