حكم الإشهاد على الطلاق والرجعة

أحمد عبد المجيد مكي

نحاول الإجابة في هذا المقال على تساؤل هام: هل الإشهاد على الطلاق واجب وشرط في وقوعه؟ فمن طلَّقَ ولم يُشهد فلا يقع طلاقه، ولا تترتب عليه أحكامه. أم أنَّ الإشهاد مستحب، ويقع الطلاق ولو بدون إشهاد؟

  • التصنيفات: أحكام الطلاق -

 

نحاول الإجابة في هذا المقال على تساؤل هام: هل الإشهاد على الطلاق واجب وشرط في وقوعه؟ فمن طلَّقَ ولم يُشهد فلا يقع طلاقه، ولا تترتب عليه أحكامه. أم أنَّ الإشهاد مستحب، ويقع الطلاق ولو بدون إشهاد؟

تجدُرُ الإشارة إلى أنَّ ما سيقال هنا عن الإشهاد على الطلاق يقال-  هو نفسه-  في الإشهاد على الرجعة.

أقوال العلماء:

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين؛

القول الأول: أنَّ الطلاق يقع من غير إشهاد، وهذا هو قول جمهور العلماء.

أدلة هذا القول:

 استدل الجمهور بأدلة أهمها ما يأتي :

1 - قوله تعالى: {{وَأَشهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وأَقيمُوا الشَّهَادَةَ لله}} (سورة الطلاق: 2).

والأمر الوارد في الإشهاد على الرجعة والطلاق للندب وليس للوجوب .

2 - حديث ابن عمر: أَنَّهُ طلَّق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمرُ بنُ الخطاب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ««مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا...»» ([1]).

وليس فيه الأمر بالإشهاد على الطلاق ولا على الرجعة.

 3 - لم يُؤثَر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الصحابة اشتراط الشهادة لصحة الطلاق أو الرجعة مع كثرة وقوعها منهم.

ويجاب عن هذا والذي قبله بأَنَّ عدم النص على شيء معين- في حديثٍ ما - لا يعني عدم وقوعه. كما أَنَّ هذا القول جاء بطريق المفهوم، ولا يجوز تقديم المفهوم على المنطوق الصريح من الكتاب وأقوال الصحابة، وسيأتي بعضها بعد قليل.

4 – الإجماع: فقد نقل الإجماع على ذلك جمعٌ من أهل العلم.

ويجاب عنه بأنَّ دعوى الإجماع هذه غير مسلَّم بها، فقد قال بالوجوب عدد من الصحابة  والتابعين، فأين الإجماع إذًا؟!

5 - القياس على البيع: فكما أن البيع يصح بلا إشهاد فكذلك الطلاق.

ويجاب عنه بأنَّ: قياس الطلاق والرجعة على البيع قياسٌ مع الفارق المعتبر، وهو خطر الطلاق والمراجعة، وأهمية ما يترتب عليهما من الخصومات بين الأنساب. أما البيوع ففيها ما يُغني عن الإشهاد وهو التقايض (المبادلة) في الأعواض([2]).

وقد نصَّ العلماء على أنَّ شأن الفروج أعظمُ مِن شأن المال، وأنَّ الاحتياط لها أولى من الأموال. فأين الطلاق والرجعة من البيع؟!

القول الثاني: أنَّ الإشهاد على الطلاق واجب، فلا يقع الطلاق بدون إشهاد.

وبه قال علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعمران بن الحصين من الصحابة، وعطاء وابن جريج والسُّدّي وابن سيرين وطاووس وأبو قلابة من التابعين، وهو مذهب أهل البيت، رضي الله عنهم.

 ومن الفقهاء: الإمام الشافعي في قوله القديم، ورواية عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن بكير من المالكية وابن حزم، وكثير من المعاصرين، منهم: جمال الدين القاسمي، والمحدث الشيخ أحمد شاكر، والمحدث الشيخ ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد حامد الفقي، والشيخ محمد الغزالي، والشيخ محمد فرج السنهوري، والشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر، وعدد كبير من علماء الأزهر.

