حكم الرجوع عن التنازل عن الديون

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه المعاملات -
السؤال:

استدنت من أخي ومن بعض أقاربي مبلغاً كبيراً من المال، وقد أثقلتني الديون، ولما رأى أخي أحوالي المادية الصعبة سامحني وتنازل عن دينه، وبعد مدةٍ من الزمن رزقني الله مالاً فسددت ديون أقاربي وتحسنت أحوالي، فجاء أخي يطالبني بدينه، فهل يحق له أن يرجع في مسامحتي من دينه؟

الإجابة:

إبراء المدين من الديون أمرٌ مندوبٌ إليه شرعاً خاصةً إذا كان المدين معسراً، قال الله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280]، وإنظار المعسر واجبٌ شرعاً عند الأئمة الأربعة ما دام معسراً حقيقةً، وقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} خبرٌ بمعنى الأمر، وأما إبراء المعسر والتجاوز عنه فهو مندوبٌ، قال القرطبي: "ندب الله تعالى بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدى وابن زيد والضحاك" (تفسير القرطبي3/374).

وقال السيوطي: "إبراء المعسر؛ فإنه أفضل من إنظاره، إنظاره واجب، وإبراؤه مستحب" (الأشباه والنظائر ص 146).

وقال العلامة العثيمين: "ومن فوائد الآية: فضيلة الإبراء من الدَّين وأنه صدقة؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} والإبراءُ سنةٌ؛ والإنظارٌ واجبٌ؛ وهنا: السنةُ أفضلُ من الواجب بنصِّ القرآن؛ لقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} ووجه ذلك أنَّ الواجب ينتظم في السنة؛ لأنَّ إبراء المعسر من الدَّين إنظارٌ وزيادة" (تفسير القرآن5/310).

وقد ورد في عدة أحاديث فضيلة إبراء المدين المعسر، منها:

عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلقت الملائكةُ روحَ رجلٍ ممن كان قبلكم، فقالوا: عملتَ من الخير شيئاً؟ قال: لا. قالوا: تذكَّر،قال: كنت أداين الناس فآمرُ فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال الله: تجاوزوا عنه" (رواه البخاري ومسلم).

وفي رواية عندهما أيضاً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجلاً ممن كان قبلكم أتاه الملك ليقبض روحه، فقال هل عملت من خير؟ قال: ما أعلم، قيل له: انظر، قال: ما أعلم شيئاً غير أني كنت أبايع الناس في الدنيا، فأُنظر الموسر، وأتجاوز عن المعسر، فأدخله الله الجنة".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كان رجلٌ يداين الناس، وكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً فتجاوز عنه لعل الله عز وجل يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه" (رواه البخاري ومسلم).

وفي رواية للنسائي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك قال الله له: هل عملت خيراً قط؟ قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناسَ، فإذا بعثته يتقاضى قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عَسُرَ، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أنظر معسراً أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله" (رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب1/542).

إذا تقرر هذا فإن من أسقط حقاً من الحـقوق التي يجوز إسقاطها، يسقط ذلك الحق، وبعد إسقاطه لا يعـود، ولكن يشترط في إسقاطه ذلك الحق أن يكون عن رضا نفسٍ وبدون ضغطٍ أو إكراهٍ أو حياء. وقد نصت القاعدة الفقهية على أن: "الساقط لا يعود" (المادة 51) من مجلة الأحكام، وجاء في درر الحكام في شرحها: (الساقط لا يعود، يعني إذا أسقط شخصٌ حقاً من الحقوق التي يجوز له إسقاطُها يسقط ذلك الحق، وبعد إسقاطه لا يعود. لو كان لشخصٍ على آخر دينٌ فأسقطه عن المدين، ثم بدا له رأيٌ فندم على إسقاطه الدين عن ذلك الرجل، فلأنه أسقط الدين، وهو من الحقوق التي يحق له أن يسقطها، فلا يجوز له أن يرجع إلى المدين ويطالبه بالدين؛ لأن ذمته برئت من الدين بإسقاط الدائن حقه فيه، أما لو أبرأ شخصٌ آخر من طريق له أو سيل أو كان له قطعة وأبرأه بها، فلا يسقط حقه بالطريق والمسيل والأرض؛ لأنه لا يسقط الحق بما ذكر بمجرد الترك والإعراض ويجب لإسقاط الحق فيها إجراء عقد بيعٍ أو هبةٍ مثلاً) (درر الحكام شرح مجلة الأحكام1/89).

وقال شارح مجلة الأحكام: (إذا وهب الدائنُ الدينَ للمديون فليس له الرجوع بعد ذلك، انظر المادتين (51،848) هبة الدين للمديون إبراء. وعليه إذا وهب الدائنُ الدينَ للمديون منجزاً، فليس للواهب الرجوع ما لم ترد هذه الهبة من جانب المديون، ولو لم يوجد موانع الرجوع المذكورة في المواد الآنفة. لأن هذه الهبة إسقاط والساقط لا يعود) (درر الحكام شرح مجلة الأحكام6/210).

وقاعدةُ: "الساقط لا يعود" قاعدةٌ معتبرةٌ وصحيحةٌ وعمل بها فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 1/144، وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: "وإذا كان له في ذمة إنسان دينٌ فوهبه له أو أبرأه منه أو أحلَّه منه، صح وبرئت ذمة الغريم منه وإن ردَّ ذلك فلم يقبله، لأنه إسقاطٌ فلم يفتقر إلى القبول، كإسقاط القصاص والشفعة وحد القذف وكالعتق والطلاق. وإن قال تصدقت به عليك صح، فإن القرآن ورد في الإبراء بلفظ الصدقة بقول الله تعالى: {وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} وإن قال عفوت لك عنه صح لأن الله تعالى قال: {إلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} يعني به الإبراء من الصداق، وإن قال أسقطته عنك صح، لأنه أتى بحقيقة اللفظ الموضوع له، وإن قال ملَّكتك إياه صح، لأنه بمنزلة هبته إياه" (المغني6/288).

