مع سورة النازعات

خالد سعد النجار

سميت في المصاحف وأكثر التفاسير «سورة النازعات» بإضافة سورة إلى النازعات بدون واو، جُعل لفظ «النازعات» علما عليها لأنه لم يذكر في غيرها.

  • التصنيفات: التفسير -

{بسم الله الرحمن الرحيم }

 

سميت في المصاحف وأكثر التفاسير «سورة النازعات» بإضافة سورة إلى النازعات بدون واو، جُعل لفظ «النازعات» علما عليها لأنه لم يذكر في غيرها.

وعنونت في كتاب التفسير من «صحيح البخاري» وفي كثير من كتب المفسرين بسورة «والنازعات» بإثبات الواو على حكاية أول ألفاظها.

وقال سعد الله الشهير بسعدي والخفاجي: إنها تسمى «سورة الساهرة» لوقوع لفظ «الساهرة» في أثنائها ولم يقع في غيرها من السور.

وقالا: "تسمى «سورة الطامة» أي لوقوع لفظ الطامة فيها ولم يقع في غيرها".

ولم يذكرها في "الإتقان" في عداد السور التي لها أكثر من اسم.

 

{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) } ابتدأت بالقسم بمخلوقات ذات صفات عظيمة، قسما مراد منه تحقيق ما بعده من الخبر، وفي هذا القسم تهويل المقسم به.

وهذه الأمور الخمسة المقسم بها جموع جرى لفظها على صيغة الجمع بألف وتاء لأنها في تأويل جماعات تتحقق فيها الصفات المجموعة، فهي جماعات، نازعات، ناشطات، سابحات، سابقات، مدبرات، فتلك صفات لموصوفات محذوفة تدل عليها الأوصاف الصالحة لها.

والذي يقتضيه غالب الاستعمال أن المتعاطفات بالواو صفات مستقلة لموصوفات مختلفة الأنواع أو الأصناف، أو لموصوف واحد له أحوال متعددة، وأن المعطوفات بالفاء صفات متفرعة عن الوصف الذي عطفت عليه بالفاء، فهي صفات متعددة متفرع بعضها عن بعض لموصوف واحد فيكون قسما بتلك الأحوال العظيمة باعتبار موصوفاتها. كما في قوله تعالى: {{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}} [الصافات: 1-3]

وهذا الإجمال مقصود لتذهب أفهام السامعين كل مذهب ممكن، فتكثر خواطر المعاني في الأذهان، وتتكرر الموعظة والعبرة باعتبار وقع كل معنى في نفس له فيها أشد وقع، وذلك من وفرة المعاني مع إيجاز الألفاظ.

{{وَالنَّازِعَاتِ}} جمع نازعة، والنزع جذب الشيء بقوة من مقره كنزع القوس عن كبده، ويستعمل في المحسوس والمعنوي..

 فمن الأول المحسوس: الأقواس تنزع السهام، ومنه قوله: {{وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ}} [الأعراف:108] وقوله: {تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ} [القمر:20] وقوله: {{يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}} [الأعراف:27]

ومن الثاني المعنوي: قوله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً} [الحجر:47]، وقوله {{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}} [النساء:59]

وفي البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- « أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسْوَدُ فَقَالَ: (هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟) قَالَ نَعَمْ قَالَ: (مَا أَلْوَانُهَا؟) قَالَ حُمْرٌ قَالَ: (هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟) [لون يميل إلى الغبرة كلون الرماد] قَالَ نَعَمْ قَالَ: (فَأَنَّى ذَلِكَ؟) قَالَ: لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ: (فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ عِرْقٌ)» .

{غَرْقًا} الإغراق: المبالغة، والاستغراق: الاستيعاب.

وقد اختلف في {النَّازِعَاتِ غَرْقًا} إلى حوالي عشرة أقوال:

** قيل: هي الملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار. ومنهم قولهم في المحتضر: "وهو في النزع الأخير".

{{غَرْقًا}} الملائكة تُسحب روح الكافر نزعاً شديداً مغرقا، أي تنزع الأرواح من أقاصي الأجساد.

