العود للذنب بعد التوبة، والأسباب المانعة من الوقوع في المعصية

خالد عبد المنعم الرفاعي

  • التصنيفات: التوبة - تزكية النفس -
السؤال:

أنا فتاة حسَنة الخُلُق أمام الناس، وسيئةٌ أمام نفسي وأمام ربِّي، ارتكبتُ كلَّ الذنوب التي يُمكن أن تتخيلها؛ لكن مع نفسي، وفي معزل عن الناس، وفوق كل ذلك آمُر بالمعروف، وأنْهى عن المنكر!

 حاولتُ التوبة ولكن لَم أستطعْ، أجد نفسي أعود للذنب بإرادتي، حتى إنني لَم أعدْ أجد في قلبي الحرَج، ولَم يَعُدْ يُجْدي الندَم، أحيانًا أُعاقب نفسي، وأحيانًا أخرى لا أكمل العقاب.

 أريد أن أتوب، فماذا أفعل؟ بل ماذا أفعل كي أنفذَ ما ستشير به عليَّ؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فاعلمي أن المسلم قد يقع في بعض المعاصي لقهْر الهوى، أو لغلَبَة الشيطان، ولكن الواجب عليه أن يقاومَ ذلك، ويُجاهدَ نفسه قدْر استطاعته، ولا يجعل نفسه فريسةً للأهْواء والشهوات، وقد بين شيخُ الإسلام ابن تيميَّة في "مجْموع الفتاوى" أسباب عودة العبد للذنب فقال:

"فالتوبة النَّصوح هي الخالصة من كلِّ غش، وإذا كانت كذلك كائنة، فإنَّ العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا في نفسه، فمَن خرج مِن قلبه الشبهة والشهوة، لَم يعدْ إلى الذنب، فهذه التوبة النصوح، وهي واجبة بما أمر الله تعالى؛ ولو تاب العبد ثُم عاد إلى الذنب، قَبِل الله توبته الأولى، ثُمَّ إذا عاد استحق العقوبة، فإن تاب تابَ الله عليه أيضًا.

 ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يُصرَّ؛ بل يتوب ولو عاد في اليوم مائة مرة؛ فقد روى الإمام أحمد في مسنده، عن علي، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله يُحب العبد المفتن التواب»، وفي حديث آخر: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار»، وفي حديث آخر: «ما أصر مَن استغفر، ولو عاد في اليوم مائة مرة».

 وقال: المراد الاستغفار بالقلب مع اللسان، فإنَّ التائب من الذنب كمَن لا ذنب له؛ كما في الحديث الآخر: «لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار»، "فإذا أصر على الصغيرة صارتْ كبيرة، وإذا تاب منها غفرت؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135]، وإذا تاب توبة صحيحة غفرتْ ذنوبه، فإنْ عاد إلى الذنب، فعلَيْه أن يتوبَ أيضًا، وإذا تاب قبِل الله توبته أيضًا".

ووُقُوع الإنسان في المُنكر لا يسقط عنه وجوب الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر؛ لأن تقصيره في أحد الواجبين لا يُبيح له التقصير فيهما معًا.

قال المناوي في "فَيْض القدير":

"لأنه يجب ترْك المنكر وإنكاره، فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر، ولهذا قيل للحسن: فلان لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، قال: وأينا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان لو ظفر بهذا، فلم يأمر أحدٌ بمعروف، ولم ينْه عنْ منكر، ولو توقَّف الأمرُ والنهي على الاجتناب، لرُفع الأمر بالمعروف، وتعَطَّل النَّهي عن المنكر، وانسَدَّ باب النصيحة التي حثَّ الشارعُ عليها، سيما في هذا الزمان الذي صار فيه التلبُّس بالمعاصي شعار الأنام، ودثار الخاص والعام".

 وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "لطائف المعارف":

لما حاسب المتقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتذكير؛ قال رجلٌ لابن عباس: أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، فقال له ابن عباس: إن لَم تخشَ أن تفضحكَ هذه الآيات الثلاث فافعل، وإلا فابدأ بنفسك، ثم تلا: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]، وقوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2، 3]، وقوله تعالى حكاية عن شعيب - عليه السلام -: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} [هود: 88].

