عشر ذي الحجة: عوائق على طريق العظمة

فالشيطان قد يفتح للعبد مائة باب للطاعة ليستدرجه بعد المائة إلى كبيرة خطيرة، وقد يشغله بالمفضول عن الفاضل، وقد يعبث بخلجات قلبه وهو متلبس ببدعة ليوهمه بأنها...

  • التصنيفات: العشر من ذي الحجة -

 

الشيخ شريف عبدالعزيز- ملتقى الخطباء

 

دائماً ما كنت أتساءل: لماذا العشر الكبار أعظم أيام العام؟!

ما سر تفضيل الله -عز وجل- للعشر الأوائل من ذي الحجة على غيرها من أيام العام -بما في ذلك أيام رمضان المباركة-؟!

وما الخصوصية الكبرى لتلك الأيام الفاضلة التي جعلتها تتربع على عرش مواسم الخيرات وأزمنة البركات التي رزق المولى -جلّ وعلا- الأمة المحمدية بها، حتى أن عباداتها تفوق مقام وقدر ذروة سنام الإسلام؟!

أهل العلم تكلموا في حكمة تفضيل العشر الأوائل من ذي الحجة، وذهبوا فيها مذاهباً شتى، ولكنها في مجملها ترجع إلى حكمة كلية رئيسية مستقاة من قوله تعالى: {(‌وَرَبُّكَ ‌يَخْلُقُ ‌مَا ‌يَشَاءُ ‌وَيَخْتَارُ)} ؛ فالاصطفاء والاختيار والتفضيل من أعلى خصوصيات الخالق.

ولكن الاصطفاء لماذا وبماذا؟!

والاصطفاء لماذا معلوم من محكم التنزيل؛ فالعشر العظام هي الأيام المعلومات التي شُرع فيها ذكره؛ قال تعالى: {(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)} [الحج:28].

والعشر هي الأيام المعدودات؛ قال تعالى: {(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)} [البقرة:203]؛ قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وذكر ابن عباس: أن الأيام المعلومات المذكورة في سورة الحج هي أيام العشر، والأيام المعدودات المذكورة في سورة البقرة هي أيام التشريق".

والعشر هي الأيام المتممات؛ قال تعالى: {(وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)} [الأعراف:142]؛ قال المفسرون: أمر الله -عز وجل- موسى بصيام ثلاثين يوماً من شهر ذي القعدة، ثم أمره بإتمام الأربعين بالعشر الأوائل من شهر ذي الحجة. وقال الشوكاني: "هذا من جملة ما كرَّم الله به موسى -عليه السلام- وشرفه. والثلاثين: هي ذو القعدة، والعشر هي عشر ذي الحجة، وقيل التكليم كان يوم النحر، والفائدة في فتم ميقات ربه أربعين ليلة مع العلم بأن الثَلاثين والعشر أربعون لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر غير الثلاثين، وأربعون ليلة منصوب على الحال، أي: فتمَّ حال كونه بالغًا أربعين ليلة".

أما الاصطفاء بماذا، اصطفاها بفريضة الحج؛ الركن الخامس للإسلام، فلا يقع الحج إلا في هذه الأيام، وهذا ما لا يوجد نظيره في باقي الفرائض، إذ يصح وقوع سائر أجناس العبادات القولية والفعلية في كل أيام السنة، إلا الحج فإنه لا يقع إلا في هذه الأيام العظام.

عوائق على طريق العظمة

ولأن الشيطان قد أقسم بعزة الله -تعالى- أنه لا يدع ابن آدم أبداً حتى يفسد عليه دنياه وآخره، وأن يقعد له بكل طريق، ويأتيه من كل باب، مجلباً عليه بخيله ورجله وجنده، نصب عينيه أكبر غاياته وأهدافه؛ إفساد الطاعة على المؤمنين، أما بالتكسيل والإقعاد، وأما بالتزيين والإفساد.

ولأن النفس ميالة للكسل والدعة وترك المعالي والانشغال بالسفاسف، ولأن الانسان خلق هلوعاً عجولاً جزوعاً منوعاً ملولاً، مستكثراً ما يقدم، مستقلاً ما يُعطى، متمرداً على الأوامر، متجرأً على النواهي؛ فكان من المتوقع أن يكون هناك الكثير من العوائق والعقبات على طريق الاستفادة من هذه الأيام العظيمة. ومن أبرز هذه العوائق:

1- أنها عشر

هذه الأيام وصفها الله -عز وجل- بأنها عشر، عشر فقط!! ووصفها في سورة الحج بالأيام المعلومات، ووصفها في سورة البقرة بالأيام المعلومات، كما سبق ووصف شهر رمضان -أيضا- بالأيام المعدودات. وسبحان مقلب الأيام ومصرّف الزمان!! هذه معلومات، وتلك معدودات، ولكن معلومات ذي الحجة عشر فقط، أي ثلث معدودات رمضان.

