قلت لزوجتي اذا فعلتي كذا تبقي طالق

خالد عبد المنعم الرفاعي

قلت لزوجتي اذا فعلتي كذا تبقي طالق وبالفعل فعلت هذا الامر هل يقع الطلاق وكيفية الرد؟

  • التصنيفات: فقه الزواج والطلاق - الأيمان والنذور -
السؤال:

قلت لزوجتي اذا فعلتي كذا تبقي طالق وبالفعل فعلت هذا الامر هل يقع الطلاق وكيفية الرد؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فإذا عَلَّق الزَّوج طلاقَ زوجتِه على شيءٍ معدوم عند التعليق، ولكنه على خطر الوجود في المستقْبَل، كقوله: "إن فعلتِ الشيء الفلاني فأنتِ طالق"- فإن الطَّلاق يقع بتحقق الشرْطِ، إن كان الزَّوج يقصد وقوعِ الطلاق، وهو قول عامَّة العُلماء؛ حكاه أبو محمَّد بن حزْم في "مراتب الإجماع وأقرَّه عليْه شيخ الإسلام ابن تيمية.

أمَّا إن كان الزوج لا يقصِد إيقاع الطلاق، وإنَّما يُريد منْعِ زوجتِه من الفعل، أو الذَّهاب، أو تَهديدَها وزجرَها وتَخويفَها بالطَّلاق، فالراجح من قولي أهل العلم أنَّ لا الطلاق لا يقع، وإنَّما هي يمين مكفرة، فيجب عليه كفَّارة يَمين إن وقع الشَّرط؛ لأنَّ اللفظ وإن تعلق بالطلاق إلا أنَّ المعنى والقصد هو اليمين؛ فقصْد الطَّلاق مفقود، بل هو كارهٌ لطلاق زوجته، واللفظ ليس نصًّا ولا ظاهرًا في الطلاق، فأشبه نذر اللَجاج أو يمين الغضب، وأشبه الحَلِف بالنذر والعتق، الذي يخيَّر الحالف والناذر فيه -إن كان قربى- بين الوفاء أو كفارة اليمين، وأشبه نذر الطلاق الذي لا يشرع الوفاء به؛ وهو قول شيخُ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وهو قول طاوس و طائفة من السلف والخلف وكثير من المالكية.

وهبَ الجُمهور من الأئمة الأربعة إلى أنَّ الطلاق  يقع مطلقًا بوقوع شرْطِه؛ لأنَّ الصيغة نصٌّ في تعليق الطلاق على أمرٍ، وقد وقع الأمر المعلَّق عليْه.

ثمَّ أجاب - رحمه الله - على حجَّة الجمهور في إيقاع الطلاق المعلق واليمين بالطلاق : "أنَّ الحالف أو المعلق قد التزم الطَّلاق عند الشَّرط أو الحنث فيلزمه"، فقال كما في "مجموع الفتاوى" (33/ 56-57) فقال:

"فهذا باطل من أوجُه:

أحدها: أنَّ الحالف بالكفر والإسلام؛ كقوله: "إن فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني"، وقول الذمِّي: "إن فعلت كذا فأنا مسلم" - هو التزام للكُفر والإسلام عند الشَّرط، ولا يلزمه ذلك بالاتِّفاق؛ لأنه لم يقصِد وقوعه عند الشرط، بل قصد الحلِف به، وهذا المعنى موجود في سائر أنواع الحلِف بصيغة التعليق.

الثَّاني: أنَّه إذا قال: "إن فعلتُ كذا فعليَّ أن أطلِّق امرأتي"، لم يلزمْه أن يطلِّقها – بالاتِّفاق - إذا فعله.

الثالث: أنَّ الملتزم لأمر عند الشَّرط إنَّما يلزمه بشرطَين:

أحدهما: أن يكون الملتزَم قُرْبة.

والثاني: أن يكون قصده التقرُّب إلى الله به، لا الحلِف به، فلوِ التزَم ما ليس بقُرْبة؛ كالتَّطْليق، والبيْع، والإجارة، والأكل، والشُّرْب - لم يلزمْه، ولو التزم قُرْبة؛ كالصَّلاة، والصيام، والحج، على وجه الحلف بها - لم يلزمْه، بل تُجزئه كفَّارة يمين عند الصَّحابة وجمهور السَّلف، وهو مذهب الشَّافعي وأحمد، وآخِر الرِّوايتين عن أبي حنيفة، وقول المحقِّقين من أصحاب مالك.

وهنا الحالف بالطَّلاق هو التزم وقوعه على وجه اليمين، وهو يكره وقوعه إذا وجد الشَّرط، كما يكره وقوع الكفْر إذا حلف به، وكما يكره وجوب تلك العبادات إذا حلَف بها". اهـ.

