مدة العزاء

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: شرح الأحاديث وبيان فقهها -
السؤال:

نحن في عاداتنا وعُرفنا إذا مات أحد الأقارب يُفْتَح باب العزاء في بيت الميت، ويستقبل النَّاس لمدَّة 3 أيام، أقرباء أهل الميت وجيرانهم يوفِّرون الطَّعام والشَّراب خلال الفترة السابقة.

هل للعزاء وقت محدَّد؟ إذا كان يوجد وقت، فما هو أقلُّه، وما هو أكثره؟ أم أنَّه فعل اليهود؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فلا خلافَ بين العُلماء في استِحباب التَّعزية لِمن أصابتْه مصيبة.

وقد ورد في ذلك بعض الأحاديث الضَّعيفة، مثل: «مَن عزَّى مصابًا فله مثلُ أجْرِه»، و«ما من مؤمن يعزِّي أخاه بمصيبةٍ إلاَّ كساه اللَّه من حُلَل الكرامة يوم القيامة»، ولأن فيها تسلية عن المصاب، وهو من الحقوق الإسلامية.

ولذلك قال صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «اصنعوا لأهل جعْفرٍ طعامًا، فإنَّه قد جاءهم ما يشغلهم»؛ رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وأمَّا مدَّة التَّعزية، فجمهور الفُقهاء على أنَّ مدَّة التَّعزية ثلاثة أيَّام.

واستدلُّوا لذلك بإذن الشَّارع في الإحداد في الثَّلاث فقط، بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «لا يحلُّ لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحدَّ على ميِّت فوق ثلاث، إلاَّ على زوج: أربعة أشهر وعشرًا»؛ متَّفق عليه، وكره بعض العلماء التَّعزية بعد ثلاثة الأيام، إلاَّ لغائب؛ لأنَّ المقصود من التَّعزية سكون قلب المصاب، والغالب سكونه بعد الثَّلاثة، فلا يجدَّد له الحزن بالتَّعزية.

وذهب بعض الفقهاء إلى عدم تَحديد مدَّة التعزية مطلقًا، نقل ذلك ابن مفلح في "الفروع" عن جماعة من الحنابلة، ونقله النَّووي وجهًا عند الشافعيَّة لأبي المعالي الجويني.

أمَّا أفضل وقت للتَّعزية، فهو بعد الدَّفن؛ لأنَّ أهل الميِّت قبل الدَّفن مشغولون بتجهيزه، ولأنَّ وحشتهم بعد دفنه لفراقه أكثر، فكان ذلك الوقت أوْلى بالتَّعزية.

قال النووي في "المجموع": (وأمَّا) وقت التَّعزية، فقال أصحابنا: هو من حين الموت إلى حين الدَّفن، وبعد الدَّفن إلى ثلاثة أيَّام، قال الشيخ أبو محمَّد الجويني: وهذه المدَّة للتَّقريب لا للتَّحديد، قال أصحابُنا: وتُكْرَه التَّعزية بعد الثَّلاثة؛ لأنَّ المقصود منها تسْكين قلب المصاب، والغالب سكونُه بعد الثَّلاثة، فلا يجدَّد له الحزن، هذا هو الصَّحيح المعروف، وبه قطع الجُمهور، قال المتولِّي وغيره: إلاَّ إذا كان أحدُهُما غائبًا فلم يحضر إلاَّ بعد الثَّلاثة، فإنَّه يعزِّيه". اهـ.

وأمَّا صنع الطَّعام لأهل الميِّت من بعض الأقارب أو الجيران، فلا بأْس به؛ بل هو سنة؛ للحديث السابق، لكن لا يكون بشكل يجتمع عليه الناس؛ كأنه وليمة أو دعوة عامة.

ويكره أن يصنع أهل الميِّت طعامًا للنَّاس؛ لأنَّ فيه زيادةً على مصيبتهم، وشغلاً على شغلهم، وتشبُّهًا بأهل الجاهليَّة؛ لخبر جرير بن عبداللَّه البجليِّ - رضِي الله عنْه -: "كنَّا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميِّت، وصنيعة الطَّعام بعد دفنه من النِّياحة".

وراجع للمزيد الفتوى: "حكم الاجتماع للعزاء وفتح مكبرات الصوت بالقرآن لذلك"،،

والله أعلم.