التخلف عن جماعة المسجِد بسبب غازات البطن

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: فقه الصلاة -
السؤال:

السلام عليْكم ورحمة الله،
أنا أبو عبد الله من غزَّة، عندي مرض القولون العصبي، وأعاني من كثْرة خُروج الغازات من بطْنِي، ولا أَستطيعُ السَّيطرة على نفْسي، حتَّى إنَّني أَتَضايق عندما أكون قاعدًا مع ناسٍ وأُصاب بالحرَج الشَّديد، فبالنِّسبة للصَّلاة في المسْجِد مع الجماعة، أذْهب أحيانًا إلى المسجِد عندما أكون متأكِّدًا أنَّه لا يوجد في بطْني شيءٌ من الغازات، وأغلب الأحْيان أصلِّي في البيت بسبب هذا المرَض.

مع العلم أنني حدثت معي مواقف وأنا في المسجِد أُصَلِّي مع الجماعة، ولا أقْدر على السَّيطرة على نفْسِي عندما تخرُج منِّي الغازات من البَطْن، وأُصاب بِحرج شديد.

فأرْجوكم أن تُفيدوني بِالنِّسبة للصَّلاة في المسجِد مع الجماعة، هل أكون آثمًا على ترْكِها مع الجماعة؟ أم أنَّني أستطيعُ الصَّلاة في البَيت ولا حرَجَ في ذلك؟

مع العِلم أنَّني ذهبتُ إلى أطبَّاء كثيرين، وأَعْطَونِي علاجاتٍ، ولا جَدْوى منْها مطلقًا.

الرَّجاء الرَّدُّ في أسرعِ وقت ممكن، فأنا في حيرة من أمري بِالنِّسبة للصَّلاة في المسجِد.

والسَّلام عليْكم ورحْمة الله وبركاتُه.

الإجابة:

الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فنسألُ الله - تعالى - أن يَجمع لك الأجْر والشِّفاء العاجل، آمين.
وبعد، فقد سبق أن بيَّنَّا حُكْمَ صلاة أهْل الأعْذار، ومنهم المبْتَلى باستِطْلاق الرِّيح، فراجِعْها على موقعنا: "حكم استطلاق الريح"، "حكم من يعاني من استمرار خروج الريح والبول".

وكذلك قد سبق أن بيَّنَّا أنَّ الرَّاجح وجوب صلاة الجماعةِ، على موقِعِنا في فتوى: "حكم صلاة الجماعة"، كما بيَّنَّا جواز ترْكِها لعذر، في الفتوى: "التخلف عن الجماعة عند العذر".

ومن تأمَّل أدلَّة صلاة الجماعة، وقواعد الشَّرع القاضية برَفْعِ الحرَج - علِم أنَّ الحالة المذكورة في السُّؤال تُبيح التخلُّف عن الجماعة؛ لتجنُّب أذى المسلمين؛ وقد صحَّ عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّه قال: «مَن سمع النِّداء فلم يأتِه، فلا صلاةَ له؛ إلاَّ من عُذر»، قالوا: يا رسول الله، وما العُذْر؟ قال: «خوف أو مرض»؛ رواه ابن ماجه.

وفي الصَّحيحيْن عن محمود بن الربيع الأنصاري: أنَّ عتْبان بن مالك كان يؤمُّ قومَه، وهو أعْمى، وأنَّه قال لرسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: يا رسول الله، إنَّها تكون الظُّلمة والسيل، وأنا رجل ضريرُ البصر، فصلِّ يا رسولَ الله، في بيتي مكانًا أتَّخذه مصلًّى، فجاءه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: «أين تُحبُّ أن أصلِّي؟» فأشار إلى مكانٍ من البيت، فصلى فيه رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم.

قال ابن قدامة في "المغني": "ويُعْذَر في ترْكِهِما - يعْني: الجُمُعة والجَماعة - المريضُ، في قول عامَّة أهل العلم؛ قال ابن المنْذِر: لا أعلم خلافًا بيْن أهل العلم أنَّ لِلمريض أن يتخلَّف عن الجَماعات من أجْل المرَض، وقد روى ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: «مَن سَمع النِّداء فلَم يَمنعْه من اتِّباعه عذر»، قالوا: وما العُذْر يا رسول الله؟ قال: «خوفٌ أو مرض - لَم تُقْبَل منه الصَّلاة الَّتي صلَّى»؛ رواه أبو داود، وقد كان بلالٌ يؤذنُ بالصَّلاة، ثُمَّ يأْتي النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو مريض، فيقول: «مُرُوا أبا بكْرٍ فلْيُصَلِّ بالنَّاس»". اهـ.

وقال النَّوويُّ في "المجموع": "قال أصحابُنا: ومن الأعْذار في ترْك الجماعة: أن يكون به مرض يشقُّ معه القصْد وإن كان يُمكن؛ لأنَّ عليه ضررًا في ذلك وحرجًا؛ وقد قال الله - تعالى -: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، فإن كان مرَض يَسيرٌ لا يشقُّ معه القصْد؛ كوجع ضرس، وصداعٍ يسير، وحمَّى خفيفة - فليْس بعذر، وضبطوه بأنْ تلحَقَه مشقَّة كمشقَّة المشْي في المطر". اهـ.

قال السيوطي في "الأشْباه والنظائر": "الأعْذار المرخِّصة في ترْك الجماعة نحو أربعين ... والباقية خاصَّة: المرض والخوف على نفس". اهـ.

وعليه؛ فلا حرج من الصَّلاة في بيتِك، إن كان هذا المرض يسبِّبُ لك حرجًا شديدًا،،

والله أعلم.