حكم العربون قبل شراء العقار

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه المعاملات -
السؤال:

دفعت مبلغاً من المال لصاحب شقة حتى يحجزها لي، ولا يبيعها لغيري، فما الحكم الشرعي في ذلك، وهل هذا المبلغ يعتبر من العربون، أفيدونا؟

الإجابة:

بيع العربون في الاصطلاح الفقهي هو: أن يبيع الإنسان الشيء ويأخذ من المشتري مبلغاً من المال، يسمى عربوناً لتوثيق الارتباط بينهما، على أساس أن المشتري إذا قام بتنفيذ عقده احتسب العربون من الثمن، وإن نكل كان العربون للبائع، المدخل الفقهي 1/495 وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية9/93.

وبيع العربون بالصورة السابقة جائز على الراجح من أقوال أهل العلم، مع إضافة قيدٍ مهمٍ له وهو الاتفاق على المدة بين الطرفين، قال الدكتور عبد الستار أبو غدة: "ومن شرط العربون تحديد المدة، واحتفاظ البائع بمحل العقد الذي فيه عربون، فليس له التصرف فيه، كما أن حق العربون ليس قابلاً للتداول" ضوابط وتطوير المشتقات المالية في العمل المالي ص6.

والقول بجواز بيع العربون مطلقاً، أي بالتوقيت أو بدونه، هو المذهب عند الحنابلة، ونقل القول بصحة بيع العربون عن عمر وابنه عبد الله رضي الله عنهما، وقال به محمد بن سيرين وسعيد بن المسيب، وقد ضعف الإمام أحمد الحديث الوارد في النهي عن بيع العربون، واحتج لصحته بما ورد عن نافع بن عبد الحارث "أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم، فإن رضي عمر كان البيع نافذاً، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم"، قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر رضي الله عنه، وضعّف الحديث المروي" المغني4/312. وشراء عمر لدار السجن رواها البخاري في صحيحه معلقةً فقال: "باب الربط والحبس في الحرم، واشترى نافع بن عبد الحارث داراً للسجن بمكة من صفوان بن أمية، على أن عمر إن رضي فالبيع بيعه، وإن لم يرض عمر فلصفوان أربعمائة".

ومن المعلوم أن طريقة العربون، هي وثيقة الارتباط العامة في التعامل التجاري في العصور الحديثة، وتعتمدها قوانين التجارة وأعرافها، وهي أساس لطريقة التعهد بتعويض ضرر الغير عن التعطل والإنتظار، وقد أيد ذلك العلامة ابن القيم بما رواه البخاري في صحيحه في باب ما يجوز من الاشتراط، عن ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: "قال رجلٌ لكرِّيه: أرحل ركابك فإن لم أرحل معك في يوم كذا، فلك مئة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: من شرط على نفسه طائعاً غير مكرهٍ فهو عليه" انظر المدخل الفقهي1/495-496، والكرّي هو المكاري الذي يؤجر الدواب للسفر، وأرحل ركابك، أي شدَّ على دوابك رحالها استعداداً للسفر.

والراجح أن العربون يصح إذا قُيد بمدةٍ زمنيةٍ متفقٍ عليه بين الطرفين كما ذكرت، وهو قولٌ عند الحنابلة، قال البهوتي الحنبلي: "ويتجه صحة هذا الاشتراط في بيع العربون وإجارته إن قيد المتعاقدان ذلك بزمنٍ معين؛ كإلى شهرٍ من الآن، وفات ذلك الزمن" مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 7/441.

وهذا ما أخذ به مجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة حيث جاء في قراره: "بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع بيع العربون، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:

1- المراد ببيع العربون بيع السلعة مع دفع المشتري مبلغاً من المال إلى البائع على أنه إن أخذ السلعة احتسب المبلغ من الثمن، وإن تركها فالمبلغ للبائع، ويجري مجرى البيع الإجارة، لأنها بيع المنافع. ويستثنى من البيوع كل ما يشترط لصحته قبض أحد البدلين في مجلس العقد (السلم) أو قبض البدلين (مبادلة الأموال الربوية والصرف). ولا يجري في المرابحة للآمر بالشراء في مرحلة المواعدة ولكن يجري في مرحلة البيع التالية للمواعدة.

2- يجوز بيع العربون إذا قُيِّدت فترةُ الانتظار بزمنٍ محدودٍ. ويحتسب العربون جزءاً من الثمن إذا تم الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء". مجلة المجمع عدد 8ج1ص641.

واختار هذا القول جماعة من المعاصرين، انظر حكم بيع العربون في الإسلام ص30، وحكم بيع العربون ص 40. إذا تقرر جواز بيع العربون على الراجح من أقوال أهل العلم، فإن الصيغة المذكورة في السؤال، وهي حجز البضاعة أو العقار، تعتبر من صور بيع العربون عند القائلين به، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: "فأما إن دفع إليه قبل البيع درهماً وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك، ثم اشترها منه بعد ذلك بعقدٍ مبتدئٍ وحسب الدرهم من الثمن، صح لأن البيع خلا عن الشرط المفسد، ويحتمل أن الشراء الذي اشتري لعمر كان على هذا الوجه، فيحتمل عليه جمعاً بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين بفساد العربون، وإن لم يشتر السلعة في هذه الصورة، لم يستحق البائع الدرهم، لأنه يأخذه بغير عوضٍ، ولصاحبه الرجوع فيه، ولا يصح جعله عوضاً عن انتظاره وتأخير بيعه من أجله، لأنه لو كان عوضاً عن ذلك لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار كما في الإجارة" المغني 4/312.