 قال النخَعي: كانوا يكرهون القصص لهذه الآيات الثلاث.

 قيل لمطرف: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل.

 تقدم بعض التابعين ليصلي بالناس إمامًا، فالتفت إلى المأمومين يعدل الصفوف، وقال: استووا، فغشي عليه، فسُئل عن سبب ذلك فقال: لَمَّا قلت لهم: استقيموا، فكرت في نفسي فقلت لها: فأنت، هل استقمتِ مع الله طرفة عين؟

 مَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّوَا يَسْتَعْمِلُهْ

وَلا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقَى ذُو تُقى

وَصَفْتُ التُّقَى حَتَّى كَأَنِّيَ ذُو تُقَى

وَرِيحُ الخَطَايَا مِنْ ثِيَابِيَ تَعْبَقُ

ومع هذا كله، فلا بد للإنسان منَ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لَم يعظ إلا معصومٌ من الزلل، لَم يعظ الناسَ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدٌ؛ لأنَّه لا عصمة لأحد بعده.

لَئِنْ لَمْ يَعِظِ العَاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِبٌ

فَمَنْ يَعِظِ العَاصِينَ بَعْدَ مُحَمَّدِ؟

وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مروا بالمعروف، وإن لم تعملُوا به كله، وانهوا عن المنكر، وإن لَم تَتَنَاهوا عنه كله».

 وقيل للحسن: إنَّ فلانًا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل، فقال الحسن: وأيُّنا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه ظفر بهذا، فلمْ يأمُر أحدٌ بمعروف، وَلَم يَنْه عنْ منكر.

 وقال مالك عن ربيعة: قال سعيد بن جُبَيْر: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أَمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهَى عنْ مُنكر، قال مالك: وصدق، ومَنْ ذا الذي ليس فيه شيء؟!

 مَنْ ذَا الَّذِي مَا سَاءَ قَطّْ

وَمَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ

خطب عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - يومًا فقال في موعظته: إنِّي لأقول هذه المقالة، وما أعلم عند أحدٍ من الذنوب أكثر مِما أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه.

 وكَتَبَ إلى بعْض نُوَّابه على بعض الأمصار كتابًا يعظه فيه، وقال في آخره: وإنِّي لأعظك بهذا، وإنِّي لَكثير الإسراف على نفْسي، غير محكمٍ لكثير من أمري، ولو أنَّ المرءَ لا يعظ أخاه حتى يُحكم نفسه، إذًا لتواكَلَ الناسُ الخيرَ، وإذًا لرُفِعَ الأمرُ بالمعروف والنهْيُ عن المنكر، وإذًا لاسْتُحِلَّت المحارم، وقَلَّ الواعِظُون والساعون لله بالنصيحة في الأرض، والشيطان وأعوانه يودُّون ألاَّ يأمُرَ أحدٌ بمعروفٍ، ولا ينْهَى عَنْ مُنْكر.

 وقد جَمَع الإمامُ ابن القيم - رحمه الله - الأسباب التي تمنع منَ الوقوع في المعاصي، وتجعل المسلم يصبِر عليها؛ فقال:

أحدها: علم العبد بقُبحها ورذالتها ودناءتها:

وأن الله إنما حَرَّمها ونهى عنها صيانة وحماية عن الدنايا والرذائل، كما يحمي الوالدُ الشفيق ولدَه عما يضرُّه، وهذا السبب يحمل العاقل على تركها، ولو لَم يعلق عليها وعيد بالعذاب.

 السبب الثاني: الحياء من الله – سبحانه -:

فإنَّ العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع، وكان حييًّا - استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه.

السبب الثالث: مراعاة نعَمه عليك، وإحسانه إليك:

فإنَّ الذُّنوب تزيل النِّعَم، ولا بُدَّ، فما أذْنَبَ عبْدٌ ذنبًا إلا زالتْ عنه نعمة مِنَ الله بحسب ذلك الذنب، فإنْ تاب ورجع، رجعتْ إليه أو مثلها، وإنْ أصَرَّ لَم ترجع إليه، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة، حتى تسلبَ النِّعَم كلّها؛ قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، وأعظم النِّعم الإيمان، وذنب الزنا والسرقة وشرب الخمر وانتهاب النهبة يزيلها ويسلبها، وقال بعض السلَف: أذنبتُ ذنبًا، فحُرمتُ قيام الليل سنة. 