وقال ابن حجر المكي: "هبة الدين لا رجوع فيها جزماً" (تحفة المحتاج شرح المنهاج6/310).

ومما يدل على صحة قاعدة: "الساقط لا يعود" قوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء:92]. فيجوز لأولياء القتيل أن يعفوا ويسقطوا حقهم في الدية.

وقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ} [المائدة:45]. وكذلك قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].

وورد في الحديث عن كعب بن مالك رضي الله عنه أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد، فارتفعت أصواتُهما حتى سمعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، فخرج إليهما حتى كشف سِجف حجرته -ستر البيت- فنادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، فقال: ضع من دينك هذا، وأومأ إليه، أي الشطر، قال: لقد فعلت، قال قم فاقضه) (رواه البخاري).

وينبغي أن يُعلم أن قاعدةُ: "الساقط لا يعود" تعمل فيما يقبل الإسقاط من الحقوق، كحقوق العباد المجردة مثل الخيارات كخيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب وحق الشفعة والابراء عن الدعاوى وإبراء الذمم من الديون، قال الشيخ أحمد الزرقا:" الساقط من الحقوق القابلة للسقوط لا يعود، معناه أن ما يقبل السقوط من الحقوق إذا سقط منه شيءٌ بمسقط، فإنه لا يعود بعد سقوطه، وكما أن المعدوم لا يعود والساقط أصبح معدوماً بعد سقوطه فلا يعود، فقولنا القابلة للسقوط، صفةٌ كاشفةٌ وليست قيداً للاحتراز عن الحقوق غير القابلة للسقوط كحق فسخ العقد الفاسد وحق الرجوع في الهبة وحق الاستحقاق في الوقف وكذا حق الوكيل في القيام بما وكَّل به وحق المستعير في الانتفاع بالعارية وحق الإدخال والإخراج في الوقف لمن شرط له من واقفٍ أو غيره كما بحثه ابن نجيم في هذه الثلاثة الأخيرة، وحق خيار الرؤية" (شرح القواعد الفقهية1/264).

وأما ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق فلا يسقط بالإسقاط كحقوق الله عز وجل فحدُّ الزاني لا يسقط بالإسقاط وإن تنازل ولي المرأة المزني بها، وحدُّ السرقة إذا بلغ للحاكم لا يسقط بالإسقاط، وذكر ابن نجيم الحنفي أن حقوق الله تعالى لا تقبل الإسقاط من العبد. (انظر الأشباه والنظائر ص317).

(وقد صنف بعض الباحثين الحقوق التي لا تقبل الإسقاط، ووضع لها ضوابط أربعة كالآتي:

(أ) حقوق لا تقبل الإسقاط لأنها لم تجب بعد، مثل إسقاط الزوجة نفقتها المستقبلة التي لم يدخل وقتها، ومثل إسقاط حق خيار الرؤية قبل الرؤية، لأن الحق نفسه لم يوجد عند الإسقاط.

(ب) حقوق لا تسقط لأن الشارع اعتبرها وصفاً ذاتياً لصاحبها لازماً له، لا ينفك عنه، مثل: إسقاط الأب والجد حقهما في الولاية على الصغير.

(ج) حقوق لا تسقط لأن الإسقاط فيه تغيير للأوضاع الشرعية، مثل إسقاط الواهب حقه في الرجوع عن الهبة، إذ في إسقاطه تغييرٌ لحكم الشرع.

(د) حقوق لا تسقط لأن للغير حقاً فيها، مثل إسقاط الحاضنة حقها في الحضانة، ومثل إسقاط المقذوف حقه في حد القذف -على خلافٍ بين الفقهاء- فإن شيئاً من هذا لا يسقط بالإسقاط؛ لأن للصغير المحضون حقاً في الحضانة وهو مقدم، ولأن لله تعالى حقاً في وجوب الحدود، وحقه تعالى مغلبٌ على حق العبد، فيقدم حق الله تعالى مراعاةً للحق الأغلب) (مجلة البحوث الإسلامية 40/368).

وخلاصة الأمر أن إبراء المدين من الديون أمرٌ مندوبٌ إليه شرعاً خاصةً إذا كان المدين معسراً، وقد اعتبر العلماء أن إبراء المعسر والتجاوز عنه أفضل من إنظاره، فإنظاره واجبٌ، وإبراؤه مستحبٌ، وقد نصت القاعدة الفقهية على أن: "الساقط لا يعود" وهي قاعدةٌ معتبرةٌ وصحيحةٌ وعمل بها فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم.

والحقوق التي تقبل الإسقاط، كحقوق العباد المجردة مثل الخيارات كخيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب وحق الشفعة والابراء عن الدعاوى وإبراء الذمم من الديون ونحوها، فهذه تسقط بالإسقاط.

ومن الحقوق ما لا يقبل الإسقاط كحقوق الله عز وجل.

وأن من أسقط حقاً من الحـقوق التي يجوز إسقاطها كالديون، يسقط ذلك الحق، وبعد إسقاطه لا يعـود، ولكن يشترط في إسقاطه ذلك الحق أن يكون عن رضا نفسٍ وبدون ضغطٍ أو إكراهٍ أو حياء.

تاريخ الفتوى: 29-01-2013.