القنوت في الفجر

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الصلاة -
السؤال:

ما هو حكمُ دُعاء القُنوت في صلاة الصبح؟ وما هي صيغتُه؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالقنوتُ في صلاة الصُّبح لَم يثبُت عنِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الرَّاجح من أقْوال أهل العلم، والَّذي ثبتَ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقنُت في النَّوازل في الصَّلوات الخَمْس، وليس في صلاة الصُّبح فقط.

وأمَّا الحديثُ الوارد في مُداومته صلَّى الله عليه وسلَّم على القُنوت في الفَجْر؛ عن أنسٍ رضِي الله عنه قال: "ما زالَ رسولُ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم يقنُت في الفجْر حتَّى فارق الدُّنيا" - فحديثٌ ضعيفٌ؛ كما قال الألباني، فلا تقوم به الحجَّة.

قال العلاَّمة ابن القيِّم في "زاد المعاد": "وقنتَ صلَّى الله عليه وسلَّم في الفجْر بعْد الرُّكوع شهرًا، ثُمَّ ترك القُنوت، ولم يكُنْ من هديِه صلَّى الله عليه وسلَّم القُنوت فيها دائمًا، ومِن المُحال أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم كان في كلِّ غداة – أي: صلاة الفجْر - بعْد اعتدالِه من الرُّكوع يقول: ((اللَّهُمَّ اهدِني فيمَنْ هديْت، وتولَّني فيمَن تولَّيت ... إلخ))، ويرفع بذلك صوتَه، ويؤمِّن عليْه أصحابه دائمًا إلى أن فارق الدنيا، ثم لا يكون ذلك معلومًا عند الأمَّة، بل يضيِّعُه أكثر أُمَّته وجمهورُ أصحابِه، بل كلُّهم، حتَّى يقولَ من يقول منهم: إنَّه مُحدث؛ كما قال سعد بن طارق الأشجعي: "قلتُ لأبي: يا أبتِ، إنَّك قد صلَّيتَ خلْفَ رسولِ الله صلَّى الله عليْه وسلَّم وأبي بكرٍ وعُمر وعثمان وعلي رضِي الله عنْهم هاهُنا وبالكوفةِ، منذُ خَمس سنين، فكانوا يقنتونَ في الفجر؟ فقال: أيْ بنيَّ، مُحْدثٌ" (رواهُ أهل السُّنن وأحمدُ، وقال التِّرمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح).

وذكر الدَّارقطني، عن سعيد بن جُبير قال: أشهَدُ أنِّي سمعْتُ ابنَ عبَّاس يقول: "إنَّ القنوتَ في صلاةِ الفجْر بدعة"، وذكر البيْهقي، عن أبي مِجْلز قال: صلَّيتُ مع ابنِ عُمر صلاةَ الصُّبح فلَمْ يقنُت، فقلتُ له: لا أراك تقنُت؟! فقال: "لا أحفظُه عن أحدٍ من أصحابِنا".

ومن المعلومِ بالضَّرورة: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لو كان يقنُت كلَّ غداة، ويدعو بِهذا الدعاء، ويؤمِّن الصَّحابة - لكان نقْل الأمَّة لذلك كلهم كنقْلِهم لجهْرِه بالقِراءة فيها، وعددِها، ووقْتها، وإن جاز عليْهم تضييعُ أمْر القُنوت منها، جازَ عليْهم تضييعُ ذلك، ولا فرْق".

وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن حكم القنوت في صلاة الصبح، فقال رحِمه الله: "تنازَعَ المسْلِمون في القنوتِ على ثلاثةِ أقْوالٍ، أحدُها: أنَّه منْسوخٌ فلا يُشْرع بِحالٍ؛ بِناءً على أنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليْهِ وسلَّم قنتَ ثمَّ ترك، والتَّرْك نسْخٌ للْفِعلِ، كما أنَّه لمَّا كان يقوم لِلْجِنازةِ ثمَّ قعد، جعل القعود ناسِخًا لِلْقِيامِ، وهذا قوْل طائِفةٍ مِنْ أهْلِ العِراقِ؛ كأبي حنِيفةَ وغيْرِهِ، والثَّاني: أنَّ القنوت مشْروعٌ دائِمًا، وأنَّ المداومة عليْهِ سنَّةٌ، وأنَّ ذلِك يكون في الفجْرِ .... وقدْ ذهب طائِفةٌ إلى أنَّه يسْتحبُّ القنوت الدَّائِم في الصَّلواتِ الخمْسِ؛ مُحْتجِّين بِأنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليْهِ وسلَّم قنت فِيها، ولمْ يفرِّقْ بيْن الرَّاتِبِ والعارِضِ، وهذا قوْلٌ شاذٌّ، والقوْل الثَّالِث: أنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليْهِ وسلَّم قنت لِسببٍ نزل بِهِ، ثمَّ تركه عِنْد عدمِ ذلِك السَّببِ النَّازِلِ بِه، فيكون القنوت مسْنونًا عِنْد النَّوازِلِ، وهذا القوْل هو الَّذِي عليْهِ فُقهاءُ أهْلِ الحدِيثِ، وهو المأْثور عن الخلفاءِ الرَّاشِدِين رضِي الله عنْهم". اهـ.

وعليْه؛ فالقنوتُ في الفجْر فقطْ من البدع، كما قال طارق الأشجعي وابنُ عبَّاس، ومن ثمَّ فلا صيغة له في السنة، والقنوتُ يكون في الصَّلوات الخمْس عند النَّوازل والبلايا، وليس في صلاة الصبْح فقط؛ لثبوت ذلك عنِ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم،، والله أعلم.