تزوجني سرا ويريد أن أبحث عن زوج آخر!

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الزواج والطلاق - قضايا الزواج والعلاقات الأسرية - قضايا المرأة المسلمة - العلاقة بين الجنسين -
السؤال:

تزوجتُ منذ 6 أشهر مِن زوجٍ عن طريق موقع زواج إليكتروني، بالشروط التالية:

زواج سريّ، أعمل لإعانة نفسي وإعانته في بلد الغربة بسبب غلاء تكاليف المعيشة، يأتي بيتي كل يوم تقريبًا لمدة ساعتين، عدم الإنجاب، الحرية الكاملة لي في كل شيءٍ يخص حياتي، وعدم منعي من أي شيء أُحِبُّه!

تم الزواجُ بعد رفْضِ الأهل مرات عدة، ومحاولات مستميتة من العريس في جَعْلِهم يوافقون، حتى وصل الحال لعقد زواجي بشكل سريٍّ بيني وبينه بعد إلحاحه الشديد عليَّ، مِن خلال وكالة زواج منه بسبب وضع بلدي، وعدم قدرته على القُدوم إلينا!

وبعد وضْع أهلي أمام الأمر الواقع، تَمَّ الزواج، وتمتْ مُوافقة الأهل على السفر إليه، وذهبتُ إليه، والتزمتُ بكل الشروط التي وضَعها، ورزقني الله بعملٍ جيدٍ فور قدومي.

أشعر بالسعادة الفائقة عند وجودي بقُربه، وعلى الرغم مِن طبْعِه ومزاجه المتعكِّر دائمًا، وكلامِه البذيء، إلا أنني أُحِبُّه، لا أعرف كيف؟ ولا لماذا؟

وعدني في البداية بالقدوم إليَّ كل يوم لمدة ساعتين، لكنه لم يستطع الوفاء بوَعْدِه، وأصبح يأتيني يومًا واحدًا في الأسبوع!

كل هذه المشاكل، ومشاكل الغربة، ومشاكل الإنفاق وغلاء المعيشة، صبرتُ عليها بكامل طاقتي، وحاولتُ ألا أكترثَ لها، لكن ما يُصيبني بالجنون الآن هو: أنه لا يتعب ولا يمَل مِن البحث عن زوجة ثالثة ورابعةٍ، مِن خلال مواقع الزواج أيضًا، وقد علمتُ بأنه كانتْ لديه علاقاتٍ واسعةٍ بين زواج وطلاقٍ، وعلاقات أخرى مُحَرَّمة، يصِلُ عددُها إلى ما يقارب الـ20، وكل مرة ترفُض الزوجةُ الاستمرار معه حسب روايته!

الآن أنا في حيرةٍ كبيرةٍ، على الرغم من محبتي الكبيرة وتعلُّقي الكبير به، لكنني لا أستطيع الاستقرار معه؛ فهو مِن النوع المتقلِّب جدًّا، والمتأثِّر بأي كلام!

يُريد التنويع والزواج، لو توفرتْ له كل يوم واحدة، فلا مانع لديه إذا كانتْ وفق الشروط التي اشترطها عليَّ!

أخبرتُه بأنني تحمَّلْتُ ظروف زوجته الأولى وأولادها بكل رحابة صدر، وأنني أتحمَّل كلامه مع النساء ليل نهار أمامي، ولكن أن يتزوَّجَ بالثالثة والرابعة، وأنا لا أكاد أحصل مِن حقوقي الزوجية أو الحياتية معه على شيءٍ، فهذا ظلمٌ كبيرٌ لي.

أخبرني بأن أُحاول البحث عن زوجٍ مناسبٍ، وسوف يتركني في حال وجدتُه، وعلى الرغم من أني ضد هذه الفكرة، إلا أني بدأتُ بالفعل في البحث عن زوجٍ مناسبٍ، وقابلت بعضهم بعلمه واستشارته!

وكلما تسنَّتْ لي الفرصة للزواج لا يتركني، ولا أعلم ماذا يريد بالضبط؟!

