فصل: آدم حج موسى لمّا قصد موسى أن يلوم من كان سبباً في مصيبتهم

ابن تيمية

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية -
السؤال: فصل: آدم حج موسى لمّا قصد موسى أن يلوم من كان سبباً في مصيبتهم
الإجابة: فصــل:

فقد تبين أن آدم حج موسى لما قصد موسى أن يلوم من كان سبباً في مصيبتهم، وبهذا جاء الكتاب والسنة، قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ‏}‏‏ ‏[‏التغابن‏:‏ 11‏]‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏‏مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ‏}‏‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 22‏]‏‏.

‏‏ وسواء في ذلك المصائب السمائية، والمصائب التي تحصل بأفعال الآدميين، قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً‏}‏‏ ‏[‏المزمل‏:‏10‏]‏، ‏{‏‏وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا‏}‏‏ ‏[‏الأنعام‏:‏34‏]‏، وقال في سورة الطور بعد قوله‏:‏ ‏{‏‏فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ‏.‏ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ‏.‏ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ‏}‏‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏‏أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَا يُؤْمِنُونَ‏}‏‏ وإلى قوله‏:‏ ‏{‏‏أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ‏.‏ أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏}‏‏، ‏{‏‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ‏}‏‏ ‏[‏الطور‏:‏29-48‏]‏، وقال تعالى‏ في سورة ن‏:‏ ‏{‏‏أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ‏.‏ أَمْ عِنْدَهُمْ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ‏.‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ‏}‏‏ ‏[‏القلم ‏:‏46-48‏]‏‏.

‏‏ وقد قيل في معناه‏:‏ اصبر لما يحكم به عليك، وقيل ‏:‏اصبر على أذاهم لقضاء ربك الذي هو آت، والأول أصح‏.

‏‏ وحكم الله نوعان‏:‏ خلق، وأمر‏.

‏‏ فالأول‏:‏ ما يقدره من المصائب‏.

‏‏ والثاني‏:‏ ما يأمر به وينهى عنه، والعبد مأمور بالصبر على هذا وعلى هذا، فعليه أن يصبر لما أمر به، ولما نهى عنه، فيفعل المأمور، ويترك المحظور، وعليه أن يصبر لما قدره الله عليه‏.

‏‏ وبعض المفسرين يقول‏:‏ هذه الآية منسوخة بآية السيف، وهذا يتوجه إن كان في الآية النهى عن القتال، فيكون هذا النهي منسوخاً، ليس جميع أنواع الصبر منسوخة، كيف والآية لم تتعرض لذلك هنا لا بنفي ولا إثبات‏؟‏‏!‏ بل الصبر واجب لحكم الله ما زال واجباً، وإذا أمر بالجهاد فعليه أيضاً أن يصبر لحكم الله، فإنه يبتلى من قتالهم بما هو أعظم من، كلامهم، كما ابتلى به يوم أحد والخندق، وعليه حينئذ أن يصبر ويفعل ما أمر به من الجهاد‏.

‏‏ والمقصود هنا قوله‏:‏ ‏{‏‏وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ‏}‏‏ ‏[‏الطور‏:‏ 48‏]‏، فإن ما فعلوه من الأذى هو مما حكم به عليك قدراً، فاصبر لحكمه وإن كانوا ظالمين في ذلك، وهذا الصبر أعظم من الصبر على ما جرى وفعل بالأنبياء، وقوله‏:‏ ‏{‏‏فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ‏}‏‏ ‏[‏القلم‏:‏ 48‏]‏، وقال‏:‏ ‏{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ‏}‏‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏87‏]‏ وسواء كان مغاضباً لقومه أو لربه، فكانت مغاضبته من أمر قدر عليه، وبصبره صبر لحكم ربه الذى قدره وقضاه، وإن كان إنما تأذى من تكذيب الناس له‏.‏

وقالت الرسل لقومهم‏:‏ {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ‏}‏‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏12‏]‏، وقال موسى لقومه لما قال فرعون‏:‏ ‏{‏‏سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ‏.‏ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏}‏‏ ‏[‏الأعراف‏:‏127- 128‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ‏}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏55‏]‏‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ‏.‏ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‏}‏‏ ‏[‏النحل ‏:‏41- 42‏]‏، فهؤلاء ظلموا فصبروا على ظلم الظالم لهم، وسبب نزولها المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عامة في كل ما اتصف بهذه الصفة‏.

