لا نزاع في أن نساء النبي صلَّى الله عليْه وسلَّم كن منتقِبات

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: أحكام النساء -
السؤال:

هل أزْواج النَّبي صلَّى الله عليْه وسلَّم وبناتُه كنَّ منتقِباتٍ بعد نزول آية الحجاب؟
أرجو الإفادة مع ذكر الدَّليل من السُّنة.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فمن تتبع سيرة أمهات المؤمنين ونساء الصحابة وهديهن، حصل له علم ضروري أنهن كنَّ منتقباتٍ، يغطين وجههن، بعد ما نزلت آيات الحجاب؛ كما في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب: 59].

قال عبيدة السلماني وغيره: إن نساء المؤمنين كنَّ يُدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن؛ حتى لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق.

فستر نساءُ النبيِّ صلَّى الله عليْه وسلَّم بالحجاب جميعَ البدَن بِما فيه الوجْه، ولا نزاع في ذلك بين المسلمين كما قال العلامة الشنقيطي، وكذلك سائِر نِساء الصَّحابة، بِمجرَّد نزولِ قولِه تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31].

قال الحافظ ابنُ حجر: (فاختمرنَ)؛ أي: غطَّين وجوهَهنَّ، وصفة ذلك: أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنُّع". اهـ. محل الغرض منه.

وقال ابنُ كثيرٍ في تفسير قولِه تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}: يعني: المقانع يعمل لها صنفات ضاربات على صُدورهنَّ؛ لتواريَ ما تحتَها من صدرها وترائبِها؛ ليخالفْنَ شِعار نساء أهل الجاهليَّة؛ فإنَّهنَّ لم يكنَّ يفعلْنَ ذلك، بل كانت المرْأة منهنَّ تمرُّ بين الرِّجال مسفحةً بصدْرِها لا يواريه شيء، وربَّما أظهرتْ عنقَها وذوائب شعرِها وأقرطة آذانِها، فأمر الله المؤمنات أن يستترْنَ في هيئاتِهنَّ وأحوالهنَّ؛ كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، وقال في هذه الآية الكريمة: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، والخُمُر: جَمع خِمار، وهو ما يُخمَّر به؛ أي: يغطَّى به الرَّأس، وهي الَّتي يسمِّيها النَّاس المقانع، قال سعيد بن جبير: (وليضربن): وليشْدُدن، (بِخمرهنَّ على جيوبهنَّ): يعني على النَّحر والصَّدر، فلا يُرى منه شيء". اهـ.

هذا؛ والأحاديث الدالة على أن نساء النبي صلَّى الله عليْه وسلَّم كن منتقِبات أشهر من أن تذكر، وأكثر من أن تحصر، وسنذكر بعضًا منها مما يفي بالغرض:

فمنها: عن أم المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها قالتْ: "يرحمُ الله نساءَ المهاجرات الأول؛ لمَّا أنزل اللهُ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، شقَقْنَ مُروطَهنَّ فاختمرْن بها"،

وعنها أيضا: "لمَّا أنزلت هذه الآية: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، أخذْنَ أُزرهنَّ فشقَقْنها من قبل الحواشي، فاختمرْن بها" (رواهما البخاري).

قال: بدر الدين العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": " قولها: فاختمرْن بها؛ أي: غطين وجوههن بالمروط التي شققنها".

وقال الشنقيطي في "أضواء البيان": "وهذا الحديث الصحيح فيه أن النساء الصحابيات المذكورات فهمن أن معنى قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ}[النور: 31] يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أُزرهن، اختمرن؛ أي: سترن وجوههن بها؛ امتثالاً لأمر الله في قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ}، المقتضي ستر وجوههن، وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجل وسترها وجهها عنهم ثابتٌ في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ} إلا من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موجود وهُنّ يسألنْه عن كل ما أَشكل عليهن في دينهن".

ومنها: ما رواه ابن أبي حاتم عن صفيَّة بنت شيبة قالت: "بيْنا نحن عند عائشة قالت: فذكرْنَ نساء قريش وفضلَهنَّ، فقالت عائشة رضِي الله عنْها: "إنَّ لنساء قريشٍ لفضلاً، وإنِّي -والله- ما رأيتُ أفضل من نساءِ الأنصار أشدَّ تصديقًا لكتابِ الله ولا إيمانًا بالتنزيل؛ لقد أنزلتْ سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، انقلب رجالهنَّ إليهنَّ يتلون عليهنَّ ما أنزل الله إليْهم فيها، ويتلو الرَّجُل على امرأته وابنتِه وأختِه، وعلى كل ذي قرابتِه، فما منهنَّ امرأةٌ إلاَّ قامتْ إلى مرطِها المرحَّل فاعتجرتْ به؛ تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابِه، فأصبحنَ وراءَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم معْتجِرات كأنَّ على رؤوسهنَّ الغربان".

ومنها: ما رواه أبو داود وغيره عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "لما نزلت هذه الآية من سورة الأحزاب: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} [الأحزاب: 59]، خرج نساءُ الأنصار كأنَّ على رؤوسهنَّ الغِرْبان من السكينة".

ومنها: أنهن في الحج -الذي نُهيت المحرمة عن لُبس النِّقاب فيه- كُنَّ يغطِّين وُجوهَهن بالجلباب؛ كما قالت عائشة: "فكنا نكشف عن وجوهنا، فإذا حاذينا الرجال، سدلنا الحجابَ على وجوهنا، فإذا جاوزونا كشفناه"، وفي رواية: "كان الركبان يمرون بنا ونحن مُحرمات مع الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابَها على وجهها من رأسها، فإذا جاوزونا كشفناه" (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "الفتاوى": "وثبت في الصحيح: أنَّ المرأةَ المُحرِمة تُنهى عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أنَّ النقاب والقفازين كانا معروفينِ في النِّساء اللاتي لم يُحرمْن، وذلك يقتضي سترَ وجوههن وأيديهن".

ومنها: ما ثبت في الصحيح: "أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلم لما دَخَل بصفية، قال أصحابه: "إنْ أرخى عليها الحجاب، فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب، فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليها الحجاب"، وإنَّما ضرب الحجاب على النساء؛ لئلا تُرى وجوههن وأيديهن. وهذا الحديث والذي بعده ظاهرا الدلالة جدًا على المطلوب.

ومنها: ما في الصحيحين عن عائشة في قصة الإفك، قالت: "وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني -وكان رآني قبل الحجاب- فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي" الحديثَ.

ولمزيد فائدة راجعي فتوى: "حكم النقاب"،، والله أعلم.