بدأتُ أصاب بنوبات غَيْرة وشك تجعلانني أتصرف بجنون معه، وعلى الرغم من كل اهتمامي به، إلا أنني وقت الدورة الشهرية أنفجر بكلِّ المساوئ أو المواقف السيئة التي كانتْ خلال الشهر، مما يُصيبه بصدمةٍ مني، فهو يعتقد أنني أُحبه بجنون، لدرجةٍ لا تجعلني أشعر بما يفعله بي!

أريد أن أعرف ما مَصير مثْل هذه العلاقات؟ وهل انفصالي عنه والبحث عن شخص مسؤولٍ ومستقر نفسيًّا أفضل، علمًا بأني أملك مِن الجمال وحُسن الطباع ما يحمَدُه الكثيرُ مِن الرجال؟ أو أستمر معه لمدة اطول لأفهمه بشكل أكبر؟

أنا لا أنوي الإنجابَ منه، على الرغم مِن أنه يحاول إقناعي بضرورة الإنجاب، ولو كان ولدًا واحدًا، لكنني أرفُض هذه الفكرة؛ إذ الولدُ سيربطني به بشكلٍ كاملٍ، ويُمَكِّنه مِن العيش على هواه دون الخوف مِن تركي، أشيروا عليَّ ماذا أفعل؟

وجزاكم الله خيرًا

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فاسمحي لي - أيتها الأخت الفاضلةُ - في البداية أن أُبدي عجبي مِن شأن هذا الكائن الإنساني العجيب، ولعمر الله، لقد صدق شاعر العربية أبو الطيب المتنبي في ميمِيَّتِه في ابن كَيَغْلَغ:

لِهَوَى النُّفُوسِ سَرِيرَةٌ لَا تُعْلَمُ *** عَرَضًا نَظَرْتُ وَخِلْتُ أَنِّي أسْلَمُ

فلولا عمى عينِ الهوى عن جادة الصواب، وضعفُ البصائر، ولبسُ الحق بالباطل، وإرضاءُ نزَق النفس، ودروس المعرفة - لما وقع إنسانٌ في ورطة أصلًا، ولكن قدر الله وما شاء فعل، والله المستعان.

فإن قيل: إن عذل المحب فيما يهواه نوعٌ مِن العبث، وأنه لا يتصور أحد ما دهاه إلا من هو مثله كما قيل:

لا تَعْذُلِ المُشْتَاقَ فِي أَشْوَاقِهِ *** حَتَّى يَكُونَ حَشَاكَ فِي أَحْشَائِهِ

وقول الآخر:

دَعْ عَنْكَ تَعْنِيفِي وَذُقْ طَعْمَ الهَوَى *** فَإِذَا عَشِقْتَ فَبَعْدَ ذَلِكَ عَنِّفِ

فالجوابُ أن هذا الكائنَ الإنسانيَّ قد كرَّمه اللهُ، واختاره لعقيدته، وفطَرَه على استحسان التوحيد، واستحسان كل الفضائل، واستقباح الشرك وكل الرذائل، وهيَّأَهُ سبحانه لتلقِّي الشرع والتكليف، ثم أرسل رسلَه بشريعةٍ مؤكدةٍ لما فطره عليه، وشريعةُ الإسلام هي أقوم منهج للمجتمع الإنساني، وأرقى تصوُّر للوجود وللحياة، وفي ذات الوقت كلُّ إنسان ينطوي ضميره على تصوُّرات صحيحةٍ، ومُزَوَّد باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، وقادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء؛ كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7، 8]، وقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]؛ أي: طريقي الخير والشر، بينَّا له الهدى من الضلال، والرشد مِن الغي، وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}[الإنسان: 3].

فالعاقلُ مَن يُقَدِّم الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه بطبعه، ويميل إليه بمقتضى عقله، فيهوى تناوله.

