انتشار علماء عقيدة مخالفه فى بلاد المسلمين فهل هذا عذراً يمنع تكفير عوام ذلك البلد تكفير عين؟

عبد المحسن بن عبد الله الزامل

  • التصنيفات: العقيدة الإسلامية -
السؤال:

إذا انتشر في بلاد من بلاد المسلمين علماء على عقيدة مخالفة لعقيدة أهل السُّنة في التوحيد والاستغاثة ونحو ذلك، فهل يُعتبر هذا عذراً يمنع تكفيرعوام ذلك البلد تكفير عين .لقد انتشر شيخنا التكفير بصورة خطيرة بلا ضوابط! 

 

الإجابة:

هذه المسألة الكلام فيها طويل لأهل العلم وهي مسألة انتشار البدع وكذلك أيضاً الاستغاثة بغير الله وهو من الشِّرك الأكبر وهل يعذر من وقع في مثل هذا أو أنه يكون بذلك كافراً؟ هذه مسألة وقع فيها خلاف بين كلام أهل العلم.

وكلام أهل العلم يمكن تقسيمه إلى أقسام:

  • القسم الأول: من صرَّح بعدم تكفير عوام من وقع في مثل هذا ممن كانوا في الأصل على عقدِ الإسلام وعلى دين الإسلام، ثم طرأ ما طرأ بسبب تغرير بعضهم ببعض الناس ممن ينتسب لأهل العلم أو بعض الناس ممن ينتسب للعلم، وجهل الأمر وقلد أسلافه، ويعتقد أن هذا هو دين الله –سبحانه وتعالى– فمن العلم العذر بذلك، ومن أشهر من تكلم في هذه المسألة وكلامه منتشر في كتبه وهو أبو العباس.
  • القسم الثاني: وقابله آخرون فكفَّرُوا، وقالوا إنَّ من وقع في مثل هذا فإنه يكفر بذلك ولا يعُذر بمثل هذا وهذا شرك أكبر. وقالوا مثلما أجمع المسلمون على كفر اليهود والنصارى فلا فرق بين الكافرين فقد يكون شرك بعضهم أعظم.
  • القسم الثالث: ومن أهل العلم من كلامه محتمل ومختلف، لكن يرد كلامه المحتمل لا كلامه الواضح البيِّن، وهذا يوضح أن المسألة اجتهادية ولا ينبغي التشديد فيها، ولا ينبغي تغليب على اختيار قول من هذه الأقوال بناء على أدلة ظهرت له، واختيارات لبعض أهل العلم في المسألة.

وهذه المسألة كما تقدم جاءت الأدلة فيها ظاهرة من هنا ومن هنا، والحمد لله لا تقتضي خلافاً ولا نزاعاً خاصّة إذا كان الذي يتكلم بعدلٍ وإنصافٍ، وليس معنى قولك إنك تعتقد أنه هو الصواب أن تُسفَّه قول غيرك. وربما يبالغ بعضهم والعياذ بالله إلى التكفير مثلاً لمن خالف في بعض هذه المسائل؛ لأنه يعتقد في نفسه أمور هي في الحقيقة لم تخطر ببال الأئمة -رحمة الله عليهم- في مثل هذه المسائل كما تقدم.

وهذه المسألة وهو الوقوع في مثل هذه المكفرات والاستغاثة والدعاء لغير الله تعالى، ونذر النذور وما أشبه ذلك وسؤال المدد هو من هذا الجنس، ومن أعظم أسبابه الحقيقة هو تلبيس على كثير من الناس ونشأتهم على هذه العوايد مع اعتقادهم في قرارة أنفسهم أن هذا هو الدين، ولا تجد بعضهم ممن يجتهدون في العبادة والصلاة والحج اعتقاداً منهم بأن هذا واجب عليهم ولم ينعقد في نفسه أن هذا من الشِّرك والكفر كما تقدم.

ولهذا لا يكن الإنسان كافراً في الباطن إلا إذا كان مبغضاً لدين الإسلام هذا من حيث الأصل. أقصد من أهل الإسلام الذي يَكفر في الباطن هو الذي تقوم عليه الحجة.

أمَّا إنْ كان يجهل هذا الأمر، وقام عليه واستمر على هذا الأمر، ويعتقد أنه دين الله وأنه يتعبد لله -سبحانه وتعالى – فالله عز وجل يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] وقال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء:165] وقال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة:115] وقرر كثير من هذه الأدلة وما جاء في معناها أنه لابد من بلاغ الحجة ولا تبلغ الحجة إلا بفهمها حينما يفهمها.