‏‏ و أصل المهاجر، من هجر ما نهى الله عنه كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من هجر السوء فظلمه الناس على ترك الكفر والفسوق والعصيان حتى أخرجوه لا هجر بعض أمور في الدنيا فصبر على ظلمهم، فإن الله يبوئه في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر، كيوسف الصديق فإنه هجر الفاحشة حتي ألجأه ذلك هجر منزله‏.

‏‏ واللبث في السجن بعد ما ظلم، فمكنه الله حتى تبوأ من الأرض حيث يشاء‏.

‏‏ وقال الذين لقوا الكفار‏:‏ ‏{‏‏رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏250، الأعراف‏:‏126‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ‏.‏ الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏65-66‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏‏كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 249‏]‏، فهذا كله صبر على ما قدر من أفعال الخلق، والله سبحانه مدح في كتابه الصبار الشكور، قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ‏}‏‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏5، لقمان‏:‏31، سبأ‏:‏19، الشورى‏:‏ 33‏]‏ في غير موضع‏.

‏‏ فالصبر والشكر على ما يقدره الرب على عبده من السراء والضراء، من النعم والمصائب، من الحسنات التي يبلوه بها والسيئات، فعليه أن يتلقى المصائب بالصبر، والنعم بالشكر، ومن النعم ما ييسره له من أفعال الخير، ومنها ما هي خارجة عن أفعاله، فيشهد القدر عند فعله للطاعات، وعند إنعام الله عليه فيشكره ويشهده عند المصائب فيصبر، وأما عند ذنوبه فيكون مستغفرا تائباً، كما قال‏:‏ ‏{‏‏فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ‏}‏‏ ‏[‏غافر‏:‏55‏]‏‏.‏

وأما من عكس هذا فشهد القدر عند ذنوبه، وشهد فعله عند الحسنات فهو من أعظم المجرمين، ومن شهد فعله فيهما فهو قدري، ومن شهد القدر فيهما ولم يعترف بالذنب ويستغفره فهو من جنس المشركين‏.‏

وأما المؤمن فيقول‏:‏ أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي، كما في الحديث الصحيح الإلهي {"يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه"‏‏‏.

‏‏ وكان نبينا صلى الله عليه وسلم متبعاً ما أمر به من الصبر على أذى الخلق، ففي الصحيحين عن عائشة قالت "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادماً له، ولا دابة، ولا شيء قط؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط فانتقم لنفسه، إلا أن تنتهك محارم الله، فإذا انتهكت محارم الله، لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله‏"‏‏ وقال أنس‏:‏ خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لشيء فعلته‏:‏ لم فعلته‏؟‏ ولا لشيء لم أفعله‏:‏ لم لا فعلته‏؟‏ وكان بعض أهله إذا عتبني على شيء يقول "دعوه، دعوه، فلو قضى شيء لكان‏"‏‏، وفي السنن عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قول بعض من آذاه فقال "دعنا منك، فقد أوذي موسي بأكثر من هذا فصبر‏"‏‏، فكان يصبر على أذى الناس له من الكفار والمنافقين وأذى بعض المؤمنين، كما قال تعالى‏:‏‏{‏‏إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ‏}‏‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏53‏]‏ وكان يذكر‏:‏ أن هذا مقدر‏.

‏‏ والمؤمن مأمور بأن يصبر على المقدور، ولذلك قال‏:‏ ‏{‏‏وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏120‏]‏، فالتقوى فعل المأمور وترك المحظور، والصبر على أذاهم، ثم إنه حيث أباح المعاقبة قال‏:‏‏{‏‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ‏.‏ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ‏}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏126- 127‏]‏‏.

