أكره أقاربي الذين ظلموا أمي

سائلة تسأل عن سماعها الظلم الذي تعرَّضت له أمُّها من قِبَلِ أهل أبيها، فهي تشعر أنه من الواجب عليها أن تستمع إليها؛ كي ترتاح، وفي نفس الوقت يُحْدِثُ هذا في نفسها تجاههم بغضًا، وتسأل: ما الحل؟ وهل يُعَدُّ هذا من الغيبة؟

  • التصنيفات: استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والدتي تعرَّضت للظلم العظيم من أهل والدي - جَدَّتي وعمَّاتي وأعمامي - وهي صابرة محتسبة، ولا حول ولا قوة لها إلا بالله، ولكن أحيانًا قد تحدث بعض الأمور التي تُشعِلُ في قلبها نار القَهْرِ، فتتحدث إلينا ببعض الظلم الذي وقع عليها منهم، وأشعر أن من الواجب عليَّ سماعَها والإنصات إليها؛ حتى ترتاح قليلًا ولا تكتم أكثر، ولكن سماع هذا الظلم منهم تجاه أمي يجعلني أُبغِضُهم وأجد شيئًا في قلبي عليهم، ومن ثَمَّ أُقصِّر في حقهم عليَّ، وهذا ما لا أريده، فماذا أفعل؟ هل لا أستمع إلى أمي، وليس لها أحدٌ - بعد الله - إلا نحن تشكو إليه؟ وكيف أصفِّي قلبي تجاه أقاربي؟ وهل استماعي لأمي من الغِيبةِ؟

الإجابة:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:

أولًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

ثانيًا: أبدأ من حيث انتهيتِ، فسماعكِ شكوى أمكِ ولِما تعرضت له من ظلمٍ من أهلكِ لا يُعَدُّ بذاته غِيْبَةً، إلا إذا كان فيه تعدٍّ وتجاوز، أو كانت شكوى دون جدوى، أما إذا كانت أمكِ تشكو لغرضٍ محمودٍ كأن تحتاج رأيكِ، أو مشورتكِ بالقول أو الفعل، أو من باب طلب التصحيح والنصح، أو من باب تفريغ الهمِّ - فلا بأس؛ فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عائشة رضي الله عنه لشكوى الزوجات لأزواجهنَّ فيما يعرف بحديث أم زَرْعٍ، وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لقد طاف بآل بيت محمد صلى الله عليه وسلم نساءٌ كثيرٌ يشكون أزواجهم، وليس أولئك بخياركم»  [أبو داود: (1834)، وابن ماجه: (1975)، والدارمي: (2122) بسند صحيح].

 

ولقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148].

 

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى عند ذكر المواضع المستثناة من تحريم الغيبة، قال: "منها: المظلوم، له أن يذكر ظالمه بما فيه، إما على وجه دفع ظلمه واستيفاء حقه ... أو يذكر ظالمه على وجه القِصَاصِ من غير عدوان، ولا دخول في كذب ولا ظلم الغير، وترك ذلك أفضل"؛ [مجموع الفتاوى: (28/ 229)].

القدح ليس بغيبة في ستــــة   ***   مُتظلِّـمٍ ومُـعرِّفٍ ومُـحــــذِّرِ 

ولمُظْهِرٍ فِسقًا ومُسْتَفْتٍ ومَن   ***   طلب الإعانة في إزالة منكرِ 

 

أما إذا كانت بغرضٍ غير محمودٍ، وهو طلب التشفِّي، أو الذم، أو كان بكذب عليهم، أو بالسخرية والاستهزاء - فلا يجوز، وهو من الغِيبةِ المحرَّمة؛ لقوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12]، وقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: (( «أتدرون ما الغِيبة»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذِكْرُكَ أخاك بما يكره، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّهُ» [مسلم: (4690)].

 

فسماع الغِيبة من غير حاجة أو مصلحة عدَّها بعض العلماء من الكبائر.

 

لذا نَنصحكِ إذا وجدتِ من أمِّكِ تجاوزًا أن تذكِّريها بالله، وبفضل الصبر على الأذى، وتحثِّيها على العفو، وهو أَولى وأفضل.

 

ثالثًا: لا يَحملْكِ ظلم أمكِ على منعِكِ بِرَّ أهلكِ، فالظلم لا يُبِيح الظلم، والتقصير لا يُجِيزُ المنع، فاحملي نفسكِ على البر والعدل والقسط، فالله يحب المقسطين، فأعطِ الحق الذي عليكِ، وسَلِي الله الذي لكِ، وينبغي السعي في الصلح بينهم، وذِكْرُكِ لهم بالحسنى والكلمة الطيبة، فلا تقولي إلا الحسنى، والله أعلم، هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.