وقال آخر: أذنبتُ ذنبًا فحرمتُ فَهم القرآن.

 وفي مثل هذا قيل:

 إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا

فَإِنَّ المَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ

وبالجملة، فإنَّ المعاصي نار النِّعَم، تأكلها كما تأكل النار الحطب - عياذًا بالله من زوال نعمته، وتحويل عافيته.

 السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه:

وهذا إنما يثبت بتصْديقه في وعده ووعيده، والإيمان به وبكتابه وبرسوله، وهذا السبب يقْوى بالعلم واليقين، ويضعف بضعفهما؛ قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وقال بعضُ السلفِ: كفى بخشية الله علمًا، والاغترار بالله جهْلاً.

 السبب الخامس: محبة الله:

وهي من أقوى الأسباب في الصَّبْر عَنْ مُخالفَتِه ومَعاصِيه، فإنَّ المُحبَّ لِمن يحب مطيع، وكلَّما قوِي سلطان المحبَّة في القلب، كان اقتضاؤُه للطاعة وترك المخالفة أقوى، وإنما تصدر المعصية والمخالَفة مِنْ ضَعْف المحبة وسلطانها، وفرق بين من يحمله على ترك معصية سيده خوفه من سوطه وعقوبته، وبين من يحمله على ذلك حبُّه لسيده، وفي هذا قال عمر: نِعْم العبد صهيب، لو لَم يَخَف الله لَم يعْصه؛ يعني: أنه لو لَم يخف من الله، لكان في قلبه من محبة الله وإجلاله ما يمنعه من معصيته.

 فالمحبُّ الصادقُ عليه رقيبٌ مِنْ مَحْبوبه، يرعى قلبه وجوارحه، وعلامة صدق المحبة شهود هذا الرقيب ودوامه.

 وها هنا لطيفة يجب التنبه لها، وهي: أن المحبة المجردة لا توجب هذا الأثر ما لَم تقترنْ بإجلال المحبوب وتعظيمه، فإذا قارنها بالإجلال والتعظيم، أوجبتْ هذا الحياء والطاعة، وإلاَّ فالمحبةُ الخالية عنهما إنما توجب نوع أنس وانبساط، وتذكُّر واشتياق، ولهذا يتخلف عنها أثرها وموجبها، ويفتش العبد قلبه فيرى نوع محبة لله، ولكن لا تحمله على ترك معاصيه.

وسبب ذلك: تجردها عن الإجلال والتعظيم، فما عمَّر القلبَ شيءٌ؛ كالمحبة المقترنة بإجلال الله وتعظيمه، وتلك من أفضل مواهب الله لعبده أو أفضلها، وذلك فضْلُ الله يؤتيه من يشاء.

 السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها:

وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطّها، وتضع من قدرها، وتخفض منزلتها وتحقرها، وتسوي بينها وبين السفلة.

السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية:

وقبْحِ أثرها، والضرر الناشئ منها؛ من سواد الوجه، وظلمةِ القلب، وضيقه وغمِّه، وحزنه وألمه، وانحصاره وشدة قلقه، واضطرابه وتمزُّق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوِّه، وتعرِّيه من زينته، والحيرة في أمره، وتخلي وليِّه وناصره عنه، وتولِّي عدوِّه المبين له، وتواري العلم الذي كان مستعدًّا له عنه، ونسيان ما كان حاصلاً له أو ضعفه ولا بد، ومرضه الذي إذا استحكم به، فهو الموت ولا بد؛ فإن الذنوب تميت القلوبَ.

ومنها: ذلُّه بعد عزِّه.

ومنها: أنه يصير أسيرًا في يد أعدائه، بعد أن كان ملكًا متصرفًا يخافه أعداؤه.

ومنها: أنه يضعف تأثيره، فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج؛ فلا رعيته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ في غيرهم.

