القسمة الرضائية

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه الفرائض والوصايا -
السؤال:

ورثنا عن أبينا قطعة أرض كبيرة وقمنا بتقسيمها بالتراضي، وبعد مضي عدة سنوات، يطالب بعض الورثة بإعادة القسمة من جديد، فهل يحق لهم ذلك؟

الإجابة:

القسمة عند الفقهاء عُرّفت بتعريفات كثيرة منها ما قاله الكاساني الحنفي: "عبارة عن إفراز بعض الأنصباء عن بعض، ومبادلة بعضٍ ببعض؛ لأن ما من جزئين من العين المشتركة لا يتجزآن قبل القسمة، إلا وأحدهما ملك أحد الشريكين، والآخر ملك صاحبه غير عين، فكان نصف العين مملوكًا لهذا، والنصف مملوكًا لذاك على الشيوع، فإذا قسمت بينهما نصفين، والأجزاء المملوكة لكل واحد منهما شائعة غير معينة، فتجتمع بالقسمة في نصيبه دون نصيب صاحبه، فلا بد وأن يجتمع في نصيب كل واحد منهما أجزاء، بعضها مملوكة له، وبعضها مملوكة لصاحبه على الشيوع" (بدائع الصنائع5/462). وعرفت مجلة الأحكام العدلية القسمة في المادة (1114): القسمة هي تعيين الحصة الشائعة, يعني إفراز وتمييز الحصص بعضها عن بعض بمقياس ما كالكيل والوزن والذراع.

والقسمة مشروعة بكتاب الله عز وجل وبسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [النساء: 8]. وقوله تعالى: {وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال: 41]، وقوله سبحانه تعالى: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء: 7]، وقوله سبحانه: {وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ} [القمر: 28].

وأما من السنة النبوية فقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قسَّم الغنائم كما في حديث أنس رضي الله عنه قال: "اعتمر النبي صلى الله عليه و سلم من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين" (رواه البخاري)، وقال الإمام البخاري في صحيحه: "باب قول الله تعالى: "فأن لله خمسه وللرسول" يعني للرسول قسم ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: "إنما أنا قاسم وخازن والله يعطي". وروى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ""لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله. قال فقلت والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فأتيته فأخبرته بما قال، قال فتغير وجهه حتى كان كالصرف -شجرٌ أحمر يصنع منه صبغ يدبغ به الجلود- ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله". قال ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر". وعن علي رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم فقمت على البُدن، فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها" (رواه البخاري ومسلم). وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قُسمت الأرض وحُدَّت، فلا شفعة فيها" (رواه أبو داود وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة حديث رقم 1385). وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: "وأجمعت الأمة على جواز القسمة، ولأن بالناس حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي" (المغني 10/99).

إذا تقرر هذا فإن الفقهاء قد جعلوا القسمة على أنواع باعتبار إرادة المتقاسمين: القسمة بهذا الاعتبار قسمان: قسمة تراضٍ، وقسمة إجبار، ولا يخالف في ذلك أحد من أهل العلم على الإجماع. ذلك أن الشركاء قد يرغبون جميعًا في قسمة المال المشترك، أو يرغب بعضهم ويوافق الباقون على أصل القسمة وعلى كيفية تنفيذها، فلا تكون بهم حاجة إلى اللجوء إلى القضاء، وتسمى القسمة حينئذ قسمة تراضٍ. وقد يرغب واحد أو أكثر، ويأبى غيره، فإذا لجأ الراغب إلى القضاء، فإن القاضي يتولى قسمة المال وفق الأصول المقررة شرعًا، وتكون القسمة حينئذ قسمة إجبار. فقسمة التراضي: هي التي تكون باتفاق الشركاء. وقسمة الإجبار: هي التي تكون بواسطة القضاء، لعدم اتفاق الشركاء. ثم ليس حتمًا في قسمة الإجبار أن يتولاها القاضي بنفسه، أو بمن يندبه لذلك، بل له أن يحبس الممتنع من القسمة حتى يجيب إليها، ويحدد له القاضي مدةً معقولةً لإتمامها بصورة عادلة" (الموسوعة الفقهية الكويتية 33/215).

