قصة التشهد

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: النهي عن البدع والمنكرات -
السؤال:

الإخوة في قسم الفتاوى بموقع الألوكة:
السَّلام عليْكم ورحْمة الله وبركاتُه،

جاءَتْني رسالة على البريد الإلكتروني تقول:

حوار التشهُّد:
يبدأ المشهد بسيِّدنا رسول الله وهو يَمشي في معيَّة سيِّدنا جبريل، في طريقِهِما لسدْرة المنتهى في رحلة المعراج.

وفي مكان ما، يقِف سيِّدنا جبريل - عليْه السَّلام - فيقول له سيِّدُنا محمَّد: أهُنا يترك الخليل خليله؟ قال سيِّدنا جبريل: لكلٍّ منَّا مقام معلوم؛ يا رسول الله، إذا أنت تقدَّمت اخترقت، وإذا أنا تقدَّمتُ احترقت.

وصار سيِّدنا جبريل كالحلس البالي من خشْية الله، فتقدَّم سيِّدنا محمَّد إلى سدْرة المنتهى، واقترب منْها.

ثمَّ قال سيِّدنا رسول الله: التَّحيَّات لله والصَّلوات الطيِّبات.

ردَّ عليه ربُّ العزَّة: السَّلام عليْك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته.

قال سيِّدنا رسول الله: السَّلام عليْنا وعلى عباد الله الصَّالحين.

فقال سيِّدنا جبريل - وقيل: الملائكة المقرَّبون -: أشهد أن لا إلَهَ إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله.

وبصراحةٍ أحسُّ أنَّها غريبة، وأُريد التأكُّد من صحَّتها.

جزاكم الله عنَّا وعن المسلمين خيرًا.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإنَّ ما يسمَّى بحوار التشهُّد أو قصَّة التشهُّد لا أصل له في الشَّريعة، صحيح ولا موضوع، فأحاديث الإسراء والمعراج كثيرةٌ مشْهورة معْلومة عند أهل العلم، رواها أصحابُ الصحيحَين والسُّنن والمسانيد، وليس فيها شيءٌ من هذا.

وممَّا يبيِّن كذب تلك القصَّة: أنَّ أحاديث التشهد في الصلاة لها سبب معروف عند أهل العلم؛ ففي "الصحيحين" وغيرهما: كنَّا إذا كنَّا مع النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في صلاة قُلْنا: السلام على الله مِن عباده، السَّلام على فلان وفلان، فقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «لا تقولوا السَّلام على الله؛ فإنَّ الله هو السَّلام، ولكن قولوا: التَّحيَّات لله والصَّلوات والطَّيبات، السَّلام عليْك أيُّها النَّبيُّ ورحْمة الله وبركاتُه، السَّلام عليْنا وعلى عباد الله الصَّالحين، فإنَّكم إذا قلتم أصابَ كل عبد في السَّماء أو بين السَّماء والأرض، أشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله، ثمَّ يتخيَّر من الدُّعاء أعجبَه إليْه فيدعوه».

سُئل علماء اللجنة الدائمة: هل التشهُّد الَّذي نقرؤه في الصَّلاة هو الَّذي قاله رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو ساجد عند سدرة المنتهى في المعراج؟

فأجابوا: "عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: علَّمني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - التشهُّد كفِّي بين كفَّيه، كما يعلِّمُني السورة من القرآن: «التحيَّات لله والصَّلوات والطيِّبات، السَّلام عليْك أيُّها النَّبيُّ ورحمة الله وبركاتُه، السَّلام عليْنا وعلى عباد الله الصَّالحين، أشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله»؛ رواه الجماعة.

وفي لفظ أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: «إذا قعَدَ أحدُكم في الصَّلاة فليقُل: التحيَّات لله ...»، وذكره.

وفيه عند قوله: "وعلى عباد الله الصَّالحين": «فإنَّكم إذا فعلتم ذلك فقد سلَّمتم على كلِّ عبد لله صالحٍ في السَّماء والأرْض»، وفي آخره: «ثمَّ يتخيَّر من المسألة ما شاء»؛ متَّفق عليه.

ولأحمد من حديث أبي عُبيدة عن أبيه عبدالله بن مسعود - رضي الله عنْه - قال: علَّمه رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – التشهُّد، وأمره أن يعلِّمَه النَّاس: «التَّحيَّات لله ...»، وذكره.

قال التِّرْمذي: حديث ابنِ مسعود أصحُّ حديثٍ في التشهُّد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصَّحابة والتَّابعين، وقال أبو بكر البزَّار: "هو أصحُّ حديث في التشهُّد، قال: وقد رُوي من نيِّف وعشرين طريقًا، وممَّن جزم بذلك: البغوي في "شرح السنَّة". اهـ.

وبهذا تعلم أنَّ هذه الصِّفة هي أصحُّ ما ثبت عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأمَّا كونه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أتى بالتشهُّد وهو ساجد عند سدرة المنتهى ليلة المعراج، فلا نعْلم له وللسجود في ذلك المكان ليلةَ المعراج أصلاً". اهـ.

الشيخ عبدالعزيز بن باز ، الشيخ عبدالرزَّاق عفيفي ، الشيخ عبدالله بن غديان ، الشيخ عبدالله بن قعود. "فتاوى اللجنة الدائمة" (7 /6، 7).

هذا؛ ويحرم على المسلم نشْر مثل هذه الرَّسائل؛ إلاَّ على سبيل التَّحذير والبيان لكذبِها، كما يَجب على المسلمين عدم نشْر ما لم يتثبَّتوا من صحَّته، فإنَّ الكثير ممَّا يتداوَل عبر المنتديات أو الرَّسائل الإلكترونيَّة يعجُّ بالبدَع والمخالفات العقديَّة؛ وقد روى مسلمٌ عن أَبي هُرَيْرة قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «كفَى بالمرْء كذِبًا أن يُحدِّث بكلِّ ما سمِع».

وروي عن عُمر بن الخطَّاب وابن مسعود - رضِي الله تعالى عنهما - قالا: "بحسب المرء من الكذِب أن يحدِّث بكل ما سمع".

قال القرطبي في "المفهم": "ومعنى الحديث: أنَّ مَن حدَّث بكل ما سمع، حصل له الحظُّ الكافي من الكذب؛ فإن الإنسان يسمع الغثَّ والسَّمين، والصَّحيح والسَّقيم، فإذا حدَّث بكلِّ ذلك، حدَّث بالسَّقيم وبالكذِب، ثمَّ تحمل عنه، فيكذب في نفسه، أو يكذب بسببه.

ولهذا؛ أشار مالك - رحِمه الله - بقوله: ليس يسلم رجُل حدَّث بكل ما سمِع، ولا يكون إمامًا أبدًا؛ أي: إذا وجد الكذِب في روايته، لم يوثق بحديثه"،،

والله أعلم.