حكم الكي

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فتاوى طبية -
السؤال:

هل الكي حلال أم حرام؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن السائل لم يبين المقصود بالكي في السؤال، وهل المقصود كي الإنسان أم كي الحيوان؟

فنقول: إن كان يقصد كي الحيوان، فيحرم كيه في الوجه؛ لما رواه مسلم عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ عليه حمار قد وُسِمَ في وجهه؛ فقال: "لعن الله الذي وسَمَه"، ويباح في غير الوجه لتعليم (وَسْم) إبل الصدقة وغيرها.

فقد روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي طلحة؛ ِليُحَنِّكَه؛ فوافيته في يده الْمِيسَم؛ يسم إبل الصدقة".

أما إن كان يقصد كي الإنسان: فإن السنة النبوية المطهرة قد دلت على أن الكي دواء، ولكن لا يستعمل مطلقاً، ولا يترك مطلقاً، وإنما يستعمل إذا دعت الحاجة إليه، وحينئذ يكون دواءً ناجعاً، وهو ما يدل على عدم حرمته، إذ لو كان محرماً ما جاز أن يكون دواءً.

أما الأحاديث الدالة على جواز استعماله فكثيرة؛ منها ما رواه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال: "كُوِيتُ من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حيٌّ وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر، وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني".

وعن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كُوى سعد بن معاذ في أُكْحُلِه مرتين" (رواه أحمد وأبو داود).

واكتوى غير واحد من الصحابة.

ومن الأحاديث الدالة على كراهة الكي: ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الشِّفاء في ثلاث: شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار؛ وأنهى أمتي عن الكي".

ومنها ما رواه البخاري عن جابر رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ما أحب أن أُكتوي".

وقد جمع أهل العلم بين الأحاديث، وأعملوها في مواضعها؛ قال الخطابي: "وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي، الذي لا تنحسم مادته إلا به"؛ ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه. وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول -في أمثالها-: "آخر الدواء الكي".

وقال الحافظ ابن حجر: "وأما الكي فإنه يقع آخراً لإخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات؛ وإنما نهى عنه -مع إثباته الشفاء فيه- إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك؛ ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء؛ لظنهم أنه يحسم الداء؛ فتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض، الذي يقطعه الكي.

وقال الإمام ابن القيم: "قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع:
أحدها: فعله.
الثاني: عدم محبته.
والثالث: الثناء على من تركه.
والرابع: النهي عنه.

ولا تعارض بينها -بحمد الله تعالى- فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء.

ومما سبق يتبين أن الكي جائز في نفسه، كسبب للشفاء، لبعض الأمراض، وإن كان لا يخلو من كراهة.