وورد في مجلة الأحكام العدلية المادة (1121) أن قسمة الرضا هي: "القسمة التي تجري بين المتقاسمين في الملك بالتراضي أو برضا الكل عند القاضي. وأما قسمة القضاء فعرفتها المادة (1122) بأنها تقسيم القاضي الملك المشترك جبرًا وحكمًا بطلب بعض المقسوم لهم. وإذا تمت القسمة بالتراضي أو جبراً من القاضي فحكمها اللزوم، لأنها من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، فلا يجوز لأحد من المتقاسمين أن يرجع عنها، فالقسمة لا تقبل الرجوع بالإرادة المنفردة، بمعنى أن ينقضها واحدٌ أو أكثر ويرد المال إلى الشركة، دون اتفاق من جميع المتقاسمين" (انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 33/245). وقال ابن رشد الحفيد: "والقسمة من العقود اللازمة لا يجوز للمتقاسمين نقضها ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ عليها" (بداية المجتهد ونهاية المقتصد 2/218). وقال الدكتور وهبة الزحيلي: "القسمة من العقود اللازمة باتفاق الفقهاء، لا يجوز نقضها، ولا الرجوع فيها إلا بالطوارئ ... ولكن لبعض المذاهب تفصيل في مبدأ اللزوم: قال الحنفية: تلزم قسمة التراضي وقسمة التقاضي بعد تمامها، فلا يجوز الرجوع عنها إذا تمت. أما قبل التمام، فكذلك تلزم قسمة التقاضي، فلو قسم القاضي المال المشترك بين قوم، فخرجت السهام كلها بالقرعة، لا يجوز لهم الرجوع، وكذا لا رجوع إذا لم تتم القسمة، كأن خرج بعض السهام دون بعض. وأما قسمة التراضي: فيجوز للشركاء الرجوع عنها قبل تمامها؛ لأن قسمة التراضي لا تتم إلا بعد خروج السهام كلها، كما هو الشأن في كل عقد كالبيع مثلاً، يجوز الرجوع عنه قبل تمامه. إلا أنه إذا خرج جميع السهام إلا واحدًا، لم يجز الرجوع في قسمة التراضي، لصيرورة السهم متعينًا لمن بقي من الشركاء أو لتعيين نصيب ذلك الواحد. وأطلق المالكية القول باللزوم فقالوا: ولزم ما خرج بالقسمة، فليس لأحدهم نقضها، وكذا يلزم الشريك في قسمة التراضي، فمن أراد الفسخ لم يكن منه. وقال الشافعية: تلزم قسمة الإجبار من غير تراضٍ، ومن المعلوم أن قسمة الإفراز والتعديل فيهما الإجبار، وأما قسمة التراضي قسمة رد دون غيرها، فالأرجح عندهم أنه لا بد من الرضا بها بعد خروج القرعة، ولا يلزم حكم القاسم إلا برضا الشركاء؛ لأنه لما اعتبر الرضا بالقسمة ابتداء، اعتبر بعد خروج القرعة. والحنابلة قالوا: تلزم عندهم قسمة الإجبار، فهم كالشافعية، وفي قسمة التراضي عندهم وجهان كالشافعية، لكن الأرجح عندهم أنه إذا خرجت القرعة لزمت القسمة؛ لأن القاسم كالحاكم، وقرعته كالحاكم، لأنه مجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق، فوجب أن تلزم قرعته" (الفقه الإسلامي وأدلته 5/683-684). وقد قررت المادة (1157) من المجلة لزوم القسمة وعدم الرجوع عنها حيث ورد فيها: "لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها" وجاء في شرح المادة السابقة: "أي بعد تمامها على الوجه الآنف الذكر، أي ليس للمقسوم له أن يرجع عن القسمة، كما أنه ليس لورثته بعد وفاته الرجوع عنها (علي أفندي). لا يجوز الرجوع عن القسمة الصحيحة والتامة التي جرت على الوجه السالف الذكر" (درر الحكام 3/161). وورد في القانون المدني الأردني المادة 1048: "لا يسوغ الرجوع عن القسمة بعد تمامها إلا أنه يجوز لجميع الشركاء فسخ القسمة وإقالتها برضائهم وإعادة المقسوم مشتركًا بينهم كما كان". ومما قرره الفقهاء أن القسمة إذا وقعت صحيحة فإنه يترتب عليها استقلال كل واحد من الشركاء بعد القسمة بملك نصيبه والتصرف فيه كأي مالك فيما يملك، لأن هذا هو ثمرة القسمة ومقصودها. (الموسوعة الفقهية الكويتية 33/247. وانظر مجلة الأحكام العدلية المادة 1162).

وقال الدكتور وهبة الزحيلي: "يترتب على القسمة الأحكام التالية:
1- يتعين نصيب كل شريك مستقلاً عن نصيب غيره، فيملك حصته مستقلاً بعد القسمة.
2- يملك الشريك المقسوم له جميع التصرفات الثابتة لصاحب الملكية المطلقة، من بيع وإيجار ورهن، وبناء وهدم، ونحوها.
3- لا تثبت الشفعة في القسمة؛ لأن حق الشفعة في المبادلة المحضة، والقسمة مبادلة من وجه واحد، فلا تحتمل الشفعة. والظاهر أن هذا الحكم متفق عليه في المذاهب" (الفقه الإسلامي وأدلته 5/686).

وخلاصة الأمر أن القسمة إذا تمت بتراضي وتوافق جميع الأطراف، فهي لازمة للجميع، ولا يجوز لأحد من الأطراف الرجوع عنها، ومن آثار القسمة المقررة عند الفقهاء أن كل طرفٍ يملك نصيبه ويتصرف فيه تصرف المالك فيما يملك.

28-5-2010.