‏‏ فأخبر أن صبره بالله، فالله هو الذي يعينه عليه، فإن الصبر على المكاره بترك الانتقام من الظالم ثقيل على الأنفس، لكن صبره بالله كما أمره أن يكون لله في قوله‏:‏ ‏{‏‏وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ‏}‏‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 7‏]‏، لكن هناك ذكره في الجملة الطلبية الأمرية؛ لأنه مأمور أن يصبر لله لا لغيره، وهنا ذكره في الخبرية فقال‏:‏ ‏{‏‏وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ‏}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏ 127‏]‏، فإن الصبر وسائر الحوادث لا تقع إلا بالله، ثم قد يكون ذلك وقد لا يكون، فمالا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم، ولا يقال‏:‏ واصبر بالله فإن الصبر لا يكون إلا بالله، لكن يقال‏:‏ استعينوا بالله واصبروا فنستعين بالله على الصبر‏.

‏‏ وكما أن الإنسان مأمور بشهود القدر وتوحيد الربوبية عند المصائب، فهو مأمور بذلك عند ما ينعم الله عليه من فعل الطاعات، فيشهد قبل فعلها حاجته وفقره إلى إعانة الله له، وتحقق قوله‏:‏ ‏{‏‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 5‏]‏‏.

‏‏ ويدعو بالأدعية التي فيها طلب إعانة الله له علي فعل الطاعات، كقوله‏:‏ ‏(‏أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك‏)‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏(‏يامقلب القلوب ثبت قلبي علي دينك، ويا مصرف القلوب، اصرف قلبي إلى طاعتك وطاعة رسولك‏)‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 8‏]‏، وقوله‏:‏ ‏{‏‏رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً‏}‏‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 10‏]‏، ومثل قوله‏:‏ ‏(‏اللهم ألهمني رشدي واكفني شر نفسي‏)‏‏.

‏‏ ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله‏:‏ ‏{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ‏.‏ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ‏}‏‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6- 7‏]‏ ، فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها على الخلق، فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة، وكذلك الدعاء، بالتوبة فإنه يتضمن الدعاء بأن يلهم العبد التوبة، وكذلك دعاء الاستخارة ، فإنه طلب تعليم العبد ما لم يعلمه وتيسيره له، وكذلك الدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به إذا قام من الليل وهو في الصحيح"اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم‏"‏‏‏.‏

وكذلك الدعاء الذي فيه‏ "اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ماتهون به علينا مصائب الدنيا‏"‏‏، وكذلك الدعاء باليقين والعافية كما في حديث أبي بكر، وكذلك قوله اللهم أصلح لي قلبي ونيتي"‏‏، ومثل قول الخليل وإسماعيل‏:‏ ‏{‏‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 128‏]‏‏.

‏‏ وهذه أدعية كثيرة تتضمن افتقار العبد إلى الله في أن يعطيه الإيمان والعمل الصالح، فهذا افتقار واستعانة بالله قبل حصول المطلوب، فإذا حصل بدعاء أو بغير دعاء، شهد إنعام الله فيه، وكان في مقام الشكر والعبودية لله، وإن هذا حصل بفضله وإحسانه لا بحول العبد وقوته‏.‏

فشهود القدر في الطاعات من أنفع الأمور للعبد، وغيبته عن ذلك من أضر الأمور به، فإنه يكون قدريا منكراً لنعمة الله عليه بالإيمان والعمل الصالح، وإن لم يكن قدري الاعتقاد كان قدري الحال، وذلك يورث العجب والكبر، ودعوى القوة والمنة بعمله، واعتقاد استحقاق الجزاء على الله به، فيكون من يشهد العبودية مع الذنوب والاعتراف بها لا مع الاحتجاج بالقدر عليها خيراً من هذا الذي يشهد الطاعة منه، لا من إحسان الله إليه، ويكون أولئك المذنبون بما معهم من الإيمان، أفضل من طاعة بدون هذا الإيمان‏.‏

وأما من أذنب وشهد ألا ذنب له أصلا لكون الله هو الفاعل، وعند الطاعة يشهد أنه الفاعل، فهذا شر الخلق، وأما الذي يشهد نفسه فاعلا للأمرين، والذي يشهد ربه فاعلاً للأمرين، ولا يرى له ذنباً؛ فهذا أسوأ عاقبة من القدري، والقدري أسوأ بداية منه، كما هو مبسوط في موضع آخر‏.