فأقسم الله بالملائكة لأنها من أشرف المخلوقات، وخصها بهذا الوصف الذي هو من تصرفاتها تذكيرا للمشركين إذ هم في غفلة عن الآخرة وما بعد الموت، ولأنهم شديد تعلقهم بالحياة، كما قال تعالى لما ذكر اليهود { {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا}} [البقرة:96] فالمشركين مثل في حب الحياة ففي القسم بملائكة قبض الأرواح عظة لهم وعبرة.

والقسم على هذا الوجه مناسب للغرض الأهم من السورة وهو إثبات البعث لأن الموت أول منازل الآخرة فهذا من براعة الاستهلال.

** وقيل: الغزاة وجماعات الرماة بالسهام في الغزو، يقال للرامي: نزع في قوسه، إذا مدَّها بالوتر.. أو الغزاة ينزعون من دار الإسلام إلى دار الحرب للقتال.

{غَرْقًا} أغرق النازع في القوس، إذا استوفى مدَّها، ويضرب مثلاً للغلوّ والإفراط.

والغرق: الإغراق، أي استيفاء مد القوس بإغراق السهم فيها فيكون قسما بالرماة من المسلمين الغزاة لشرفهم بأن غزوهم لتأييد دين الله.

ولم تكن للمسلمين وهم بمكة يومئذ غزوات ولا كانوا يرجونها، فالقسم بها إنذار للمشركين بغزوة بدر التي كان فيها خضد شوكتهم، فيكون من دلائل النبوءة ووعد وعده الله رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

** وقيل: النجوم تنزع أي تنتقل من أفق إلى أفق. وتنشط من بُرْج إلى برج.

{غَرْقًا} تشبيه لغروب النجوم بالغرق في الماء.

والقسم بالنجوم في هذه الحالة لأنها مظهر من مظاهر القدرة الربانية كقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم:1].

{وَالنَّاشِطَاتِ} جمع ناشطة، وأصل الكلمة: النشاط والخفة، والأنشوطة: العقدة سهلة الحل، ونشطه بمعنى ربطه، وأنشطه حله بسرعة وخفة. وفي الحديث: "فَأَتَاهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيَتْفِلُ حَتَّى بَرِئَ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ" [أبو داود]

** قيل: الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين.

** وقيل: هي السهام، يعني خروجها عن أيدي الرماة ونفوذها، وكل شيء حللت فقد نشطته، ومنه: نشاط الرجل وهو انبساطه وخفته.

{ {نَشْطًا}} الملائكة تسحب روح المؤمن سحباً هيناً ليناً.

تنشطها نشطاً: أي تسلها برفق كالأنشوطة، والأنشوطة: الربط الذي يسمونه عندنا (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطاً بحيث إذا سللت أحد الطرفين انفكت العقدة هذا ينحل بسرعة وبسهولة، فهؤلاء الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطاً أي: تسلها برفق.

ودلالة السياق على هذا المعنى هو أنهما وصفان متقابلان.. الأول نزع بشدة والآخر نشاط بخفة، فيكون النزع غرقا لأرواح الكفار، والنشط بخفة لأرواح المؤمنين

فالملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار إذا دعت الروح إلى الخروج تناديها بأقبح الأوصاف كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «(وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا تُوُفِّيَ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ بِخِرْقَةٍ مِنْ بِجَادٍ [كساء مخطط] أَنْتَنُ مِنْ كُلِّ نَتْنٍ وَأَخْشَنُ مِنْ كُلِّ خَشِنٍ، فَيُقَالُ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ وَلَبِئْسَ مَا قَدَّمْتِ لِنَفْسِكِ، فَتَخْرُجُ كَأَنْتَنِ رَائِحَةٍ وَجَدَهَا أَحَدٌ قَطُّ بِأَنْفِهِ)» [مصنف عبد الرازق]،

وفي حديث البراء المشهور قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «(وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلاَئِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ [اللباس الخشن]، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِىءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ، قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ) » [مسند أحمد]

فتنفر الروح لا تريد أن تخرج إلى هذا، وتتفرق في الجسد حتى يقبضوها بشدة، وينزعوها نزعاً يكاد يتمزق الجسد منها من شدة النزع.

