لماذا المؤمن أكثر إصابة بالوسواس من الكافر؟

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: الموت وما بعده - تزكية النفس - أعمال القلوب - الحث على الطاعات -
السؤال:

أرجو الإجابة عن أسئلتي:

هل المرأة لها ثوابٌ على تربية أولادها وعلى واجبها تجاه زوجها؟

وهل صحيحٌ أنَّ الجنة تحت أقدام الأمَّهات؟ ولماذا المؤمن أكثر إصابة بالوسواس القهري مِن الكافر مع أنه يُصلي، ويذكر الله دائمًا؟ وهل الوسواس القهري وسوسة مِن الشيطان؟ وهل كل إنسان لا بُد أن يعذَّب في القبر؟ وهل يقابل الأموات بعضهم بعضًا في القبور؟

منذ فترة رأيتُ شخصًا شعره طويل، ولحيته طويلة، ومنظره بشِع، وصارتْ تأتيني وساوس، قيل لي: هذا (عزرائيل) يُلاحقك ليقبض روحك! شعرتُ بأن هذا مِن وسوسة الشيطان؛ لأن رب العالمين لا يخوِّف عبده الذي يحبه، وملك الموت لا يُرى إلا في لحظة الموت! فأخبروني ما هذا؟

الإجابة:

 

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعد:

فاعلمي -أيتُها الأختُ الكريمةُ- أنَّ فرائض الأعمال أفضل القرُبات؛ كما صحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربِّه: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَب إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (صحيح البخاري)، ويشمل ذلك فِعل الواجبات، وترْكَ المحرَّمات؛ لأنَّ ذلك كُلَّه مِن فرائضِ اللهِ التي افترضها على عبادِه، فأداء ذلك على الوجه المأمور به انقيادًا وامتثالًا لأمر الله، وتعظيمًا له، وإظهارًا لعظمة الربوبية، وذل العبودية  دليلٌ على صِدْق عبودية العبد، والأدلة على أن تربية الأبناء واجبةٌ على الأبوين كثيرةٌ؛ أكتفي بذِكْر ما يلي:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وفي الصحيحين، عن ابن عمر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الْإِمَامُ رَاعٍ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا، وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه).

ولقد حذَّرنا نبينا مِن تضييع هذه الأمانة؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» (رواه البخاري ومسلم)، ولفظ البخاري: «مَا مِنْ عَبْدٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ».

فبان مِن هذا العموم أن تربية الأولاد وتنشئتهم على الفضيلة والاستقامة مَسؤوليةٌ أُنيطتْ بالآباء والأمهات، يُثابون بفِعْلِها، ويُعاقَبون بتركها، وإنما خُصَّتِ البنتُ بالذِّكْر في الأحاديث السابقة؛ لما تتميَّزُ به مِن الضعف والاحتياج إلى الصيانة والرعاية أكثر مِن الولد.

وكذلك طاعةُ الزوجة لزوجِها، وخدمتُها له، وحسْنُ تبعُّلِها، مِن الواجبات التي يُرجَى منها الأجرُ؛ قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228]، وقال -عليه الصلاة والسلام-: «أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؟ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ» (حسنه الألباني في صحيح الجامع)، وأخبرنا -أيضًا- أنه: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا غَضْبَانُ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، حَتَّى تُصْبِحَ» (متفق عليه)، وأخبرنا -أيضًا- أنه: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، رَضِيَ عَنْهَا اللهُ» (حسن صحيح).

أما كونُ الجنة تحت أقدام الأمهات؛ فقد ورد في حديث مرفوع إلى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ، أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إلى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا» (رواه النسائي، وغيره، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وأقرَّه المنذري، وحسَّنه الألباني)، ورواه ابن ماجه عن معاوية بن جاهمة بلفظٍ آخر، وفيه: قال: «وَيْحَكَ، أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَيْحَكَ، الْزَمْ رِجْلَهَا، فَثَمَّ الْجَنَّةُ»؛ قال السِّندي في شرح سنن ابن ماجهْ: "قال السخاوي: إن التواضع للأمهات سببٌ لدخول الجنة، قلتُ: ويحتمل أن المعنى: أن الجنة أي: نصيبك منها لا يصل إليك إلا مِن جهتها، فإن الشيء إذا صار تحت رجلي أحد، فقد تمكن منه، واستولى عليه؛ بحيثُ لا يصل إلى آخَرَ إلا مِن جهته". انتهى.

