إذا استغرق الدين جميع المال فهل فيه زكاة؟

محمد بن صالح العثيمين

  • التصنيفات: فقه الزكاة -
السؤال: إذا استغرق الدين جميع المال فهل فيه زكاة؟
الإجابة: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: منهم من يرى أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة؛ لأن عمومات النصوص لم تفرق بين مدين وغيره، ولأن الزكاة إنما تجب في المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم"، فالزكاة واجبة في المال ومتعلقة به، والمال موجود بين يديه، والدين في ذمته، فقد اختلف المحل: الدين في الذمة، والزكاة في المال، والمال موجود يتصرف فيه الإنسان تصرف الملاك في أملاكهم تصرفاً حرًّا، فتجب الزكاة عليه في هذا المال ولو كان عليه مقداره من الدين. ومن العلماء من قال: إنه إذا كان على الرجل دين بمقدار ما بيده من المال الزكوي فإنه لا زكاة عليه، وليس لهم دليل من الأثر فيما أعلم، وإنما عندهم نظر، ومعنى يقولون: إن الزكاة وجبت مواساة. فإذا كانت وجبت للمواساة فإن المدين ليس أهلاً لها؛ لأن المال الذي بيده هو في الحقيقة لغيره لوجوب وفائه فليس أهلاً لأن يكون ممن يجب عليه مواساة إخوانه الفقراء.

ومن العلماء من فصَّل في هذا وقال: إذا كان المال ظاهراً فإن الدين لا يمنع وجوب الزكاة فيه، والمال الظاهر هو الذي ليس يخزن في الصناديق وراء الأبواب مثل الماشية والثمار والزروع، قالوا: فهذه وإن كان على صاحبها دين فيجب عليه إخراج زكاتها؛ لأنها أموال ظاهرة تتعلق بها أطماع الفقراء، والدين أمر خفي لا يُعلم، فيجب أن تؤدى الزكاة من هذه الأموال الظاهرة، والنبي عليه الصلاة والسلام يرسل السعاة لقبض الزكاة من هذه الأموال ولم يستفصل أهلها: هل عليهم دين أو ليس عليهم دين، والأموال الباطنة كالذهب والفضة والأوراق النقدية إذا كان على صاحبها دين بمقدار ما عنده منها لا زكاة عليه فيه.

. والأرجح عندي: أن الزكاة تجب في المال ظاهراً أو باطناً ولو كان على صاحبه دين يستوعبه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة في الأموال، وكوننا نعلل بأن الزكاة مؤاساة، لا يوجب تخصيص هذه العمومات، والزكاة تلاحظ فيها العبادة أكثر مما تلاحظ المواساة؛ لأنها ركن من أركان الإسلام، والمواساة علة مستنبطة قد تكون من مراد الشارع، وقد لا تكون من مراد الشارع، اللهم إلا إذا كان الدين حالاًّ ويُطالب به، وأراد أن يوفيه فحينئذ نقول: أوف الدين، ثم زك ما يبقى بعده إذا بلغ نصاباً، ويؤيد ذلك ما قاله فقهاء الحنابلة في الفطرة فإنهم قالوا: لا يمنعها الدين إلا بطلبه، وكذلك الأثر المروي عن عثمان رضي الله عنه أنه كان يقول في شهر رمضان: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه" فهذا يدل على أن الدين إذا كان حالاًّ وصاحبه يريد قضاءه قدمه على الزكاة، أما الديون المؤجلة فإنها لا تمنع وجوب الزكاة بلا ريب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح العثيمين - المجلد السابع عشر - مقدمة كتاب الزكاة.