وقد جاء ذلك مفسرا في قوله تعالى في حق نزع أرواح الكفار:

{{وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ}} [الأنعام:93]

{{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}} [الأنفال:50]

أما أرواح المؤمنين فإن الملائكة إذا نزلت لقبضها تبشرها «(وَإِذَا تُوُفِّي الْمُؤْمِنُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ بِرَيْحَانٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَخِرْقَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ تُقْبَضُ فِيهَا نَفْسُهُ، وَيُقَالُ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ إِلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبُّكِ عَلَيْكِ غَيْرُ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رَائِحَةٍ وَجَدَهَا أَحَدُ قَطُّ بِأَنْفِهِ)» [مصنف عبد الرازق]،

وفي حديث البراء قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «(إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلاَئِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِىءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، عَلَيْهِ السَّلاَم، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِى ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ، وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ)»

وما أشبه هذا من الكلام الذي يهون عليها أن تفارق جسدها الذي ألفته فتخرج بسهولة.

وقال تعالى في حق المؤمنين:

{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر:27-28]،

{{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}} [فصلت:30].

ولهذا قال النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «(مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ) قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: (لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ)» [البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]

لأنه في تلك اللحظة يرى أنه سينتقل إلى دار أحسن من الدار التي فارقها فيفرح كما يفرح أحدنا إذا قيل له أخرج من بيت الطين إلى بيت المسلح والقصر المشيد الطيب، فيفرح فيحب لقاء الله، والكافر والعياذ بالله - بالعكس إذا بشر بالغضب والعذاب فإنه يكره أن يموت، ويكره لقاء الله فيكره الله لقاءه.

** وقد ذكر في الجلالين المعنى الأول منها فقط الخاص بالملائكة، والذي يشهد له السياق والنصوص الأخرى أن كلا من {النَّازِعَاتِ} و {النَّاشِطَاتِ}: هم الملائكة وهو ما روي عن ابن عباس ومجاهد وهي صفات لها في قبض الأرواح.. قال ابن عباس: {النَّاشِطَاتِ} الملائكة تنشط نفوس المؤمنين، وعنه: هي نفوس المؤمنين تنشط للخروج.

** والنشاط هو قوة الانطلاق للعمل كالسير السريع. ويطلق النشاط على سير الثور الوحشي وسير البعير لقوة ذلك، فيجوز أن يكون الموصوف إما الملائكة التي تسرع إلى تنفيذ ما أمر الله به من أمر التكوين، وإما الكواكب السيارة على وجه التشبيه لدوام تنقلها في دوائرها، وإما إبل الغزو.

{{وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا}} أصل السبح العوم، وهو تنقل الجسم على وجه الماء مباشرة، وهو هنا مستعار لسرعة الانتقال.

** قيل: هي الملائكة تنزل تسبح بما يأمرها الله سائرين في أجواء السماوات وآفاق الأرض.. أي تسرع فيه كما يسرع السابح في الماء. على حسب ما أراد الله سبحانه وتعالى، وهم -أي الملائكة- أقوى من الجن، والجن أقوى من البشر.

** وقيل: هي الكواكب تسبح في الفلك؛ لأن مرورها في الجو كالسبح، كما قال تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:33]

** وقيل: السفن تمخر الماء جيئة وذهاباً.

** وقيل: الخيل تسبح في عَدْوها فتسبق إلى العدّو، حين هجومها عليه سريعة كسرعة السابح في الماء. وهو مستعار من: سَبَحَ في الماء، لكنه ألحق بالحقيقة لشهرته.