أما الوسواس فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"والوِسوَاسُ يَعْرِضُ لكلِّ مَن تَوَجَّهَ إلى الله تعالى بذكرٍ، أو غيره، فينبغي للعبد أن يَثبُتَ، ويصبِرَ، ويُلازِمَ ما هو فيه مِن الذكر، والصلاة، ولا يضجر؛ فإنه بمُلازمة ذلك، يَنصَرِفُ عنه كيدُ الشيطان: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}[النساء: 76]، وكلما أراد العبد توجُّهًا إلى الله تعالى بقلبه، جاء من الوَسَاوِسِ أمورٌ أُخْرَى، فإن الشيطان بمنزلَةِ قاطِعِ الطريق، كلما أراد العبد أن يسير إلى الله تعالى أَرَادَ قَطْعَ الطريق عليه؛ ولهذا قيل لبعض السلَف: إن اليهود والنصارى يقولون: لا نُوسوس، فقال: صَدَقُوا، وما يصنع الشيطان بالبيتِ الخَرَابِ؟!".

الشيطان يمارس علينا نوعًا من الحرب الظاهرة والباطنة، فالحرب الظاهرة: إنما هي إغواءُ الناس للوقوع في المعاصي، أما الظاهرة: فهي كالكذب، والغش، وأكل الربا، والقتْل، والزِّنا، والفُحش، وغير ذلك مِن المعاصي التي تمارَس عن طريق الجوارح.

وهناك نوعٌ آخَرُ مِن الحرب التي يشنها الشيطان على أولياء الله تعالى وهي الحربُ على القلب، والإغارة عليه، وذلك عن طريق الشبهات التي يُثيرها في قلب العبد المؤمن، وكذلك -أيضًا- عن طريق الوسوسة التي يقذف بها في قلب المؤمن؛ ليشغله بهذه الأشياء البسيطة عن الشيء العظيم، حتى إنه قد يصل به الحال أن يتمنى الموت مِن شدة الألم، وقد يرى في الصلاة عُقوبةً ما بعدها عقوبة!

أما كونُ الوسواس يُسلَّطُ على أهل الإيمان، فتأمَّلي -رعاكِ اللهُ- ذلك الأثَرَ؛ حيثُ قيل لابن عباس: "إنَّ اليهود يقولون: نحن لا نوسوس في الصلاة، قال: فما يصنع الشيطان بقلبٍ خَرِبٍ؟!"؛ فالشيطان لا يأتي ليخرب المهدوم، ولكن يأتي ليخرب المعمور؛ ولهذا لما شُكي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به؛ قال: «وجدتم ذلك؟»، قالوا: نعم، قال: " «ذاك صريح الإيمان» (رواه مسلم)؛ أي: إن ذاك هو العلامةُ البينةُ على أنَّ إيمانكم صريحٌ؛ لأنه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلبٍ صحيحٍ خالصٍ بخلافِ الكفارِ الذين قلوبهم مغمورةٌ في الكفرِ والشهواتِ؛ وما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ.

أما ما ورد مِن عذاب القبر، فإنه يكون في حق العُصاة الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، فقد يعذبهم الله بذنوبهم في قبورهم، وفي النار يوم القيامة، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقوا، أُذِنَ لهم بدخول الجنة؛ كما ثَبَتَ في صحيح البخاري (7047) من حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه- حصول عذابِ القبرِ لكثيرٍ من عصاةِ الموحدين، كمَن ينامُ عن الصلاةِ المكتوبةِ، والزناة، وآكل الربا، والكذاب الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق.

قال الحافظُ ابنُ حجرٍ: "وفيه: أن بعض العصاة يعذَّبون في البرزخ". انتهى من "فتح الباري" (12 / 445).

وكما ثبت عذاب القبر في الذي لا يستَتِرُ من بولِهِ، والذي يمشي بين الناس بالنميمة؛ في البخاري (216)، ومسلم (292).