إذاً المعتاد ليس معنى ذلك أنه على التفصيل، لا، إذا بلغت الحجة في هذه الحالة تقوم عليه حجة الله –سبحانه وتعالى– التي تقوم على أمثاله ولذا ذكر ابن عباس –رحمه الله– في هذا قواعد وذكر غيره من أهل العلم والمسألة في تكفير من وقع في مثل هذا وأن كثيراً ممن يقع في مثل هذه المكفرات هم لو تقرر في أنفسهم أنها من الشِّرك والكفر؛ لكانوا أبعد الناس عنها لكن لظنهم أنها من القربات والطاعات. فإنه ربما يصعب تخليص النفوس من هذه إلا من هدى نسأل الله الهداية -سبحانه وتعالى- وهناك أدلة أيضاً أخرى من السُّنة كما ثبت في الصحيحين وهو حديث جاء من طرق بعض العلماء فيما يغلب على ظني يجعله من التواتر لكثرة طرقه واختلاف مخارجه في الصحيحين، وهو ذلك الرجل الذي قال لأهله :”إِذَا أَنَا مِتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ ذَرُّونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ“ (1)،وفي لفظ :”ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَائِحًا فَذَرُونِي فِي الْيَمِّ“ (2) أي ذا ريح فيه ريح أمرهم يذروه في الريح حتى يتهرب، وهذا في الحقيقة أنكر أمرين مكفرين بإجماع المسلمين وهو قدرة الله –سبحانه وتعالى–، والبعث، كما تلا الله -سبحانه وتعالى- أن يخبر النَّبي –عليه الصلاة والسلام– عنه أنه يوم القيامة غفر الله له -سبحانه وتعالى-؛ لأنه فعل هذا لظنه واعتقاده ومن شدة خوفه.

أما ما تكلف بعض الشرَّاح من أن هذا الذي وقع منه وقع منه لشدة اختلال كلامه ولم ينتظم فرفع عنه التكليف فقال مثل هذا القول الذي يرفع القلم عن أمثاله هذا ليس بصحيح؛ لأن سياق الحديث ومن قوة ذكر النَّبي له -عليه الصلاة والسلام- لأنَّ هذا أمرٌ معلومٌ متقرر، لا يخفى أنه في حكم المجانين هل يمكن أن يُقال مثل هذا أنه ارتفع عنه قلم التكليف؛ لأنه صار مختلاً فهو ملحق بالمجانين؟

هذا لا يمكن هذا تكلم كلاماً عاقلاً متزناً حيث قال لأولاده كذا وكذا لا يمكن، لكن أحياناً يرجع الاختيار والميل إلى هذا القول إلى مثل هذه الأقاويل التي لا تقبل من صاحبها، وإن بلغ مهما بلغ وذلك أن التأويل والتفسير لا شك أنه يكون له وجه إذا كان ظاهراً، أو كان هناك تفسيرات محتملات فلا بأس أن نأخذ بأحدهم.

أما هذا الوجه وجهٌ فيه ضعف، وصرف بيّن للحديث وذكر العلماء شروطاً للتأويل ثم الحديث كما تقدَّم دليل على رحمة الله -سبحانه وتعالى- وحلمه بعبده والحديث الآخر عندما قال : ”اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ“ (3). هذا له وجه من جهة عموم الخطأ كما أن الخطأ باللسان كذلك أيضاً، ولكن مؤاخذ هو بكسب القلب وتعمُد القلب وهذا في الحقيقة أجراه المحققون من أهل العلم ليس خاصة في باب الاعتقاد والتوحيد بل في سائر أحكام الشريعة ولذا من لم يطرد هذه القاعدة يضطرب قوله، من قال: ”من لم يعذر بالجهل في هذا دون هذا“ فإنه يضطرب قوله ولا يطرد وذلك أن القول الصحيح الموافق للأدلة والقواعد يطرد في عموم المسائل وخصوصها سواء كانت المسائل عملية أو علمية في أمور العبادة والمعاملات في أمور التوحيد والعقيدة، المدار على العفو المتعلق بحُسن القصد وحُسن الإرادة.

وقد قال أبو العباس –رحمه الله– في بعض كلامه في الرد على البكري وربما ذكره في غيره أنه قال: أنتم معاشر الجهمية وذكر غيرهم أيضاً يعني عندما قالوا أقوال هي كُثر عند أهل العلم لا تكفرون عندي، وذلك قال كلام معناه أنه لضعف العلم أو لقلة العلم ولقلة الحجّة الرسالية يعني قلة أو ضعف ظهورها في بعض الأمكنة فلم يمكن الحكم بالتكفير أو تكفير خصوص هؤلاء ويقول وأنا لو اعتقدت ما تقولون وأخذت بما تقولون لكفرت، لماذا؟

لأني أعلم هذا القول وأعلم دلالته فلذا أهل العلم حينما يقولون من قال كذا وكذا كفر، لكن الشخص المعين كفر ومن الصحابة قصة قدامة بن مظعون حينما قال في الخمر ما قال في قصة ابن عمر –رضي الله عنه– في الآية {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة:93] وتأول على أن الذي يشربها مع الإيمان والإحسان فبيَّن عمر –رضي الله عنه– ثم قال: ”أَخْطَأْتَ التَّأْوِيلَ إِنَّكَ إِذَا اتَّقَيْتَ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ“ (5) ولم يكفره ولا الصحابة –رضي الله عنهم– وكانت المسألة كما تقدم لكن لعل فيما ذُكر كفاية .

___________________________________________________________

(1) البخاري (6481) ومسلم (2756).

(2) البخاري: (3292).

(3) صحيح مسلم (2747)، باب في الحض على التوبة والفرح بها، جزء 4، صفحة2104

(4) مصنف عبد الرزاق الصنعاني17076، جزء9، صفحة240 وابن أبي شيبة في مصنفه ج 9/  ص 240 حديث رقم: 17076 والبيهقي في الكبرى:ج8/ص315 ح17293.