وورد في الموسوعة الفقهية الكويتية: "إن دفع المشتري إلى البائع درهما، وقال: لا تبع هذه السلعة لغيري، وإن لم أشترها منك فهذا الدرهم لك: أ- فإن اشتراها بعد ذلك بعقدٍ مبتدأ، واحتسب الدرهم من الثمن صح، لأن البيع خلا عن الشرط المفسد. ويحتمل أن شراء دار السجن من صفوان بن أمية الذي وقع لعمر، كان على هذا الوجه، فيحمل عليه، جمعاً بين فعله وبين الخبر وموافقة القياس والأئمة القائلين بفساد بيع العربون. ب- وإن لم يشتر السلعة، لم يستحق البائع الدرهم، لأنه يأخذه بغير عوض، ولصاحبه الرجوع فيه. ولا يصح جعله عوضاً عن انتظاره، وتأخر بيعه من أجله، لأنه لو كان عوضاً عن ذلك، لما جاز جعله من الثمن في حال الشراء، ولأن الانتظار بالبيع لا تجوز المعاوضة عنه، ولو جازت لوجب أن يكون معلوم المقدار، كما في الإجارة". الموسوعة الفقهية 9/95.

ولا بد من التنبيه هنا على بعض الأحكام المتعلقة بالعربون:
أولاً: العربون يدخل في عقد الإجارة كما يدخل في عقد البيع، قال الإمام النووي: "ومنها بيع العربان، ويقال العربون، وهو أن يشتري سلعةً من غيره ويدفع إليه دراهم على أنه إن أخذ السلعة فهي من الثمن، وإلا فهي للمدفوع إليه مجاناً. ويفسر أيضاً بأن يدفع دراهم إلى صانعٍ ليعمل له خفاً أو خاتماً أو ينسج له ثوباً على أنه إن رضيه فالمدفوع من الثمن، وإلا فهو للمدفوع إليه" روضة الطالبين3/399.

ثانياً: لا يدخل العربون في بيع الذهب إن تم العقد بين المتعاقدين، ويصح العربون –حجز البضاعة- إن لم يتم العقد، والفرق بين الحالتين واضح.

ثالثاً: العربون يختلف عن المبالغ التي تدفع للدخول في المناقصات أو المزايدات، فهذه ينبغي ردها إذا لم تكن الصفقه أو المزايدة لصالح دافع المبلغ، لأنها بمثابة إظهار الجدية فحسب. فتحتسب من الثمن إذا كانت لصالح المشارك في المناقصة أو المزايدة أو عليه إن لم يكن كذلك" موقع الدكتور النشمي.

رابعاً: لا يعتبر هامش الجدية في المرابحة عربوناً، وهذا المبلغ المقدم لضمان الجدية إما أن يكون أمانة للحفظ لدى المؤسسة، فلا يجوز لها التصرف فيه، أو أن يكون أمانة للاستثمار بأن يأذن العميل للمؤسسة باستثماره على أساس المضاربة الشرعية بين العميل والمؤسسة. ولا يجوز للمؤسسة حجز مبلغ هامش الجدية في حالة نكول العميل عن تنفيذ وعده الملزم، وينحصر حقها في اقتطاع مقدار الضرر الفعلي المتحقق نتيجة النكول، وهو الفرق بين تكلفة السلعة وثمن بيعها لغير الآمر بالشراء. والتفريق بين هامش الجدية والعربون أوضحه معيار المرابحة الصادر عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية: "ويفصل المعيار بين مصطلح العربون ومصطلح هامش الجدية، خاصة وأن بعض المصارف درجت على استخدام الأول بمعنى الثاني؛ إذ إن العربون بلغة الفقه هو: مبلغ من المال يدفعه العميل إلى البائع على أن يكون جزءاً من الثمن إن اختار العميل شراء السلعة، وإلا فإنه يذهب للبائع. أما هامش الجدية فهو المبلغ الذي يدفع للمأمور تأكيداً على جدية الآمر في طلب السلعة. فإن عدل الآمر في حالة الإلزام جبر الضرر الفعلي من هذا المبلغ ويعاد الباقي إلى الآمر، فإذا لم يف هامش الجدية بالضرر فللمأمور أن يعود على الآمر بما تبقى من الخسارة. ويجوز للدائن أن يطلب ضماناً من المدين ويجوز أن تكون السلعة المبيعة من الضمانات".

خامساً: لا يعتبر العربون من الشرط الجزائي، وإنما هو أشبه بشرط الخيار كما قال العلامة العثيمين: "وبيع العربون يشبه شرط الخيار، إلا أنه يعطى للبائع جزءً من الثمن إذا ردَّ إليه السلعة، لأن قيمتها قد تنقص إذا علم الناس بهذا، ولو على سبيل التقديم، ففيه مصلحة. وفيه أيضاً مصلحة للبائع من وجه آخر، أن المشتري إذا سلم العربون، فإن في هذا دافع لتتميم البيعة، وفيه كذلك مصلحة للمشتري، لأنه يكون بالخيار في ردِّ السلعة إذا دفع العربون، بينما لو لم يدفعه للزمه البيع" شرح بلوغ المرام ص100.

وخلاصة الأمر أن حجز البضاعة أو العقار، تعتبر من صور بيع العربون عن القائلين بجوازه، كما هو الراجح من أقوال أهل العلم بشرط الاتفاق على مدة معلومة للعربون بين الطرفين، وهي جائزة أيضاً ولا حرج فيها عند القائلين بمنع بيع العربون.
الجمعة, 30 ديسمبر 2011.