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "عذاب القبر نوعانِ: نوعٌ دائمٌ سوى ما وَرَدَ في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا مِن قبورهم، {قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52]، ويدل على دوامِهِ قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46].

النوع الثاني: إلى مدةٍ ثم ينقطع، وهو عذابُ بعضِ العُصاة الذين خَفَّتْ جرائمُهم، فيعذب بِحَسَبِ جُرْمِهِ، ثم يخفف عنه؛ كما يُعَذَّب في النار مدةً، ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاءٍ، أو صَدَقٍة، أو استغفارٍ، أو ثوابِ حجٍّ". انتهى باختصار من "الروح" (ص 89).

ثانيًا: هناك فرقٌ بين عذاب القبر الذي يُصيب العصاة، وبين ما يُبتَلَى به المؤمن في قبره؛ من الضغطة، وفتنة الملكين، فإنَّ هذا ليس بعذاب، فَهَوْلُ القبر، وروعتُهُ، وضمتُهُ، هذا عامٌّ لكل أَحَدٍ، حتى الصالحين من المؤمنين ينالهم مِن ذلك ما ينالهم.

وأما العذاب بمعناه الخاص وهو الذي أشرنا إليه في الفقرة الأولى مِن الجواب، فهو عقوبةٌ على ذنوبٍ معينةٍ، وليس عامًّا لكل أحدٍ.

قال السيوطي -رحمه الله- في حاشيته على النسائي (4/103): " قَالَ النَّسَفِي: الْمُؤْمِن الْمُطِيع لا يَكُون لَهُ عَذَاب الْقَبْر، وَيَكُون لَهُ ضَغْطَة الْقَبْر". انتهى.

هذا ومِمَّا يُعين المرءَ على دَفْعِ الوساوس والتغلُّب عليها:

  1. الالتجاء إلى الله تعالى بالدُّعاء بصدقٍ وإخلاصٍ؛ كي يذهب عنك هذا المرض.
  2.  الإكثار مِن قراءة القرآن، والمُحافَظة على ذِكْرِ الله تعالى في كلِّ حال، لا سيَّما أذكار الصَّباح والمساء، وأذكار النَّوم والاستيقاظ، ودخول المَنْزِل والخروج منه، ودخول الحمَّام والخروج منه، والتَّسمية عند الطعام، والحمد بَعده، وغير ذلك؛ فقد روى أبو يَعلى عن أنسٍ أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ وَضَعَ خَطْمَهُ على قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ خَنسَ، وإن نَسِيَ التَقَمَ قلْبَه، فَذَلِكَ الوَسْوَاسُ الخنَّاسُ» (ضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة).
  3. الاستعاذة بالله مِن الشيطان الرجيم، والإعراض عن وسْوسَتِه، وقطع الاستِرْسال مع خطواته الخبيثة في الوسوسة؛ فذاك أعظمُ علاج، وفي الصحيحَيْنِ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «يأتي أحدَكُم الشَّيطانُ فيقول: مَنْ خَلَقَ كذا وكذا؟ حتَّى يقول له: مَنْ خَلَقَ ربَّك؟ فإذا بلغَ ذلِكَ، فليَسْتَعِذْ بِالله، وليَنْتَهِ». وعن عُثْمَان بْنِ أبي العاص قال: "يا رسول الله، إن َّالشَّيطانَ قدْ حالَ بيْنِي وبيْنَ صلاتِي وقراءَتِي؛ يُلَبِّسُها عليَّ، فقال رسولُ الله -صلَّى الله علَيْهِ وسلَّم-: «فإذا أحسَسْتَهُ، فتعوَّذْ بِالله منه، واتْفُلْ عن يَسارِك ثلاثًا»، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهَبَهُ اللهُ عنِّي" (رواه مسلم).
  4. الانشغال بالعلوم النافعة، وحضور مَجالس العلم، ومُجالسة الصالحين، والحذَر مِن مُجالسة أصحاب السُّوء، أو الانفراد والانعِزَال عنِ الناس.
  5. الإكثار من الطَّاعات، والبُعد عن الذُّنوب، والمعاصي.

وأسأل الله أن يشفيكِ شفاء لا يغادر سقمًا.