فإذا تأملتِ - أيتها الأخت الكريمة - هذا الكلامَ، وحكَّمْتِ العقل، وتأمَّلْتِ رسالتك مِن جديدٍ، أدركتِ حجم الورطة التي ألَمَّتْ بك، وأوقعتِ فيها نفسك، وسألخص تلك الورطات في نقاط:

أولًا: زواجك في السر باطلٌ شرعًا، وقد زادتْه بنود العقد بطلانًا، فليس هذا هو الزواج الشرعي القائم على المودة والرحمة وأداء الحقوق، ولعل هذا هو سبب رفْض أسرتك له بدايةً.

ثانيًا: هناك شروطٌ لعقد الزواج الصحيح، وهي لم تتوافرْ في زواجك؛ منها: عدم وجود الوَلِيّ؛ وقد قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا نكاح إلا بِوَلِيٍّ» (رواه أحمد وأبو داود)، وكذلك الشهادة؛ لحديث عمران بن حصين مرفوعًا: «لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدْل» (رواه ابن حِبَّان والبيهقي، وصححه الذهبي).

وكذلك الصيغة رُكْنٌ في العقد، وهي الإيجاب والقَبول، وتكون بين الوليِّ والزوج.

ثالثًا: الإشهارُ شرطٌ مِن شروط النكاح، وأقل ما يكفي فيه الشهود، ونكاح السر هو الذي لم يشهدْه الشهودُ، وقد رُوِيَ أن عمر بن الخطاب أتي بنكاحٍ لم يشهدْ عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنتُ تَقَدَّمْتُ فيه لَرَجَمْتُ؛ رواه مالكٌ في المُوَطَّأ.

فالواجبُ عليك الآن هو الانفصالُ والابتعادُ عن ذلك الرجل، وعدم تمكينه مِن نفسك؛ فهو أجنبيٌّ عنك، وما تَمَّ بينكما فهو نكاحٌ باطل، يُضاد الزواج الشرعي، وما يفعله ذلك الرجلُ معك يدل على أنه مُدْرِكٌ لذلك الحكم، وأن الأمر لا يعدو عنده نزْوة أو تهريجًا، وليس هذا عجيبٌ على مِثْلِ هؤلاءِ، وإنما العجيبُ أن تقبلي هذا على نفسك ، وأنت امرأةٌ مرغوبٌ فيها.

رابعًا: قد ذكرت - أيتها الفاضلة - أن ذلك الرجل مُتَّصِف بصفات لا يجوز لك معها الإقدام على الزواج منه زواجًا شرعيًّا، فهو متعكِّر المزاج دائمًا، وكلامُه بذيءٌ، ولا يمَلُّ من البحث عن زوجة ثالثةٍ ورابعة، وله علاقاتٌ واسعة، مزواج مطلاق، فضلًا عن علاقاته المحرَّمة، كل هذا يُمكن تصوُّره، أما ما لا يمكن تصوُّره فهو تشجيعُه لك على البحث عن زوج مناسبٍ! وهذا شيء يدلُّ على انعدام مروءته وأخلاقه، بل ورجولته، أو أنه يعتبرك صديقةً له - كما هو الظاهر.

خامسًا: يجب علينا مُصارحتك بالحقيقة التي أظن أنها لا تخفى عليك، أنَّ ما أنت فيه شيءٌ، والزواجُ الشرعيُّ الذي سماه اللهُ ميثاقًا غليظًا شيءٌ آخر، فللزوجةِ حقوقٌ وواجبات على زوجها مرجع العادة الجارية؛ أي: المعروف؛ من وجوب النفقة والصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحُسن المعاملة، والقسم بالعدل بين الزوجات، والوطء؛ قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، فأين كل هذا مما تعيشين فيه؟! ففرِّي مِن هذا الرجل، وابحثي عن رجلٍ حقيقيٍّ، ولكن ليس عن طريق مواقع التعارف؛ فهي ليستْ أماكن مُثلى للزواج.

وفقك الله لكل خير، وقدر لك الخير حيث كان.