‏‏ والناس في هذا المقام أربعة أقسام‏:‏ من يغضب لربه لا لنفسه، وعكسه، ومن يغضب لهما، ومن لا يغضب لهما، كما أنهم في شهود القدر أربعة أقسام‏:‏ من يشهد الحسنة من فعل الله والسيئة من فعل نفسه، وعكسه، ومن يشهد الثنتين من فعل ربه، ومن يشهد الثنتين من فعل نفسه، فهذه الأقسام الأربعة في شهود الربوبية، نظير تلك الأقسام الأربعة في شهود الإلهية، فهذا تقسيم العباد فيما لله ولهم، وذاك تقسيمهم فيما هو بالله وبهم، والقسم المحض أن يعمل لله بالله، فلا يعمل لنفسه ولا بنفسه‏.‏

والمقصود هنا، تقسيمهم فيما لله، فأعلاهم حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه‏:‏ أن يصبروا على أذى الناس لهم باليد واللسان، ويجاهدون في سبيل الله، فيعاقبون ويغضبون وينتقمون لله لا لنفوسهم يعاقبون؛ لأن الله يأمر بعقوبة ذلك الشخص، ويحب الانتقام منه، كما في جهاد الكفار وإقامة الحدود، وأدناهم عكس هؤلاء يغضبون وينتقمون ويعاقبون لنفوسهم، لا لربهم، فإذا أوذى أحدهم أو خولف هواه غضب وانتقم وعاقب، ولو انتهكت محارم الله أو ضيعت حقوقه؛ لم يهمه ذلك، وهذا حال الكفار والمنافقين‏.

‏‏ وبين هذين وهذين قسمان‏:‏ قسم يغضبون لربهم ولنفوسهم، وقسم يميلون إلى العفو في حق الله وحقوقهم، فموسى في غضبه علي قومه لما عبدوا العجل كان غضبه لله، وقد مثل النبي صلى الله عليه وسلم في حقوق الله أبا بكر وعمر بإبراهيم وعيسى ونوح وموسى، فقال "إن الله يلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجر، ومثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم وعيسى، ومثلك يا عمر كمثل نوح وموسى‏"‏‏‏.‏

وأما عفو الإنسان عن حقوقه، فهذا أفضل، وإن كان الاقتصاص جائزاً، وكذلك غضبه لنفسه، تركه أفضل، وإن كان الاقتصاص جائزاً، وأما ما كان من باب المصائب الحاصلة بقدر الله ولم يبق فيها مذنب يعاقب، فليس فيها إلا الصبر والتسليم للقدر‏.

‏‏ وقصة آدم وموسى كانت من هذا الباب، فإن موسى لامه لأجل ما أصابه والذرية، وآدم كان قد تاب من الذنب وغفر له، والمصيبة كانت مقدرة، فحج آدم موسى‏.

‏‏ وهكذا قد يصيب الناس مصائب بفعل أقوام مذنبين تابوا، مثل كافر يقتل مسلماً ثم يسلم ويتوب الله عليه، أو يكون متأولاً لبدعة ثم يتوب من المبدعة، أو يكون مجتهداً، أو مقلداً مخطئاً، فهؤلاء إذا أصاب العبد أذى بفعلهم، فهو من جنس المصائب السماوية التي لا يطلب فيها قصاص من آدمي‏.

‏‏ ومن هذا الباب‏:‏ القتال في الفتنة‏.‏

قال الزهري‏:‏ وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، فأجمعوا أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، وكذلك، قتال البغاة المتأولين، حيث أمر الله بقتالهم إذا قاتلهم أهل العدل فأصابوا من أهل العدل نفوساً وأموالاً لم تكن مضمونة عند جماهير العلماء‏:‏ كأبي حنيفة ومالك والشافعي في أحد قوليه، وهذا ظاهر مذهب أحمد‏.

‏‏ وكذلك المرتدون إذا صار لهم شوكة فقتلوا المسلمين، وأصابوا من دمائهم وأموالهم، كما اتفق الصحابة في قتال أهل الردة‏:‏ أنهم لا يضمنون بعد إسلامهم ما أتلفوه من النفوس والأموال، فإنهم كانوا متأولين، وإن كان تأويلهم باطلاً، كما أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المتواترة عنه مضت بأن الكفار إذا قتلوا بعض المسلمين وأتلفوا أموالهم ثم أسلموا، لم يضمنوا ما أصابوه من النفوس والأموال، وأصحاب تلك النفوس والأموال كانوا يجاهدون، قد اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فعوض ما أخذ منهم على الله لا على أولئك الظالمين الذين قاتلهم المؤمنون‏.

