يحرم شرعًا التهرب من تسديد فواتير الماء والكهرباء

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه المعاملات -
السؤال:

ما حكم قيام بعض المواطنين بالتهرب من دفع فواتير الماء والكهرباء رغم القدرة على دفعها ورغم وجود عقد بين المواطن والمؤسسة التي تقدم له الخدمة؟

الإجابة:

يجب شرعًا سداد فاتورة الكهرباء والماء في موعدها، لأن ذلك هو مقتضى العقد القائم بين المزودين لهذه الخدمات كشركة الكهرباء والجهة المزودة بالماء وبين المشترك في هذه الخدمات، ولا يجوز التهرب من السداد، وقد أمر الله عز وجل بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]، فهذه الآية الكريمة عامة تشمل كل العقود والعهود والالتزامات التي يلتزم بها الشخص مع غيره.

قال الحسن البصري: "يعني بذلك عقود الدِّين، وهي ما عقده المرء على نفسه، من بيعٍ وشراءٍ وإجارةٍ وكراءٍ ومناكحةٍ وطلاقٍ ومزارعةٍ ومصالحةٍ وتمليكٍ وتخييرٍ وعتقٍ وتدبيرٍ وغير ذلك من الأمور، ما كان ذلك غيرُ خارجٍ عن الشريعة، وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الاسلام. (تفسير القرطبي 6/32).

وقال ابن كثير:" قوله تعالى: {أوفوا بالعقود} قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: "والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره".

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} يعني بالعهود: يعني ما أحلَّ الله وما حرَّم، وما فرض وما حدَّ في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدَّد في ذلك فقال: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} إلى قوله: {سوُءُ الدَّارِ}.

وقال الضحاك: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} قال: "ما أحلَّ الله وما حرَّم وما أخذ الله من الميثاق على من أقرَّ بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام" (تفسير ابن كثير 2/7).

وقال القرطبي: "وقال ابن شهاب- الزهري: "قرأت كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره: (هذا بيان للناس من الله ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فكتب الآيات فيها إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

وقال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم، وبعقدكم بعضكم على بعض، وهذا كله راجعٌ إلى القول بالعموم، وهو الصحيح في الباب، قال صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ"، وقال: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ, وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ " (حديث مرفوع) فبين أن الشرط أو العقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله، أي دين الله، فإن ظهر فيها ما يخالف رُدَّ، كما قال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدٌ"ّ (رواه البخاري ومسلم) (تفسير القرطبي 6/32).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فقد أمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء بالعقود وهذا عامن وكذلك أمر بالوفاء بعهد الله وبالعهد وقد دخل في ذلك ما عقده المرء على نفسه بدليل قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا} [الأحزاب: 15]، فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه وإن لم يكن الله قد أمر بنفس ذلك المعهود عليه قبل العهد كالنذر والبيع… وقال سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النسآء:1]، قال المفسرون {تساءلون به} تتعاهدون وتتعاقدون، وذلك لأن كل واحد من المتعاقدين يطلب من الآخر ما أوجبه العقد من فعل أو ترك أو مال أو نفع أو نحو ذلك، وجمع سبحانه في هذه الآية وسائر السورة أحكام الأسباب التي بين بني آدم المخلوقة كالرحم والمكسوبة كالعقود التي يدخل فيها الصهر" (مجموع الفتاوى 29/138-139).

ومما يدل على حرمة الامتناع عن سداد فواتير الكهرباء والماء، أن ذلك يعتبر أكلًا لأموال الناس بالباطل، وهو من المحرمات المتفق على تحريمها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].

وكذلك فإن الامتناع عن سداد فواتير الماء والكهرباء محرم لأنه من خيانة الأمانة، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58].

وهذه الآية عامة تشمل كل الأمانات، كما نقل القرطبي ذلك عن جماعة من الصحابة كالبراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب رضي الله عنهم قالوا: "الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع"، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة" (تفسير القرطبي 5/ 2569)، وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، فنهى الله سبحانه وتعالى عن خيانة الله سبحانه وتعالى وخيانة الرسول صلى الله عليه وسلم وخيانة بعضهم لبعض.

وخيانة الأمانة من صفات المنافقين كما صحَّ في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: "آيَةُ الْمُنَافِقِ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ, وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ, وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" (رواه البخاري ومسلم)، وفي رواية عند مسلم: "وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم"، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يغرنَّك صلاة امرئٍ ولا صيامه من شاء صلى ومن شاء صام ولكن لا دين لمن لا أمانة له" (شرح السنة 1/75).

وجاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصلة منهُن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان وإذا حدّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" (رواه البخاري ومسلم)، وقد اعتبر العلماء خيانة الأمانة من كبائر الذنوب. (انظر الزواجر 1/617).

وثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" (رواه الترمذي وأبو داود، وقال العلامة الألباني حديث حسن صحيح كما في السلسة الصحيحة حديث رقم 423).

ومما يدل على تحريم الامتناع عن تسديد فواتير الكهرباء والماء أن ذلك يعتبر إخلالًا بالشرط بين الجهة المزودة للكهرباء والماء وبين المشترك، وقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالًا أو أحل حرامًا" (رواه أبو داود والترمذي وقال:حسن صحيح)، ورواه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم لكنه بدون الاستثناء، ورواه الحاكم وأبو داود عن أبي هريرة بلفظ: "المسلمون عند شروطهم" أي بدون الاستثناء. وورد في رواية أخرى "المسلمون عند شروطهم فيما أحل" (رواه الطبراني، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الوفاء بها أي بالالتزامات التي التزم بها الإنسان من الواجبات التي اتفقت عليها الملل، بل العقلاء جميعًا" (مجموع الفتاوى 29/516 والقواعد النورانية ص53).

وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية: "هل يجوز التحايل للامتناع عن دفع فاتورة الكهرباء أو الماء أو التليفون أو الغاز أو أمثالها؟، فأجابت: "لا يجوز، لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل، وعدم أداء الأمانة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النسآء: 58] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النسآء: 29] (فتاوى اللجنة الدائمة 23/441).

وجاء في فتاوى الإسلام سؤال وجواب حول سؤال يتعلق بتهرب بعض الناس من دفع الالتزامات: "لا يجوز لهم ذلك، فالعقد شريعة المتعاقدين، والله جل وعلا أمر بالوفاء بالعقود {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} فهؤلاء الذين يتهربون من دفع شيء تعاقدوا عليه، ويأخذون أشياء لهم، ويمتنعون من دفع أشياء عليهم أخطئوا من وجهين:

الأول: عدم الوفاء بالعقود.

والثاني: أنهم يأخذون حقوقاً ليست لهم ويتهربون من دفع حقوق عليهم.

فالواجب عليهم أن يدفعوا ما يطلب منهم، وإذا كانوا يتحرجون من ذلك، فلا يستفيدوا من الخدمات التي تقدم لغيرهم مقابل دفع هذه الأموال المطلوبة منهم.

وخلاصة الأمر أنه يحرم شرعًا الامتناع عن سداد فواتير الكهرباء والماء، لأن ذلك يعتبر من عدم الوفاء بالعقود ويعتبر أيضًا أكلًا لأموال الناس بالباطل وفيه إخلال بالشرط، وهذه كلها من المحرمات.

تاريخ الفتوى: الجمعة 01- أبريل- 2011.