الأكل حتى الشبع، ثم التقيُّؤ

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: النهي عن البدع والمنكرات -
السؤال:

يَحدث أن أحضُر على مائدةٍ عامرة أضطر إلى الأكْل بكثرة، لكن بعد ذلك أستفرغ جَميع ما أكلتُه عمدًا؛ لِلحفاظ على الرَّشاقة، هل آثم على ذلك؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فاعلمي رعاك الله: أنَّ الإفراط في الأكْل والتوسُّع فيه أمر غيرُ مرغوب؛ لما فيه من ضرَرٍ على المال وعلى الصحة؛ وقد نَهانا اللهُ تعالى عنِ الإسراف، فقال سبحانَهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

والإسرافُ في الطعام: هو مُجاوزةُ الحدِّ في الأكل، فعلى المرء أن يأكُل بقدْر الحاجة؛ قال صلى الله عليه وسلَّم: "ما ملأ آدمِيٌّ وعاءً شرًّا من بطنِه، بحسبِ ابْنِ آدَمَ أكلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه، فإنْ كان لا مَحالةَ، فثُلُثٌ لِطَعامِه، وثلثٌ لِشَرابِهِ، وثلثٌ لنَفَسِه" (رواه أحمدُ والتّرمذيُّ، وهو حديث صحيح).

وقال صلى الله عليه وسلَّم: "كل، واشرب، والبس، وتصدق؛ في غير سَرَف، ولا مخيلة" (رواه أحمد وأبو داود، وعلقه البخاري)، وقال ابن عباس: "كل ما شئت، والبس واشرب ما شئت، ما أخطأتك اثنتان سرف أو مخيلة".

قال في "كشَّاف القناع": "ويجوز أكلُه أكثرَ من ثلثِه بحيث لا يؤْذيه، وأكلُه كثيرًا مع خوف أذًى وتخمةٍ يحرُم".

وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية": "وقال الشيخُ تَقِيُّ الدين في موضع آخر: "الإسراف في المُباحات: هو مجاوزةُ الحدّ، وهو من العدوان المحرَّم". اهـ.

فإذا كان الإسراف في تناول الطعام بهذا الحكم، فما بال مَن يُسْرِف على نفسه في الأكْل، ثم يتقيَّأ ويُهدر الطَّعام بعد تناوله؟!

فلا شكَّ أنَّ هذه عادة سيِّئة، وقد تصِل للحرمة؛ لما فيها من إضاعة المال؛ ففي الصحيحَين عن المغيرة بن شعبة قال: سمعت النَّبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: "إنَّ الله كرِهَ لكُم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثْرة السؤال" وفي روايةٍ عند البُخاري: "إنَّه كان ينهَى عن: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".

وقال صلَّى الله عليْه وسلَّم لصحابتِه لمَّا شبِعوا وقد أخرجَهم الجوع: "والذي نفسي بيده، لتُسألُنَّ عن هذا النعيم" (رواه مسلم).

قال السَّرَخْسي في "المبسوط": "ولأنَّه إنَّما يأكل في منفعةِ نفسه، ولا منفعةَ في الأكْلِ فوق الشِّبع؛ بل فيه مضرَّة، فيكون ذلك بمنزلة إلقاءِ الطَّعام في مزبلة، أو شرٍّ منها؛ ولأنَّ ما يزيد على مقدار حاجَتِه منَ الطَّعام فيه حقُّ غيرِه، فإنَّه يسدُّ به جوعَته إذا أوْصله إليه بعوَضٍ أوْ بِغَيْرِ عِوَض، فهو في تناوُلِه جانٍ على حقِّ الغَير؛ وذلك حرام، ولأنَّ الأكلَ فوق الشِّبع ربَّما يُمْرِضه، فيكون ذلك كجِراحَتِه". اهـ.

وعليه؛ فلا يجوز لكِ الإسراف في الأكْل ثم إهداره بتقيُّئِه،، والله أعلم.