‏‏ وإذا كان هذا في الدماء والأموال فهو في الأعراض أولى، فمن كان مجاهداً في سبيل الله باللسان‏:‏ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الدين وتبليغ مافي الكتاب والسنة من الأمر والنهي والخير، وبيان الأقوال المخالفة لذلك، والرد على من خالف الكتاب والسنة، أو باليد كقتال الكفار، فإذا أوذي على جهاده بيد غيره أو لسانه فأجره في ذلك على الله لا يطلب من هذا الظالم عوض مظلمته، بل هذا الظالم إن تاب وقبل الحق الذي جوهد عليه فالتوبة تجب ما قبلها ‏{‏‏قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ‏}‏‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 38‏]‏، وإن لم يتب بل أصر على مخالفة الكتاب والسنة، فهو مخالف لله ورسوله، والحق في ذنوبه لله ولرسوله، وإن كان أيضاً للمؤمنين حق تبعاً لحق الله، وهذا إذا عوقب عوقب لحق الله ولتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله لا لأجل القصاص فقط‏.‏

والكفار إذا اعتدوا على المسلمين مثل أن يمثلوا بهم، فللمسلمين أن يمثلوا بهم كما مثلوا، والصبر أفضل، وإذا مثلوا كان ذلك من تمام الجهاد، والدعاء على جنس الظالمين الكفار مشروع مأمور به، وشرع القنوت والدعاء للمؤمنين، والدعاء على الكافرين‏.‏

وأما الدعاء على معينين، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يلعن فلاناً وفلاناً، فهذا قد روى أنه منسوخ بقوله‏:‏ ‏{‏‏لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ‏}‏‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 128‏]‏، كما قد بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، فيما كتبته في قلعة مصر؛ وذلك لأن المعين لا يعلم أن رضى الله عنه أن يهلك، بل قد يكون ممن يتوب الله عليه، بخلاف الجنس، فإنه إذا دعى عليهم بما فيه عز الدين وذل عدوه وقمعهم كان هذا دعاء بما يحبه الله ويرضاه، فإن الله يحب الإيمان وأهل الإيمان وعلو أهل الإيمان وذل الكفار، فهذا دعاء بما يحب الله، وأما الدعاء على المعين بما لا يعلم أن الله يرضاه فغير مأمور به، وقد كان يفعل ثم نهى عنه؛ لأن الله قد يتوب عليه أو يعذبه‏.

‏‏ ودعاء نوح على أهل الأرض بالهلاك، كان بعد أن أعلمه الله أنه لا يؤمن من قومك إلا من قد آمن، ومع هذا فقد ثبت في حديث الشفاعة في الصحيح أنه يقول "إني دعوت على أهل الأرض دعوة لم أومر بها‏"،، فإنه وإن لم ينه عنها فلم يؤمر بها، فكان الأولى أن لا يدعو إلا بدعاء مأمور به واجب أو مستحب، فإن الدعاء من العبادات، فلا يعبد الله إلا بمأمور به واجب أو مستحب، وهذا لو كان مأموراً به لكان شرعاً لنوح، ثم ننظر في شرعنا هل نسخه أم لا‏؟‏

وكذلك دعاء موسى بقوله‏:‏ ‏{‏‏رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ‏}‏‏ ‏[‏يونس‏:‏ 88‏]‏ إذا كان دعاء مأموراً به، بقى النظر في موافقة شرعنا له، والقاعدة الكلية في شرعنا‏:‏ أن الدعاء إن كان واجباً أو مستحباً فهو حسن يثاب عليه الداعي، وإن كان محرماً كالعدوان في الدماء فهو ذنب ومعصية، وإن كان مكروها فهو ينقص مرتبة صاحبه، وإن كان مباحاً مستوى الطرفين فلا له ولا عليه، فهذا هذا، والله سبحانه أعلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى - الجزء الثامن.