الخوف على الفتيات من التحرش

أمٌّ تخشى على ابنتيها من التحرش من أقاربهم نتيجة تعرُّضها في صغرها للتحرش؛ ما أدَّى لمشاكل بينها وبين أهل زوجها، وتسأل: ما الحل؟

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

أنا امرأة متزوجة، والحمد لله أنعم الله عليَّ بطفلتين؛ الكبرى عمرها أربع سنوات، والأخرى عمرها سنتان، أنا أخاف عليهم، ولا أثق أن أتركهم عند أي أحد، وأنا متزوجة في منطقة غير منطقة أهلي، وأمي علمتني مقولة تقول: "مِن مأمنه يُؤتَى الحَذِر"، وأنا أفكِّر في أمور التحرش، وأخاف عليهم، فأهل زوجي سببوا لي مشاكل ويتدخلون في تربيتي، ويقولون لي أني معقدة ومريضة نفسيًّا، حتى إنني آخذ بناتي معي في الدوام، وهذا يرجع لأنني بصراحة تعرَّضت للتحرش في صغري، أريد حلًّا فأنا أعيش بغير ارتياح، خاصة أن زوجي لا يدافع عني، ولا يتدخل في المشاكل بيني وبين أهله.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ أما بعد:

أختي الكريمة، سرَّ الله خاطركِ ويسَّر أمركِ، وملأ قلبكِ يقينًا فيه ورضًا بقضائه.

 

صراحة لا أرى مشكلة فيمن حولكِ؛ سواء الزوج أو أهله، فالمشكلة في طريقة تفكيركِ أنتِ وطريقة ممارستكِ لمشاعركِ الفطرية التي أودَعها الله في قلب كل أمٍّ.

 

لا أنكر عليكِ خوفكِ على ابنتيكِ، بل هذا هو الأصل، ولكن أن يقودنا الخوف إلى التخوين، وقلب نظم الحياة من حولنا، فهذا مما نشق به على أنفسنا.

 

أنتِ تخافين على صغاركِ من التحرش، وهما بين عامين إلى أربعة أعوام، هذا حقكِ لا ننكره عليكِ، ولكن كيف نمارس هذا الحق؟

 

هل نشكُّ في أعمامهم وأخوالهم، وأراقب الجميع من حولي، وآخذ صغاري معي لمقر عملي، إلى آخر هذه التصرفات؟ فهذا فوق طاقتكِ، وستجعلكِ تعيشين في رعب، وسيكبر أولادكِ على العزلة والخوف والكراهية لمن حولهم، ثم نعالجهم لاحقًا مما غرسناه بأيدينا فيهم (حفظهم الله).

 

أنتِ في غِنًى عن كل هذا بضبط تصرفاتكِ وتجاهل وساوسكِ، طبعًا تسألين كيف يكون ذلك؟

أولًا: أنتِ تقيِّمين الشخص الذي أمامكِ، هل هو بطبيعة شخصيته ودينه مأمون أو لا؟

 

إذا كان الخط العام لسلوكه وأفكاره الانضباط، فلا تخافي منه، خاصة وأنهم أهل زوجكِ؛ يعني: أعمامها وعماتها، فبناتُكِ عرضهم وشرفهم، وأتوقَّع أنههم أحرصُ عليهما منكِ أو مثلكِ، حتى لا نقع في المبالغة.

 

كوني حريصة دون تخوين، راقبي دون توتُّر، التصقي ببناتكِ دون قطيعة أرحامهم، فكل البيوت حولنا بيوت حمولة دون مبالغة، أرى الجَدَّة والجَدَّ أحرصَ من الأبوين على أحفادهم، فإن ذهبوا عند جَدِّهم، استودعيهم ربَّ العالمين، كوني بصحبتهم، انتهجي نهجًا مناسبًا في حسن توعية الطفلة، كما تفعل كل الأمهات في هدوء ودون قطيعة، أو مشاكل مع الأهل.