ومنها: زوال أمنه وتبدله به مخافة، فأخوفُ الناس أشدُّهم إساءة.

ومنها: زوال الأنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءةً ازداد وحشة.

ومنها: زوال الرضا واستبداله بالسخط.

ومنها: زوال الطمأنينة بالله، والسكون إليه، والإيواء عنده، واستبداله بالطرد والبعد منه.

ومنها: وقوعه في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة، كلما نال لذَّة نازعتْه نفسُه إلى نظيرها، إن لم يقض منها وطرًا، أو إلى غيرها إن قضى وطره منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتدَّ نزوعه وعرَف عجزه، اشتدتْ حسرتُه وحزنه، فيا لها نارًا قد عذّب بها القلب في هذه الدار، قبل نار الله الموقدة، التي تطَّلع على الأفئدة!

ومنها: فقره بعد غناه، فإنه كان غنيًّا بما معه من رأس مال الإيمان، وهو يتَّجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأس ماله، أصبح فقيرًا معدمًا، فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح، والجد والتشمير، وإلا فقد فاته ربحٌ كثير بما أضاعه من رأس ماله.

ومنها: نقصان رزقه؛ فإن العبد يُحرَم الرزقَ بالذنب يصيبه.

ومنها: ضعف بدنه.

ومنها: زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة، فتبدل بها مهانة وحقارة.

ومنها: حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس.

ومنها: ضياع أعزِّ الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها، وهو الوقت الذي لا عوض منه، ولا يعود إليه أبدًا.

ومنها: طمع عدوِّه فيه، وظفره به؛ فإنه إذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأمره، اشتدَّ طمعُه وحدَّث نفسَه بالظفر به، وجعله من حزبه؛ حتى يصير هو وليَّه دون مولاه الحق.

ومنها: الطبع والرين على قلبه؛ فإن العبد إذا أذنب نُكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى، ولا تزال حتى تعلو قلبَه، فذلك هو الران؛ قال الله - تعالى -: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].

 ومنها: أنه يُحرَم حلاوةَ الطاعة، فإذا فعلها لم يجدْ أثرَها في قلبه من الحلاوة والقوة، ومزيد الإيمان والعقل، والرغبة في الآخرة؛ فإن الطاعة تثمر هذه الثمراتِ ولا بد.

 ومنها: أن تمنع قلبَه من ترحُّله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة؛ فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيعًا حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة، فإذا نزل فيها أقبلتْ إليه وفودُ التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه، وقضاء جهازه، وتعبئة زاده ليوم معاده، وما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها، فالتعب والعناء، والتشتت والكسل والبطالة لازمةٌ له لا محالة.

 ومنها: إعراض الله وملائكته وعباده عنه؛ فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه، أعرض الله عنه، فأعرضتْ عنه ملائكتُه وعبادُه، كما أنه إذا أقبل على الله، أقبل الله عليه، وأقبل بقلوب خلقه إليه.

 ومنها: أن الذنب يستدعي ذنبًا آخرَ، ثم يقوَى أحدُهما بالآخر، فيستدعيان ثالثًا، ثم تجتمع الثلاثة، فتستدعي رابعًا، وهلم جرًّا، حتى تغمره ذنوبُه، وتحيط به خطيئتُه، قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنةِ الحسنةَ بعدها، ومن عقوبة السيئة السيئةَ بعدها.

 ومنها: علمه بفوات ما هو أحب إليه وخيرٌ له منها من جنسها وغير جنسها؛ فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرَّمات في الدنيا ولذةِ ما في الآخرة؛ كما قال - تعالى -: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20]، فالمؤمن لا يُذهِب طيباتِه في الدنيا؛ بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة، وأما الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة، فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا.

ومنها: علمه بأن أعماله هي زادُه ووسيلته إلى دار إقامته، فإن تزوَّد من معصية الله، أوصله ذلك الزادُ إلى دار العصاة والجناة، وإن تزود من طاعته، وصل إلى دار أهل طاعته وولايته.

 ومنها: علمه بأن عمله هو وليُّه في قبره، وأنيسه فيه، وشفيعه عند ربِّه، والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.

