الحامل والمرضع تقضيان ما أفطرتا من رمضان فقط

حسام الدين عفانه

  • التصنيفات: فقه الصيام -
السؤال:

 ما المطلوب من المرأة الحامل والمرضع إذا أفطرتا في رمضان؟

الإجابة:

اختلف أهل العلم في هذه المسألة اختلافاً كبيراً حتى قال الإمام ابن العربي المالكي: "وأما الحامل والمرضع فالاختلاف فيهما كثير ومتباين" (عارضة الأحوذي 3/189).

ثم ذكر أربعة أقوال لأهل العلم في المسألة وهي:
1. إن على الحامل والمرضع الفدية فقط ولا قضاء عليهما وهذا منقول عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما.
2. عليهما القضاء فقط ولا فدية وهو قول جماعة من أهل العلم سأذكرهم فيما بعد.
3. عليهما القضاء والفدية وهو قول مجاهد والشافعي في أحد قوليه وأحمد.
4. على المرضع القضاء والفدية وعلى الحامل القضاء فقط وهو قول مالك وقول الشافعي الآخر.

والذي أختاره من هذه الأقوال وأرجحه هو القول الثاني بأن على الحامل والمرضع القضاء فقط ولا فدية عليهما وبهذا قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي وعطاء والزهري والضحاك والأوزاعي وربيعة والثوري وأبو حنيفة وأصحابه والليث بن سعد و الطبري وأبو ثور وأبو عبيد وغيرهم. (انظر الاستذكار لابن عبد البر 10/222).
وقال ابن المنذر بعد أن ذكر أقوال العلماء في المسألة: "وبقول عطاء أقول".

قال الإمام البخاري في صحيحه: "وقال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما تفطران ثم تقضيان".

وعقب الحافظ ابن حجر على ذلك بقوله" "فأما أثر الحسن فوصله عبد بن حميد عن طريق يونس بن حميد عن الحسن هو البصري: قال المرضع إذا خافت على ولدها أفطرت وأطعمت والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت وهي بمنزلة المريض، ومن طريق قتادة عن الحسن: تفطران وتقضيان".
وأما قول إبراهيم وهو النخعي فوصله عبد بن حميد أيضاً من طريق أبي معشر عن النخعي قال: "الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا وقضتا صوماً" (صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 9/245-246).

وروى عبد الرزاق بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: "تفطر الحامل والمرضع في رمضان وتقضيان صياماً ولا تطعمان".
وروى أيضاً بإسناده عن عكرمة قال: "تفطر الحامل والمرضع في رمضان وتقضيان صياماً ولا طعام عليهما".
وروى أيضاً بإسناده عن الحسن قال: "تقضيان صياماً بمنزلة المريض يفطر ويقضي والمرضع كذلك" (المصنف 4/218).

وهذا القول هو أقوى المذاهب في رأيي من حيث الدليل:
ويدل على ذلك أن الحامل والمرضع حالهما كحال المريض الذي يرجى شفاؤه فتفطران وتقضيان فالحامل لا تبقى حاملاً والمرضع لا تبقى مرضعاً فإذا ولدت الحامل وأرضعت وفطمت ولدها فإنها تقضي ما أفطرت من رمضان تماماً مثل المريض الذي مرض مدة من الزمان ثم كتب الله له الشفاء فإنه يقضي ما أفطره من رمضان.
قال الإمام الأوزاعي: "الحمل والإرضاع عندنا مرض من الأمراض تقضيان ولا إطعام عليهما" (الاستذكار 10/222).

ومما يدل على هذا ما ورد في الحديث عن أنس بن مالك رجل من بني عبد الله بن كعب قال:  «أغارت علينا خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته يتغدى فقال: ادن فكل، فقلت: إني صائم، فقال: ادن أحدثك عن الصوم أو الصيام إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة وعن الحامل والمرضع الصوم أو الصيام، واللهِ لقد قالهما النبي صلى الله عليه وسلم كليهما أو أحدهما فيا لهف نفسي أن أكون طعمت من طعام النبي صلى الله عليه وسلم» (رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث أنس بن مالك الكعبي حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم، عارضة الأحوذي 3/188، وقال الشيخ الألباني: حسن صحيح، انظر صحيح سنن الترمذي 1/218).

وظاهر حديث أنس الكعبي أن الحامل والمرضع في حكم المسافر فالمسافر إذا أفطر يقضي فقط.

قال الإمام ابن العربي المالكي: "وظاهر حديث أنس الكعبي يقتضي أن يفطرا ويقضيا خاصة لأن الصوم موضوع عنهما كوضعه عن المسافر إلى عدة أخرى" (عارضة الأحوذي 3/189).

قال أبو بكر الجصاص الحنفي: "ووجه دلالته - أي حديث أنس الكعبي - على ما ذكرنا إخباره عليه الصلاة والسلام بأن وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر ألا ترى أن وضع الصوم الذي جعله من حكم المسافر هو بعينه جعله من حكم المرضع والحامل؛ لأن عطفهما عليه من غير استئناف ذكر شيء غيره ثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو في حكم وضعه عن المسافر لا فرق بينهما ومعلوم أن وضع الصوم إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية فوجب أن يكون ذلك حكم الحامل والمرضع وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما إذ لم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم  بينهما وأيضاً لما كانت الحامل والمرضع يرجى لهما القضاء وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر" (أحكام القرآن 1/224).

ومما يدل على أن الحامل والمرضع تقضيان فقط قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}  [البقرة: 184].
فهذه الآية الكريمة بينت الحكم في حق المريض والمسافر وأن عليهما القضاء فقط {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}، وفي حديث أنس الكعبي عطفت الحامل والمرضع على المسافر فالظاهر اتحاد الحكم في حق الثلاثة إلا إذا دل دليل قوي على خلاف ذلك ولم يوجد. (انظر إعلاء السنن 9/151-152).

وقد قال الإمام مالك بعد أن ذكر أثر ابن عمر عندما سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها واشتد عليها الصيام قال تفطر وتطعم … الخ.
قال مالك: "وأهل العلم يرون عليها القضاء كما قال الله عز وجل: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}" (الموطأ 1/254).

وقد رجح هذا القول جماعة من أهل العلم منهم العلامة ولي الله الدهلوي حيث قال: "والظاهر عندي أنهما - الحامل والمرضع - في حكم المريض فيلزم عليهما القضاء فقط" (تحفة الأحوذي 3/331).

واختارت هذا القول اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية حيث جاء في فتواها: "إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من الصوم أفطرت وعليها القضاء فقط شأنها في ذلك شأن المريض الذي لا يقوى على الصوم أو يخشى منه على نفسه قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}" (فتاوى إسلامية 1/396).

واختار هذا القول أيضاً الدكتور يوسف القرضاوي إلا أنه جعله في حق المرأة التي تتباعد فترات حملها كما هو الشأن في معظم نساء زماننا في معظم المجتمعات الإسلامية وخصوصاً في المدن والتي قد لا تعاني الحمل والإرضاع في حياتها إلا مرتين أو ثلاثاً فالأرجح أن تقضي كما هو رأي الجمهور. (فقه الصيام ص 74).