لا تكن خفيفاً

من أخطر ما يُفسِد الإنسان أن يتحول إلى إنسان “خفيف"، خفيف العقل،خفيف الوعي، خفيف الموقف،تهزه الكلمات، وتقوده الضوضاء،فيساق بلا بصيرة.

  • التصنيفات: تزكية النفس -

من أخطر ما يُفسِد الإنسان أن يتحول إلى إنسان “خفيف"
خفيف العقل،خفيف الوعي،
خفيف الموقف،تهزه الكلمات،
وتقوده الضوضاء،فيساق بلا بصيرة.

ولذلك لم يقل الله عن فرعون إنه أقنع قومه بالحجة،ولا أنه انتصر عليهم بالعلم،بل قال سبحانه:

{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}
 استخفهم بصناعة مجتمع خفيف في كل شيء، فجعلهم خفافاً.
 وكانت النتيجة أنه استخفهم فلم يعبأ بهم فامتهنهم وأهانهم.

فكأن القضية كلها بدأت من هنا:
حين خفَّت العقول سهلت قيادتها.

ففرعون لم يأتِ بدعوى محتملة أو شبهة دقيقة، بل قال أعظم الكذب: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}

ومع ذلك وجد من يطيعه!
ليس لأن دعواه قوية!!
بل لأن الداخل كان هشًّا، والوعي كان غائبًا، والنفوس اعتادت الانقياد دون تفكير.

فالإنسان حين يفقد ثقله الداخلي يصبح قابلًا لكل توجيه:
يصفق بلا فهم، ويغضب بلا علم، ويتبنى الآراء بلا تمحيص،
ويعيش أسيراً للمؤثرات والشعارات والجموع.

ولهذا كانت التربية الحقيقية ليست مجرد حشد معلومات،
بل بناء (الإنسان ثقيل):
ثقيل في وعيه،ثقيل في حكمه، ثقيل أمام الشائعات، ثقيل أمام العواطف العابرة،لا يساق بسهولة،ولا يُستخف مهما كان المُستخِف.

إن من أعظم ما يحمي الإنسان من هذه الخفة:
العلم الذي يبني البصيرة.
والتفكر والتأمل الذي يصنع السؤال، ويطلب الإجابة.
وصحبة أهل العلم والوعي والفكر، ومتابعتهم، والقراءة لهم.
والرجوع للمحكمات والثوابت وقت الفتن.
وتربية النفس على التثبت والتأني ومعرفة مالات الأعمال.

 فالوعي ليس ترفاً بل نجاة.

فكم من أمةٍ لم تُهزم بالقوة، لكن هُزمت حين أصبحت خفيفة تُقاد بطبلة، وتُستثار بشهوة، وتُصنع قناعاتها من الزيف لا من الحقيقة.

ولهذا فإن من المهم تضمينه في المناهج التربوية اليوم:
أن نُربّي أبناءنا على “الثقل"
ثقل العقل بالمعرفة وأدوات الفهم
وثقل الإيمان بالتزود من الصالحات.
وثقل الموقف،حتى لا يستجيب لكل استخفاف فرعوني.

_____________________________________
الكاتب: د. سعد الشمري