والواقع فإنها كلها آيات عظام تدل على قدرته تعالى إلا أن السياق في أمر البعث والمعاد وأقرب ما يكون إليه الآيات الكونية: الشمس والقمر والنجوم، وقد وصف الله الشمس والقمر بالسابحات في قوله تعالى: {لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء:40]

{{فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا}} السبق: تجاوز السائر من يسير معه ووصوله إلى المكان المسير إليه قبله.

ويطلق السبق على سرعة الوصول من دون وجود سائر مع السابق قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148] وقال: {أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].

ويطلق السبق على الغلب والقهر، ومنه قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} [العنكبوت:4]

** قيل: الملائكة تسبق إلى أمر الله عز وجل، ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله وأقوم بأمر الله من بني آدم، قال الله تعالى في وصف ملائكة النار:

{{عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}} [التحريم: ٦].

{{إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ}} [الأعراف:206]

{{وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ}} [الأنبياء:۱۹-۲۰].

فهم سباقون إلى أمر الله عز وجل بما يأمرهم، لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لقوتهم وقدرتهم على فعل أوامر الله عز وجل.

** وقيل: الكواكب السيارة تسبق غيرها في السير، لكونها أسرع حركة.

** وقيل: الخيل تسبق إلى العدوّ في حَوْمة الوَغَى. وعدم مبالاة الفرسان بعدوهم وحرصهم على الوصول إلى أرض العدو، أو على معنى غلبهم أعداءهم.

وعطف بالفاء يؤذن بأن هذه الصفة متفرعة عن التي قبلها لأنهم يعطفون بالفاء الصفات التي من شأنها أن يتفرع بعضها عن بعض كما تقدم في قوله تعالى: {{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا}} [الصافات: 1-3] فلذلك {{فَالسَّابِقَاتِ}} هي السابقات من السابحات.

{{فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا}} الموصوفة بالتدبير.. والتدبير: جولان الفكر في عواقب الأشياء، وإجراء الأعمال على ما يليق بما توجد له.

** قيل: وصف للملائكة تدبر الأمر، وهو واحد الأمور.. يعني أمور الله عز وجل لها ملائكة تدبرها، فجبرائيل موكل بالوحي يتلقاه من الله وينزل به على الرسل، وإسرافيل موكل بنفخ الصور الذي يكون عند يوم القيامة ينفخ في الصور فيفزع الناس ويموتون، ثم ينفخ فيه أخرى فيبعثون، وهو أيضاً من حملة العرش، وميكائيل موكل بالقطر وبالمطر والنبات، وملك الموت موكل بالأرواح، ومالك موكل بالنار، ورضوان موكل بالجنة، وعن اليمين وعن الشمال قعيد موكل بالأعمال، كلٌ يدبر ما أمره الله عز وجل به .

والذي يشهد له النص أنها الملائكة قوله تعالى: {{تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}} [القدر:4] وكما وصف الله الملائكة بقوله {{لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}} [التحريم:6].

فهذه الأوصاف كلها أوصاف للملائكة على حسب أعمالهم، وأقسم الله سبحانه وتعالى بالملائكة لأنهم من خير المخلوقات، ولا يقسم الله سبحانه وتعالى بشيء إلا وله شأن عظيم إما في ذاته، وإما لكونه من آيات الله عز وجل.

** وقيل: الخيل أسند إليها أمر تدبير الظفر مجازاً لأنها سببه.. فالمراد بالتدبير: تدبير مكائد الحرب من: كر، وفر، وغارة، وقتل، وأسر، ولحاق للفارين، أو ثبات بالمكان.

وإسناد التدبير إلى السابحات على هذا الوجه مجاز عقلي لأن التدبير للفرسان، وإنما الخيل وسائل لتنفيذ التدبير، كما قال تعالى: {{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} } [الحج:27]، فأسند الإيتان إلى ضمير {كُلِّ ضَامِرٍ} من الإبل لأن إتيان الحجيج من الفجاح العميقة يكون بسير الإبل.

وفي هذا المجاز إيماء إلى حذق الخيل وسرعة فهمها مقاصد فرسانها حتى كأنها هي المدبرة لما دبره فرسانها.

