حكم الطلاق في الطهر الذي جامع فيه

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: أحكام الطلاق -
السؤال:

قلتُ لزوْجتي: أنت طالق، وكان ذلك في طُهْر جامَعْتُها فيه، وهذِه هي المرَّة الأولى فهلْ وَقَعَ الطلاق؟ وَهَل الشهادة واجبة؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فطلاقُ الرجل لامرأته في طُهر جامعها فيه واقعٌ على الرَّاجح من أقوال أهل العلم، مع إثْمِ فاعله؛ وهُو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلم، وذَهَبَ أبو مُحمَّد بن حَزْمٍ وشيخُ الإسلام ابن تيمية إلى عدَم وُقوعه؛ قال شخ الإسلام في مجموع الفتاوى: "فَإِنْ طَلَّقَهَا بِالْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ بَعْدَ أَنْ وَطِئَهَا : كَانَ هَذَا طَلَاقًا مُحَرَّمًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . وَفِي وُقُوعِهِ " قَوْلَانِ " لِلْعُلَمَاءِ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ". ومن أَجْوَدِ ما احتجَّ به الجُمهور على وقوع الطلاق أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم والصحابةَ مِنْ بَعْدِهِ كانوا لا يَستَفْصِلون مَن طلَّق: هلْ طلَّقْتَها في طُهْرٍ جامَعْتَها فيه أو لا، ومن المقرَّر في الأصول: أنَّ ترك الاستِفْصال يتنَزَّلُ منزِلَة العُموم في المقال، ويُراجع للأهميَّة الأدلَّة المفصَّلة على وقوع الطلاق البدعي في فتوى: "هل يقع الطلاق في الحيض؟". 

وقال الإمام ابن الجوزي في "زاد المسير": "والطَّلاق البِدْعيُّ أن يَقَعَ في حالِ الحَيْضِ أو في طُهْرٍ قَدْ جامَعَهَا فيهِ، فَهُوَ واقعٌ وصاحبُه آثِم". اهـ.

قال الإمام البغويُّ في "تفسيره": "ولو طلَّق امرأَتَه في حال حيْضٍ أوْ في طُهْرٍ جامَعَها فيه قصدًا يعصي الله تعالى، ولكنْ يَقَعُ الطَّلاق؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَرَ ابْنَ عُمر بِالمُراجَعَةِ، فلوْلا وُقوعُ الطلاق لكان لا يأْمُر بالمراجعة، وإذا راجَعَها في حال الحَيْضِ يَجوز أن يُطَلِّقَها في الطُّهر الذي يعقُب تلك الحيضة قبل المَسيس".

وعليه؛ فالطَّلاقُ الذي تلفَّظْتَ به قد وَقَعَ، وحُسِبَتْ عليك تطليقة رجعيَّة؛ أيْ لكَ ارْتِجاعُها ما لم تنقضِ عدَّتُها بالمهْرِ والعقْدِ القديميْن، فإنْ لَم تُراجِعْها حتَّى انْتَهتْ عدَّتُها بانتْ مِنْكَ بينونةً صُغرى فلا تحلُّ لك إلا بعقدٍ ومهر جديدين، وتعودُ إليْكَ على ما بقِيَ من طلقات.

أمَّا الإشهاد على الطلاق فلا يَجِبُ بإجْماع أهل العلم، واختلفوا في الإشهاد على الرَّجْعة فذهب الجمهور إلى أنَّه مُستَحَبٌّ، ومنهم الحنفيَّة والمالكيَّة، والأظْهَر عند الشَّافعية، وإحدى الرِّوايتيْنِ عن أحمد، ورُوي عنِ ابن مسعود، وعمَّار بن ياسر، فمَن راجَع امرأَتَهُ ولم يُشْهِدْ صحَّتِ الرجعة، قال النَّوويُّ: "إنَّ الإشهادَ على الرَّجعةِ ليْسَ شرطًا ولا واجبًا في الأظْهَرِ".

وأوجب الإشهادَ ابْنُ بُكيرٍ وغيرُه من المالكيَّة، وهو روايةٌ عندَ الحنابلة.

واستدلُّوا بقولِه تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2].

واحتجَّ الجُمهورُ بقَوْلِه صلَّى الله عليه وسلَّم: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها" من حديث ابْنِ عُمَر، ولَم يذْكُر الإشهاد.

وبأَثَرِ عِمران بنِ حُصين أنَّه "سُئِلَ عن الرَّجُل يُطَلِّق امرأَتَه ثُمَّ يَقَعُ بِها، ولم يُشْهِد على طلاقِها ولا على رجْعَتِها، فقال: طَلَّقْتَ لغير سُنَّة، وراجعْتَ لغَيْرِ سُنَّة، أشهِدْ على طلاقِها وعلى رَجْعَتِها ولا تَعُدْ"؛ رواه أبو داودَ، والظَّاهر أنَّ قوله لغَيْر السُّنة يعني مستحب.

وبأنَّ الرَّجعةَ لا تفتَقِرُ إلى قبول، فلَمْ تفتَقِرْ إلى شهادة، كسائر حقوقِ الزَّوج، ولأنَّها استدامةٌ للنِّكاح وهذا لا يتطلَّب الإشهاد.

قال الشوكاني في "النيل": "ومن الأدلَّة على عدم الوُجوب أنَّه قد وَقَعَ الإجْماع على عَدَمِ وُجُوبِ الإشْهاد في الطلاق؛ كما حكاهُ المورعي في "تيسير البيان"، والرَّجعة قرينَتُه فلا يَجِبُ فيها كما لا يَجِبُ فيه، والاحْتِجاجُ بالأثَرِ المذكور -أَثَرِ عِمْران- لا يَصْلُح للاحْتِجاج؛ لأنَّه قول صحابي في أمر من مَسارِح الاجتهاد، وما كان كذلك فَلَيْسَ بِحُجَّة لولا ما وقع من قوله: "طلَّقْتَ لغَيْرِ سُنَّة وراجَعْتَ لغَيْرِ سُنَّة"، وأمَّا قَوْلُه تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] فهو واردٌ عَقِبَ قولِه: {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الآيةَ، وقدْ عَرَفْتَ الإجْماعَ على عدم وجوب الإشْهاد على الطلاق، والقائِلُون بعدم الوجوب يقولونَ بالاستِحْباب" اهـ،، والله أعلم.