عشر أيام وليال، بمائتي وأربعين ساعة، يذهب ثلثها في النوم، وثلثها في العمل، وربعها في الطعام والشراب وقضاء الحاجة ومجالسة الأهل والأولاد، ولم يبق منها إلا سدسها، وهذا لمن كان حريصاً على وقته، وشحيحاً بساعاته ودقائقه.

وهذا الأمر يجعل مسألة الاستفادة منها غالية وعزيزة إلا على من اصطفاه الله -تعالى- وأكرمه وبصّره بما ينفعه يوم الميعاد، بحسن الاستعداد، وجمال الاستهلال، وبديع الختام، فهي عشر فحسب.

2- سرعة الانقضاء

فمن أبرز علامات الساعة الصغرى والتي يشعر بها اليوم كل الناس؛ سرعة انقضاء الأيام؛ فاليوم لا يكاد يبدأ حتى تغرب شمسه، ثم بمضي ليله، ونستقبل يوماً جديداً، حتى الأيام الصعبة الحزينة الكئيبة والتي كانت دائماً ما تُوصف بالثقيلة البطيئة أصبحت اليوم سريعة سرعة البرق. وهذا ما أخبرنا به سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله- عن أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تقوم السَّاعة حتَّى يتقارَب الزَّمان، فتكون السَّنة كالشَّهر، والشَّهر كالجُمُعة، وتكون الجمعة كاليَوم، ويَكون اليوم كالسَّاعة، وتَكون السَّاعةُ كالضَّرمة بالنَّار"(رواه الترمذي). والضَّرَمة: الوَقت المُستَغرَق بمِثْلِ ما يُشعَل به النَّارُ وانطفائِه.

قال ابن الجوزي في "كشف المشكل من حديث الصحيحين": "في معنى تقارب الزمان أربعة أقوال: أحدها: أنه قرب القيامة. والثاني: قِصر مدة الأزمنة كما جرت به العادة، ولهذا قال: "يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم". والثالث: أنه قصر الأعمار. والرابع: أنه تقارب أحوال الناس في غلبة الفساد عليهم، فيكون المعنى: يتقارب أهل الزمان: أي تتقارب صفاتهم في القبائح".

وهناك أقوال أخرى؛ لكن لعل ما ذهب إليه ابن الجوزي هو أشمل وأجمع قول في سرعة انقضاء الزمان، فإن الناس لما غلب عليهم الفساد والاشتغال بالرذائل وتضييع الأوقات، سُلبت منهم بركة الزمان، ونعمة التوفيق في استغلاله، فصار الواحد منهم عاكفاً على لهوه ولعبه وبطالته بالساعات الطوال ولا يكاد يشعر بمرورها، من غير طائل ولا فائدة، في حين لو عمّرها بالطاعة والذكر والنافع لحقق فيها خيراً عظيماً لنفسه ولمجتمعه.

3- الشيطان طليق

من خصوصيات شهر رمضان؛ تصفيد الشياطين. والمقصود بهم تحديداً مردة الشياطين الكبار الذين لهم باع طويل وخبرة كبيرة في غواية ابن آدم، والذين يعتبرون بمثابة أئمة الإفساد والغواية، ويعمل تحت أيديهم صغار الشياطين من ذوي المهام المحددة.

أما العشر العظام فالشياطين طلقاء غير مصفدين، والأدهى من ذلك أنهم ينتظرون قدوم العشر العظام للثأر من ابن آدم بتضييع موسم عبادة أعلى وأعظم قدراً من شهر رمضان نفسه. وأكثرهم رغبة في الانتقام بالغواية والتثبيط والتكسيل والتزهيد والإفساد؛ إبليس نفسه. ذلك أن تاج هذه العشر العظام يوم عرفة؛ خير يوم طلعت عليه الشمس، هو أكثر يوم يُرى فيها إبليس مذموماً مدحوراً من كثرة الرحمات والمغفرة والعتق من النيران في هذا اليوم.