ومن علماء الفقه المقارن: محمد أبو زهرة، علي الخفيف، سيد سابق، عبد الرحمن الصابوني، مصطفى الزرقا، والدكتور محمود السرطاوي، والدكتور بدران أبو العينين، والدكتور عبد الحليم منصور.

أدلة هذا القول:

 استدل القائلون بوجوب الإشهاد على الطلاق والرجعة بأدلة، أهمها:

1 - قوله تعالى: {{وأشْهِدُوا ذَوَيْ عدْلٍ منكم}} (سورة الطلاق: 2).

قال أبو حيان الأندلسي: الظاهر وجوب الإشهاد على ما يقع من الإمساك وهو الرجعة، أو المفارقة وهي الطلاق([3]).

وقال جمال الدين القاسمي: وظاهر الأمر في الآية الوجوب في الطلاق والرجعة معًا، ومما يؤيد الوجوب أن الأوامر في الآية كلها - قبل وبعد - للوجوب إجماعًا، ولا دليل يصرف الأمر بالإشهاد عن ظاهره، فبقي كسابقه ولاحقه([4]).

وإلى مثل هذا ذهب العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر، وأضاف: ... فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويُثبت لكل منهما حقه قبل الآخر، فمن أَشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حدَّ الله الذي حدَّه، فوقع عمله باطلاً لا يترتب عليه أثر من آثاره... وهذا الذي قلنا هو قولُ ابن عباسٍ وعطاءٍ([5]).

2 - أنَّ الله تعالى قرن في الآية بين المراجعة والطلاق والإشهاد، فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض، فكل من طلَّق ولم يُشهِدْ ذوي عدل، أو راجع ولم يُشهد ذوي عدل – فهو متعدٍّ لحدود الله تعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ««منْ عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا، فَهو ردٌّ»» ([6]).

3 - عن عِمْران بن الحُصَيْنِ أنّه سُئِل عن الرجل يطلِّق امرأته ثم يقع بها، ولم يُشْهِدْ على طلاقها، ولا على رجعتها؟ فقال: طلَّقتَ لغير سُنَّة، وراجعتَ لغير سُنَّة، أشْهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها ولا تَعُدْ([7]).

وقد تقرر في الأصول: أنَّ قول الصحابي: (من السنة كذا) – فهو في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم على الصحيح؛ لأنَّ مطْلِق ذلك إنما ينصرف بظاهره إلى من يجب اتباع سنته، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأَنَّ مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما هو مبسوط في موضعه([8]).

4 - الأثر السابق له روايات أخرى، منها ما أخرجه عبد الرزاق عن ابن سيرين أنَّ رجلاً سأل عِمْران بن الحُصَيْنِ فقال: رَجُلٌ طَلَّقَ ولم يُشْهِدْ، وراجع ولم يُشْهِدْ، قال: (بئس ما صنع، طَلَّقَ في بدعة، وارتجع في غَيْرِ سُنَّةٍ. لِيُشْهِدْ على ما فعل)([9]). وفي رواية: (وليستغفر الله).

فإنكار ذلك من عمران، والتهويل فيه وأمره بالاستغفار - لِعَدِّه إياه معصية - ما هو إلا لوجوب الإشهاد عنده، كما هو ظاهر([10]).

5 - وقد صحَّ عن ابن عمر أنَّه طلق امرأته صفية بنت أبي عبيد تطليقة أو تطليقتين، فكان لا يدخل عليها إلا بإذن، فلما راجعها أشهَدَ على رجعتها ودخل عليها([11]).

6 – وعن عطاء بن أبي رباح، قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.

وعن ابن جريج: أنَّ عطاء كان يقول في تفسير الآية المشار إليها: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلا شاهدا عدل، كما قال الله عز وجل، إلا من عُذْر.

فقوله: (لا يجوز)، صريح في وجوب الإشهاد على الطلاق عنده، لمساواته له بالنكاح، ومعلوم ما اشترط في النكاح من البينة([12]).

7- قال البخاري في صحيحه: بابُ قول الله تعالى: {{ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ}} [الطلاق: 1]، {أحصيناه} [يس: 12] حفظناه وعَدَدْناه، وطلاق السنة: أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويُشهِد شاهدين([13]).

