عدم قدرتي على حفظ القرآن الكريم

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية - الآداب والأخلاق - استشارات تربوية وأسرية -
السؤال:

أُعاني من نفورٍ من تِلاوةِ القُرآن الكريم وحِفْظه، وأشْعُر بثِقَل وضيقٍ كلَّما قرَّرتُ أن أحفظ شيئًا منه، أحبُّ سماعه بصوتٍ جميل، ويَخشع له قلبي، وإن تغلَّبتُ على نفسي وتلوْتُه، لا أُطيل، أشعُر بضيق. هل ما يُصيبُني هو من السِّحْر أو الحسد؟ أم أنَّ ذنوبي هي السبب؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإنَّ ما تشعُرين به من ضيقِ الصَّدْر عند تلاوة القرآن، قد يكونُ سببُه القرين من الجن أو غيره من الجانِّ؛ لأنَّ الجنَّ يتضرَّرون ويتأذَّون بسماع القرآن، والعلاج الأمثل هو مجاهدة النَّفس على تِلاوة القُرآن، مع التحصُّن بالرقية الشرعيَّة والأذْكار؛ كأذْكار الصَّباح والمساء والنَّوم، والدُّخول والخروج ونحو ذلك، وكذلِك المحافظة على وِرْدٍ يوْمي من القرآن، ومن ذلك: قراءة سورة البقرة كل يوم إن أمكن، وقهر النفس عليه مع الصَّبر، وكثْرة الاستِعاذة بالله من الشَّيطان الرَّجيم؛ قال تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [فصلت: 36]، وقال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 98، 99].

وقد ذهبَ الجُمهور إلى أنَّ الاستِعاذة تكون قبْل القِراءة لدفْع الوسواس فيها، وللقُدرة على القِراءة والاستِمْرار فيها؛ لأنَّها تَدْرأ شرَّ الشَّيطان، وتمهِّد للجوِّ الَّذي يُتْلَى فيه كتاب الله، وتطهِّره من الوسوسة، وتوجِّه المشاعر إلى الله تعالى خالصة لا يشغلُها شاغلٌ من عالم الرِّجس والشَّرِّ الذي يمثِّله الشيطان، فمن يتوجَّه للَّه وحْدَه ويُخلِص قلبه لله، لا يملك الشَّيطان أن يسيْطِر عليْه، مهْما وسوس له، فإنَّ صلته بالله ستعْصِمه من أن ينساق معه، لا يستسلم له وينقاد إليْه، فقد يُخطئُ ولكنَّه يثوبُ إلى الله، ويلجأ إليه بالاستعاذة؛ لطرد الشَّيطان عنْه.

قال ابن كثير في تفسيره: "والمعنى في الاستِعاذة عند ابتِداء القراءة؛ لئلاَّ يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه، ويمنعه من التدبُّر والتفكُّر"، وقال السَّعدي: "فإِذا أردتَ القِراءة لِكِتاب الله، الَّذي هو أشْرَفُ الكتُب وأجلُّها، وفيه صلاح القُلوب والعلوم الكثيرة، فإنَّ الشَّيطان أَحْرص ما يكون على العبْد عند شُروعه في الأمور الفاضلة، فيسْعى في صَرْفِه عن مقاصِدِها ومعانيها، فالطَّريق إلى السَّلامة من شرِّه الالتِجاء إلى الله، والاستعاذة به من شرِّه، فيقول القارئ: "أعوذُ بالله من الشَّيطان الرَّجيم"، متدبِّرًا لمعْناها، معتمِدًا بقلْبِه على الله في صرْفِه عنْه، مُجتهدًا في دفْع وساوسه وأفكاره الرَّديئة، مجتهدًا على السبب الأقوى في دفْعِه، وهو التحلِّي بحلية الإيمان والتوكُّل".

وقال ابن القيِّم في "زاد المعاد": "أمر سبحانه وتعالى نبيَّه صلَّى الله عليْه وسلَّم أن يكتفِي من شرِّ شيْطان الإنس بالإعْراض عنْه والعفْو، والدَّفع بالتي هي أحسن، ومِن شيْطان الجنِّ بالاستِعاذة بالله منه، وجَمع بين النَّوعين في سورة "الأعْراف"، وسورة "المؤمِنون"، وسورة "فُصِّلت"، والاستِعاذة في القراءة والذِّكْر أبلغ في دفْع شرِّ شياطينِ الجنِّ، والعفوُ والإعراضُ والدَّفع بالإحسان أبلغُ في دفْع شرِّ شياطين الإنس، قال:

فَمَا هُوَ إِلاَّ الاسْتِعَاذَةُ ضَارِعًا *** أَوِ الدَّفْعُ بِالحُسْنَى هُمَا خَيْرُ مَطْلُوبِ
فَهَذَا دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَا يُرَى *** وَذَاكَ دَوَاءُ الدَّاءِ مِنْ شَرِّ مَحْجُوبِ".

هذا؛ وقد يكون ما تُعاني منه السائلة الكريمة من نفورٍ من التِلاوةِ والحِفْظ، من جراء ذنب قد اقترفته، أو طاعة تركتها أو نحو هذا؛ قال الإمام الشافعي:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي *** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ *** ونورُ الله لا يهدى لعاصي

فلتسرعي بالتوبة والأوبة، ولتكثري من الاستغفار والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف والتفريج عن المكروب؛ فإن هذه الأدوية عظيمة التأثير، ولتعلمي رعاك الله أن الذي ابتلاك هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، ولا يبتلي عباده سبحانه؛ ليهلكهم ولا ليعذبهم ولا ليجتاحهم، وإنما ليمتحن صبرهم ورضاهم عنه وإيمانهم، وليسمع تضرعهم وابتهالهم، وليراهم مُرتمين ببابه لائذين بجنابه مكسوري القلب بين يديه، رافعي أَكُفَّ الضراعة إليه، والله سبحانه هو الفاتح لمن أمَّ بابه طالبًا لمرضاته من الخير.

قال في الزاد: "فإن عجز عنه هذه الأدوية كلها، لم يبق له إلا صدق اللُجأ إلى من يجيب المضطر إذا دعاه؛ وليطرح نفسه بين يديه، على بابه مستغيثًا به، متضرعًا متذللاً مستكينًا، فمتى وفق لذلك، فقد قرع باب التوفيق".
هذا؛ والله أعلم.