ومن أعظم مكائد الشيطان بالإنسان في هذه العشر العظام أن ينسيه نفسه، وينسيه ما ينفعه، بل ينسيه وجود الشيطان نفسه. فالشيطان هو عدو الإنسان الأول والأخطر، وما دونه من الأعداء هم تبع له وفرع عنه. وهذا الأمر يقتضي من العبد الصالح مزيد انتباه ويقظة وبصيرة بمكائد الشيطان وأساليبه في الغواية والإضلال، فالشيطان قد يفتح للعبد مائة باب للطاعة ليستدرجه بعد المائة إلى كبيرة خطيرة، وقد يشغله بالمفضول عن الفاضل، وقد يعبث بخلجات قلبه وهو متلبس ببدعة ليوهمه بأنها رجفة الإيمان والخشية والاستقامة، وهكذا، فالشيطان لا تنتهي أساليبه وأدواته وخططه، فلحذر الحذر، والانتباه غاية الانتباه.

4- فردية الطاعة

النفس الإنسانية مؤلفة من طائفة من المشاعر التي تشبه الخطوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل شعورين منها متجاورين في هذه النفس، وهما في الوقت ذاته مختلفين في الاتجاه: الخوف والرجاء، الحب والكره، الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال، الاستعلاء والتواضع، الشدة واللين، وهلم جراً. كما أن لهذه المشاعر الكامنة في داخل النفس الإنسانية دوراً بارزاً في حياة الإنسان، إذا هي عملت جميعاً -كل واحدة في المجال الذي يناسبها- دون أن تطغي إحداها على الأخرى، إنها حينئذ تعينه على أن يحقق السيادة في الأرض، في ظل العبودية الحقة لله -رب العالمين-. والفردية والجماعية هما أهم هذه المشاعر ورأسها، وإن لكل من الفردية والجماعية دوراً في حياة الإنسان، وفي واقع الحياة، والإسلام وحده هو المنهج القادر على إشباع كل من الفردية والجماعية عند الإنسان، بل وتحقيق التوازن والانسجام بينهما، بحيث لا تطغى إحداهما على الأخرى، ولا يتوه الإنسان عند غياب إحداهما.

فمن أقوى محفزات الطاعة في شهر رمضان؛ جماعية الطاعة. فالجميع قائم على الطاعة في نفس الوقت، فالجميع صائمون قائمون عابدون في نفس الوقت تقريباً، مما يسهل من أمر الطاعة وييسر أداؤها. أما في العشر العظام، فالطاعة فردية، ومهما حصل من استفاضة البلاغ بفضلها وخيريتها، فإن الطاعة تبقى فيها من باب النوافل والمستحبات، لذلك فقليل من يلزم درب الطاعة والتعظيم والاستزادة فيها، مما يجعل المرء يستوحش من قلة السالكين، وندرة المعين. وهذا ظاهر من تعجب البعض من محافظة الصالحين على صوم أيامها، وتبديع البعض لمن أحيي ليلها، واستغراب البعض من الاعتكاف في المساجد في بعض أيامها. فالغفلة هي سمة غالبة على كثير من الناس، وهم أعداء لما يجهلون، وأيضا أعداء لما يعجزون عن فهمه أو الالتزام بأدائه، وهذا ظاهر من اتهام العابدين والمعظمين لتلك الأيام الكبار بالتطرف والتشدد في الدين. والباحث عن العظمة في تلك الأيام لابد أن يهيأ نفسه للعمل منفرداً، وسلوك طريق الطاعة وحيداً، بحيث يكون إيمانه ويقينه وتصديقه بموعود الله ورغبة في فضله واتباعه لأمر نبيه هو الدافع لسلوك هذا الطريق مهما كان موحشاً يمشي فيه وحيداً.

5- نمط الحياة

الحياة اليوم يغلب عليها التسارع والصعوبة وشدة المؤاخذة. الحياة اليوم يغلب عليها الركض وراء الشهوات، وتحصيل اللذات، والمنافسة على تحقيق الرفاهية فيها. وكلها أمور صبغت جميع مناحي الحياة وأنشطتها بنفس سماتها. فتجد المرء لا يكاد يلتقط أنفاسه من شدة السرعة وضرورة المتابعة لكل ما هو جديد. هذا النمط الصعب والموحش للحياة يؤثر على العبادة أشد تأثير، ويكاد يفرغها من مضمونها وحقيقتها، والمؤمن الحق والباحث عن تعظيم شعائر الله، والاستزادة من مواسم الخيرات، خاصة في العشر الكبار، لابد له من تهدئة وتيرة الحياة، وتبطيئ سرعتها، فما خُلقنا لنكون مثل الدواب الراكضة في البرية خشية أن تدركها الوحوش، بل خُلقنا لغاية أعظم وأجلّ، خُلقنا لعبادته وإقامة دينه، وعمارة الدنيا بهذا الدين، ونشره بين الناس.

يا عبد الله، إنها العشر الكبار العظام، فاقطع العلائق، وأزل العوائق، فالمغفرة تنتظرك في نهاية الطريق.