ومنها: علمه بأن أعمال البرِّ تنهض بالعبد، وتقوم به، وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلُّقه بها، يكون صعودُه مع صعودها، وأعمال الفجور تهوي به، وتجذبه إلى الهاوية، وتجرُّه إلى أسفل سافلين، بحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها، ونزوله إلى حيث يستقر به؛ قال الله - تعالى -: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}[فاطر: 10]، وقال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} [الأعراف: 40]، فلما لم تُفتح أبواب السماء لأعمالهم؛ بل أغلقتْ عنها، لم تُفتح لأرواحهم عند المفارقة؛ بل أغلقتْ عنها، وأهلُ الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبوابُ السماء مفتوحةً لأعمالهم، حتى وصلت إلى الله - سبحانه - فُتحتْ لأرواحهم حتى وصلت إليه - تعالى - وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليِّين.

 ومنها: خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على مَن دَخَلَه، فيخرج بمعصيته منه إلى حيث يصير نهبًا للصوص وقطَّاع الطريق، فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفةٌ، إلى خربةٍ موحشة هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق، فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟!

 ومنها: أنه بالمعصية قد تعرَّض لمحْق بركته.

 وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثرُ من أن يحيط بها العبدُ علمًا، وآثارُ الطاعة الحسنة أكثرُ من أن يحيط بها علمًا، فخيرُ الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته، وفي بعض الآثار يقول الله - سبحانه وتعالى -: "من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي، ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي؟!".

 السبب الثامن: قصر الأمل:

وعلمُه بسرعة انتقاله، وأنه كمسافر دخل قريةً وهو مزمع على الخروج منها، أو كراكبٍ قال في ظل شجرة ثم سار وتركها، فهو لعلمه بقلة مقامه وسرعة انتقاله حريصٌ على ترك ما يُثقِله حملُه ويضرُّه ولا ينفعه، حريص على الانتقال بخيرِ ما بحضرته، فليس للعبد أنفعُ من قصر الأمل، ولا أضر من التسويف وطول الأمل.

 السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه، وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس:

فإن قوة الداعي إلى المعاصي إنما تنشأ من هذه الفضلات؛ فإنها تطلب لها مصرفًا، فيضيق عليها المباح، فتتعدَّاه إلى الحرام، ومن أعظم الأشياء ضررًا على العبد بطالتُه وفراغه، فإن النفس لا تقعد فارغة؛ بل إن لم يشغلها بما ينفعها شغلتْه بما يضره ولا بد.

 السبب العاشر - وهو الجامع لهذه الأسباب كلها:

ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبرُ العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه، فكلما كان إيمانُه أقوى كان صبره أتمَّ، وإذا ضعُف الإيمان ضعف الصبر؛ فإن من باشر قلبَه الإيمانُ بقيام الله عليه، ورؤيته له، وتحريمه لما حرَّم عليه، وبغضه له، ومقته لفاعله، وباشر قلبَه الإيمانُ بالثواب والعقاب، والجنة والنار - امتنع من أن لا يعمل بموجب هذا العلم، ومن ظنَّ أنه يقوَى على ترك المخالفات والمعاصي بدون الإيمان الراسخ الثابت، فقد غلط.

 فإذا قَوِيَ سراجُ الإيمان في القلب، وأضاءتْ جهاتُه كلُّها به، وأشرق نورُه في أرجائه - سرى ذلك النورُ إلى الأعضاء، وانبعث إليها، فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان، وانقادت له طائعةً مذللة، غير متثاقلة ولا كارهة؛ بل تفرح بدعوته حين يدْعوها، كما يفرح الرجل بدعوة حبيبه المحسن إليه إلى محل كرامته، فهو كل وقت يترقَّب داعيَه، ويتأهب لموافاته، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. اهـ من "طريق الهجرتين".

وراجعي الفتاوى:  "الهداية"، و"التوبة التي يرضاها الله"، و"باللهِ عليْكَ يا شيخ كُن سببًا إن شاء الله في إنقاذ شابٍّ ملتحٍ من النَّار"، و"أريد أن أتوب"، والاستشارتين: "ماذا أفعل مع نفسي؟"،،

والله أعلم.