وقال أيضًا (ج33 / ص60):

"فالأصل في هذا أن يُنظَر إلى مراد المتكلِّم ومقصوده، فإن كان غرضُه أن تقع هذه الأمورُ، وقعتْ منجَّزةً أو معلَّقة، إذا قصد وقوعها عند وقوع الشَّرط، وإن كان مقصوده أن يحلف بها، وهو يكْرَه وقوعَها إذا حنث، وإن وقع الشَّرط - فهذا حالف بها، لا مُوقع لها، فيكون قوله من باب "اليمين"، لا من باب "التطليق والنذر"، فالحالِف هو الَّذي يلتزم ما يكره وقوعه عند المخالفة، كقولِه: "إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني، ونسائي طوالق، وعبيدي أحرار، وعليَّ المشْي إلى بيت الله"؛ فهذا ونَحوه يمينٌ، بخلاف مَن يقصد وقوع الجزاء من ناذرٍ ومطلِّق ومعلِّق، فإنَّ ذلك يقصد ويختار لزوم ما التزمه، وكلاهما ملتزم، لكنَّ هذا الحالف يكره وقوعَ اللازم وإن وُجد الشَّرط الملزوم، كما إذا قال: "إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني"، فإنَّ هذا يكره الكُفْر ولو وقع الشَّرط؛ فهذا حالف.

والمُوقع يقصد وقوع الجزاء اللازم عند وقوع الشَّرط الملزوم، سواء كان الشَّرط مرادًا له، أو مكروهًا، أو غير مرادٍ له، فهذا مُوقع ليس بحالف، وكلاهما ملتزم معلِّق، لكن هذا الحالف يكره وقوع اللازم، والفرْق بين هذا وهذا ثابتٌ عن أصْحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكابر التَّابعين، وعليه دلَّ الكتاب والسنَّة، وهو مذهب جُمهور العُلماء - كالشَّافعي وأحمد وغيرهما - في تعليق النذر، قالوا: إذا كان مقصوده النذر، فقال: "لئن شفى الله مريضي، فعليَّ الحجّ" - فهو ناذر: إذا شفى الله مريضَه لزمه الحجُّ؛ فهذا حالف تُجزئه كفارةُ يمين، ولا حجَّ عليه، وكذلك قال أصحاب رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - مثل: ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأم سلمة، وزينب ربيبة النبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وغير واحد من الصحابة في من قال: "إن فعلتُ كذا، فكل مَملوك لي حر"، قالوا: يكفِّر عن يَمينه، ولا يلزمه العتق، هذا مع أنَّ العتق طاعة وقربة؛ فالطلاق لا يلزمه بطريقِ الأوْلى، كما قال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما -: "الطلاق عن وطر، والعِتْق ما ابتُغي به وجه الله"؛ ذكره البخاري في صحيحه.

بيَّن ابن عباس: أنَّ الطلاق إنَّما يقع بمن غرضُه أن يوقعه، لا لِمن يكره وقوعه، كالحالف به، والمكرَه عليه.

وعن عائشة أنَّها قالت: كلُّ يَمين وإن عظمتْ فكفَّارتُها كفَّارة اليمين بالله.

وهذا يتناول جَميع الأيمان: من الحلِف بالطَّلاق، والعَتاق، والنَّذر، وغير ذلك، والقول بأنَّ "الحالف بالطَّلاق لا يلزمه الطَّلاقُ" مذهبُ خلقٍ كثيرٍ من السَّلف والخلف؛ لكن فيهم مَن لا يُلزمه الكفَّارة؛ كداود وأصحابِه، ومنهم مَن يلزمه كفَّارة يمين؛ كطاوس وغيرِه من السَّلف والخلف.

وليس في حكم الله ورسوله إلاَّ يَمينان: يمين من أيْمان المسلمين، ففيها الكفَّارة، أو يَمين ليستْ من أيْمان المسلمين، فهذه لا شيء فيها إذا حنث، فهذه الأيمان إن كانت من أيمان المسلمين، ففيها كفَّارة، وإن لم تكن من أيْمان المسلمين، لم يلزم بها شيء، فأمَّا إثبات يمين يَلْزم الحالف بها ما التزمه، ولا تُجْزِئه فيها كفَّارة - فهذا ليْس في دين المسلِمين؛ بلْ هو مُخالف للكتاب والسنَّة". اهـ. موضع الغرض منه.

وعليه فإن كنت تريد منع زوجتك من الفعل، ولا ترغب في طلاقها، فلا يقع الطلاق، وتجب عليك كفارة يمين، وإن كنت تقصد وقوع الطلاق عند تحقق شرطه، فإن الطلاق يقع، وحينئذ إن كانت هذه الطلقة الأولى أو الثانيةة، فلك أن تراجعها بقولك لها قد راجعتك، وأشهد شاهدين من العدول على رجعتها،، والله أعلم.