أريد فسخ الخطبة ولكن أشعر بالذنب

خالد عبد المنعم الرفاعي

فتاة مخطوبة لا تُريد خطيبها، وندمتْ على الموافقة عليه، حاولتْ كثيرًا تقبُّل الأمر، لكن شَكْلَهُ كان يُسَبِّب لها نُفورًا، تشعُر بالذنب تُجاهه، فلا تريد تركه لأنه لا يوجد سببٌ مُقنع يجعلها تتركه، وفي الوقت نفسه هي غير مرتاحة معه.

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

لسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاةٌ عمري (18) عامًا، تقدَّم لخطبتي شابٌّ عمرُه (27) عامًا، وافقتُ عليه في البداية ثم رفضتُ بعد ذلك، لكن المشكلة أن أهلي لم يهتمُّوا برأيي، وأتمُّوا عقد الزواج، فندمتُ على موافقتي أشد النَّدَم.

حاولتُ تقبُّل الأمر، لكن شَكْلَهُ كان يُسَبِّب لي نفورًا، ضغطتُ على نفسي كثيرًا لأتقبَّله، لكن للأسف لَم أنجحْ!

أرفض مُقابلتَه؛ لأنه مُمِلٌّ جدًّا، عبَّر لي عن حبِّه ومدى علوِّ أخلاقي، فازددتُ رفضًا له، وطلبتُ الطلاق عن طريق المحكمة، لكن أهلي رفَضوا.

أخذتُ قرارًا بالصبر حتى انتهاء الدراسة، ثم أذهب للدراسة في الخارج، لكن لا أعلم كيف أتحمَّل هذا الوضع حتى تنتهي دراستي؟!

أهلُه أناس طيبون جدًّا، ولي صديقة مُقَرَّبة حذرتني مِن تَرْكِه؛ لأنني بذلك سأكون ظالمةً له.

فماذا أفعل؟ أنا أشعُر بالذنب كل يوم أكثر وأكثر، فلا أريد تركه لأنه لا يوجد سبب مُقنع يجعلني أتركه، وفي الوقت نفسه أنا غير مرتاحة معه، وقد أثر ذلك على دراستي بصورة ملحوظة، حتى إن معلماتي أخْبَرْنَني بأن مستواي الدراسي بدأ ينخفِض.

تعبتُ مِن التفكير في مستقبلي الدِّراسي، فلو خيَّروني بين الدراسة والزواج لاخترتُ الدراسة، لكن للأسف لَم يتم تخييري!

إحدى معلماتي عندما علِمتْ أني خُطِبْتُ كادتْ تبكي، وأخبرتْني بأني ما زلتُ صغيرة على الزواج، وأن المستقبل أمامي، وأنني لا بد أن آخذَ شهادةً لأرفع بها رأسي لأني بدونها لا أساوي شيئًا!!

فأخبِروني كيف أقنع أهلي برغبتي في ترْكِه؟ وما الطريقةُ الصحيحة لذلك؟ وكيف أقنع المحكَمة بأني لا أريدُه؟ وهل ما أُقدم عليه وأفكر في فعله صحيح أو لا؟

وجزاكم الله خيرًا.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/fatawa_counsels/0/92419/#ixzz4y8BM8eHt

 

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فما فهمتُه مِن كلامك أيتها الابنة الكريمة أن خطيبك كغيره مِن الرجال فيه ما يناسبك، بدليل أنك وافقتِ عليه في البداية، وهذا يُفهم أيضًا مِن تحذير صديقتك مِن تركه، كما أنَّ فيه أيضًا ما لا ترضين عنه، وهو ما جَعَلك كارهةً لإتمام الزواج لملاحظتك لجانب عدم الرضا، غير أنك لم تذكُري سببًا مقنعًا يجعلك تتركينه، فالحيرةُ المستوليةُ عليك سببُها محض صراعات نفسية بسبب خوف المعلِّمة مِن عدم إتمام دراستك، وهذه مسألةٌ يَسْهُلُ حلُّها لو اتفقنا أولاً أنه لا ينبغي أن تتأخَّرَ الفتاة عن الزواج من أجل الدِّراسة؛ لأن الزواج لا يمنع مِن إتمامها، ولا يتعارَض معها بشيءٍ مِن التنظيم وترتيب الأولويات.

ففي إمكانك - سلمك الله - أن تتزوجي، وتُحصِّلي مصالح الزواج الكثيرة مِن حفظ الدين والخُلُق، لا سيما في هذا العصر الذي صار فيه تأخيرُ الزواج ضررًا على الفتاة والشابِّ؛ وقد أوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الشبابَ بالزواج؛ فقال: «يا معشر الشباب، مَن استطاع منكم الباءةَ فلْيَتَزَوَّج، فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفَرْج»؛ متفق عليه.

فاستبدلي أيتها الابنة الكريمة بالفكر السلبيِّ عن خطيبك آخرَ إيجابيًّا، وسيظهر لك ما لم تُلاحظيه سابقًا، فقط دَعِي جاذبية الفطرة بين الجنسين تتَّجه لإقامة الأسرة، والتقاء النفوس على المودة والرحمة، والتعاطف والستر والتجمُّل، والحصانة والطُّهر، وتَمَدُّد وشائج الرحمة وأواصر التكافُل.

وتذكَّري أن ما تتعلق به كثير مِن الفتيات مِن صوَر ذهنية للزوج وفتى الأحلام - لا وجود لها خارج الذِّهن، وأن الشَّكل والمظهر الخارجي ليس إلا جانبًا واحدًا من الصورة الكلية، ولا يستغرق سائر العلاقات بين الزوج وزوجته.

وتأمَّلي بارك الله فيك كيف صوَّر القرآنُ الكريم الحياة الزوجية والمشاعر التي ترفُّ على البيت المسلم ويشيع فيها الندى، ويفوح منه العبير، قال: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، وقال سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80]، وقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21]، فكما أن الله تعالى هو مَن خَلَق لنا من أنفسنا أزواجًا فهو سبحانه مَنْ أَوْدَعَ نفوسنا هذه العواطف والمشاعر، وجعَل في تلك الصِّلة سكنًا للنفس والعصب، وراحة للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأُنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء.

ومن ثمرات الرِّضا بما قسمه الله لك ويَسَّره من خاطب كفء: أن تري الوجه المُشرقَ في الزواج، وتتحلي بالفِكر الإيجابي، وتُدركي المعنى الشامل للزواج، فسَلي الله أن يقنعَك بما رزقك، وأن يُبْعِدَ عنك وساوسَ النفس والشيطان، ففي الحديثِ الذي رواه أحمدُ والتِّرمذيُّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «وارْضَ بما قسَم الله لك تكنْ أغنى الناس».

وفقك اللهُ لكل خيرٍ، وقدَّر لك الخير حيث كان.