فمفهومه: أنّه إنْ طلقها في الحيض أو في طهر وطئها فيه أو لم يُشهد - يكون طلاقًا بدعيًا([14]).

8 - القياس على النكاح: فكما أنَّ النكاح لا ينعقد صحيحًا إلا بشهادة ذوي عدل، فكذا الطلاق والرجعة.

الترجيح :

من خلال ما سبق يظهر لي والله أعلم:

- أنَّ الجميع متفقون على مشروعية الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة. والاختلاف وقع في درجة هذه المشروعية، هل هي على الندب كما ذهب إليه الجمهور، أم على الوجوب كما ذهب إليه طائفة من الصحابة والتابعين والمفسرين وابن حزم وكثير من العلماء المعاصرين؟.

- الذي يترجح عندي هو القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة، فمن طلَّقَ ولم يُشهِد فلا يقع طلاقه، ونفس الشيء بالنسبة للرجعة، فالأمر الوارد في الآية الكريمة - التي هي محل الاستدلال - هو للوجوب، ويشهد لذلك سياقُها السابق واللاحق، فضلاً عن ما ورد عن الصحابة والتابعين وأقوال المفسرين.

- الذين قالوا بالوجوب من الصحابة وغيرهم لم يُنكر عليهم أحد في أزمانهم، كما أنهم لم يخالفوا نصًا قطعيًا من الكتاب أو السنة.

- القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة يتفق مع مقاصد الشريعة في المحافظة على الأسرة، والحد من التشرد والضياع، وتضييق دائرة الطلاق التي اتسعت الآن كثيرًا، وأصبح الزوج يطلق زوجته لأقل غضبة وأتفه سبب.

- القول بوجوب الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة مصلحة مُرسَلة يؤيدها نص قطعي الثبوت، وفي ذلك يقول  الفقيه الدكتور: محمد بلتاجي حسن رحمه الله، أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بالقاهرة وعميدها الأسبق: (... ينبغي أنْ نضع في اعتبارنا أيضًا أن تغير الظروف وانتشار الناس وكثرتهم في عصرنا قد أوجبت العمل بالمصالح المرسلة في توثيق كثير من العقود - ومنها عقد الزواج نفسه - خشية جحده أو الادعاء فيه، مع أنَّه ليست هناك نصوص خاصة من القرآن أو السنة في وجوب هذا التوثيق الكتابي.

 أما الإشهاد على الطلاق والرجعة فهناك النص السابق في القرآن الكريم، ومجال الاختلاف في العمل به قاصر على فرضيته أو ندبه، وإذا كان الأمر كذلك فقد قوَّى جانبُ المصلحة القولَ بفرضيته في عصرنا، وفيما يتلوه من عصور.

ومن هنا لا يكون القائم على أمور التشريع مخطئًا إذا قنَّن لوجوب الإشهاد على الطلاق وعلى الرجعة عملاً بالمصلحة المرسلة التي يؤيدها نص قطعي الثبوت يرى فقهاء معتبرون أنَّ الأمر فيه للوجوب([15]).

والله تعالى أعلى وأعلم.

دكتور: أحمد عبد المجيد مكي

([1]) اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/ 112)، رقم (936).

([2]) التحرير والتنوير (28/ 309).

([3]) البحر المحيط في التفسير (10/ 198).

([4]) تفسير القاسمي (9/ 255).

([5]) نظام الطَّلاق في الإسلام ( ص: 118).

([6]) المحلى بالآثار (10/ 17).

([7]) رواه أبو داود وابن ماجه بإسناد صحيح.

([8]) فقه السنة (2/ 258).

([9]) مصنف عبد الرزاق الصنعاني (6/ 136).

([10]) فقه السنة (2/ 258).

([11]) أخرجه البيهقي (7/ 373) وإسناده صحيح.

([12]) فقه السنة (2/ 258).

([13]) صحيح البخاري (7/ 40).

([14]) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (20/ 226).

([15]) دراسات في أحكام الأسرة، دكتور: محمد بلتاجي حسن،  مكتبة الشباب ( ص: 119).