** وقيل: المدبرات مثل المعقبات، أي: أنه يأتي في أدبار هذا الفعل- الذي هو نزع السهام وسبح الخيل وسبقها - الأمرُ الذي هو النصر.

** وقيل: هي الكواكب تدبر أمراً نيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، مجازاً أيضاً. لأنها سببه.

{{أَمْرًا}} مفعول للمدبرات.. والأمر: الشأن والغرض المهم، وتنوينه للتعظيم، وإفراده لإرادة الجنس أي أمورا، وتنكيره للتهويل والتفخيم.

وينتظم من مجموع صفات {{النَّازِعَاتِ} }، و { {النَّاشِطَاتِ} }، و { {السَّابِحَاتِ}} إذا فهم منها جماعات الرماة والجمالة والفرسان أن يكون إشارة إلى أصناف المقاتلين من مشاة وهم الرماة بالقسي، وفرسان على الخيل وكانت الرماة تمشي قدام الفرسان تنضح عنهم بالنبال حتى يبلغوا إلى مكان الملحمة.

 

واللفظ الكريم متسع لما ذكر من المعاني بلا تدافع. ولا إمكان للجزم بواحد؛ إذ لا قاطع، ولذا قال ابن جرير: الصواب عندي أن يقال: إنه تعالى أقسم بالنازعات غرقا، ولم يخصص نازعة دون نازعة. فكلُّ نازعة غرقاً، فداخلة في قسَمه مَلَكاً أو نجماً أو قوساً أو غير ذلك. وكذا عم القَسَم بجميع الناشطات من موضع إلى موضع، فكلُّ ناشط فداخل فيما أقسم به، إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها، بأن المعنى بالقسم من ذلك بعض دون بعض، وهكذا في البقية.

وكلامه -رحمه الله- متجه للغاية؛ إذ فيه إبقاء اللفظ على شموله، وهو أعم فائدة، وعدم التكلف للتخصيص بلا قاطع. وإن كانت القرائن واستعمال موادها في مثلها وشواهدها، مما قد يخصص الصيغ. إلا أن التنزيل الكريم يُتَوَقَّى في التسرع فيه ما لا يُتَوُقى في غيره.

** والمقسم عليه محذوف، تعويلاً على إشارة ما قبله من المقسم به إليه ودلالة ما بعده من أحوال القيامة عليه، وهو: «لتبعثنَّ»، وبه تعلق قوله تعالى فيما بعده.. وهو اختيار الزمحشري تبعا للفراء.

وقيل: وجملة {{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}} إلى {{أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ}} جواب القسم وصريح الكلام موعظة.. والمقصود منه لازمه وهو وقوع البعث لأن القلوب لا تكون إلا في أجسام.

وقد علم أن المراد بـ {{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ}} هو يوم القيامة لأنه قد عرف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مما سبق نزوله مثل قوله: {{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ}} فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث وفي طيه تحقيق وقوعه فحصل إيجاز في الكلام جامع بين الإنذار بوقوعه والتحذير مما يجري فيه.

فالمقسم عليه المراد منه تحقيق وقوع البعث بأسلوب أوقع في نفوس السامعين المنكرين من أسلوب التصريح بجواب القسم، إذ دل على المقسم عليه بعض أحواله التي هي من أهواله فكان في جواب القسم إنذار.

** ولم تقرن جملة الجواب بلام جواب القسم لبعد ما بين الجواب وبين القسم بطول جملة القسم، فيظهر من استعمال البلغاء أنه إذا بعد ما بين القسم وبين الجواب لا يأتون بلام القسم في الجواب، ومن ذلك قوله تعالى: {{وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}} إلى {{قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ}} [البروج:1-4]. ومثله كثير في القرآن فلا يؤتى بلام القسم في جوابه إلا إذا كان الجواب مواليا لجملة القسم نحو: {{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ}} [الأنبياء:57] {{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}} [الحجر:92]

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]