 

هناك أمر مهم أُحِبُّ أن أُنبهكِ إليه: اهتمي بتربية الكبيرة ووعيها، وستجدين أخواتها يقلِّدْنَهَا لاحقًا دون تعب منكِ؛ بمعنى: ضعي قوانين للبيت واللعب وهكذا، وكرِّريها دون مللٍ، وراقبي اعتيادهم عليها بحب وحنان، ستجدي البنت نفسها تتعلم بالتدريج كيف تحفظ نفسها.

 

وهذا مهم جدًّا جدًّا؛ لأن التحرش الآن ليس بمخالطة الناس، بل المتحرشون يقفزون لبناتِنا من شاشات الهاتف والآيباد، حتى عمرِ كمْ تستطيعين الالتصاق بابنتكِ على مدار الساعة؟ هذا مستحيل.

 

فالأصل أن نوعِّيَ الطفلة، وننميَ الوازع الديني فيها بالتدريج، ثم نستودعهم ربَّ العالمين، وهو خير حافظ سبحانه، وانتبهي عندما تحدِّثينهم عن رب العالمين أن تُخيفهم منه، أو ترسخي في نفوسهم أن الله سيحرقهم بالنار أو غير ذلك؛ ما قد يسبب لهم نفورًا من الدين لاحقًا عياذًا بالله، بل عرفيهم أن الله أعطاهم كل ما يحبونه، وأن مخالفة أوامره قد تَحرِمنا مما نحب - على سبيل المثال - وعمومًا طرق التربية وترسيخ العقيدة تملأ قنوات اليوتيوب، فاستعيني بها.

 

هوِّني على نفسكِ الأمر، اختلطي بأهل زوجكِ، ولا تبالغي في الخوف، الاعتدال في كل أمر هو منهج نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

أعترف أننا في زمن مخيف جدًّا، وأن الحرص واجب، ولكن دون تشدُّد يفقدنا علاقتنا بالناس، وهناك قاعدة عامة في التربية وضَعها الله العلي القدير الذي صنعنا، ثم تكفل بحفظ أولادنا، إذا نحن التزمنا بهذه القاعدة وهي قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}  [النساء: 9]، هكذا ببساطة، احرصي على تقوى الله عز وجل، وكوني سديدة القول دون ميل ولا ظلم، يَحفَظْ أولادكِ مَن لا يغفل ولا ينام.

 

وليس بالضرورة أن يقع أولادنا فيما وقعنا فيه نحن، فلكل منا ظروف تنشئته وتربيته، وحتمًا بيئتكِ وأنتِ صغيرة مختلفة عن بيئة أولادكِ، فلا تجعلي تجربة قديمة قبعت في ذاكرتكِ تعكِّر عليكِ صفوكِ، وتُفقد أولادكِ علاقتهم بأرحامهم.

 

اصبري على أهل زوجكِ، وتجاوزي عن تدخُّلهم، وأكرميهم، فلهم عليكِ حق الجار، وحق الأرحام، وأُخوَّة الإسلام، واعلمي أن كل صغيرة وكبيرة يعلمها الله، فإن لم يقدِّروا صبركِ عليهم، فالله يقدره، وإن رَمَوكِ بأنكِ معقدة، فالله يعلم سرَّكِ وقلبكِ، اتبعي الاعتدال مع الحرص، وبإذن الله يؤلف الله بين قلوبكم.

 

لا تحمِّلي زوجكِ ذنبَ طِباع أهله، ما دام هو رحيم وأنتِ راضية عنه، فاقبلي عدم تدخله بينكِ وبين أهله، فغيره يتدخل ليظلم زوجته وليس ليُنصفها، والكمال الذي نرجوه عزيزٌ سواء فينا كنساء أو فيهم كرجال.

 

تعايشي واحتسبي الأجر، واعلمي أن كل فعل مدَّخر لكِ، وستجزين به سواء كان خيرًا أو شرًّا، وبإذن الله لا شرَّ منكِ، وفَّقكِ الله للخير، وهدى قلبكِ، وحفظ أولادكِ، وبلغكِ فيهم مأملكِ.