حكم التورية في اليمين

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم لقد تم منحني قطعة ارض استثناءا من وزير التخطيط استجابة لي طلبي الذي تقدمت به بانني لم يتم تمليكي قطعة من الحكومة وعند الاجراءات تم تحليفي علي المصحف انني لم اعطي قطعة ارض من قبل ولكن والدتي منحت قطعة من قبل 13 عام ولم تستلمها الي الان لكنها محفوظة يقال لها وحلفوني علي ان اهلي لم يتم منحنهم اي قطعة وحلفت علي بنيه انها لم تستلم حتي الان القطعة وعند جلوسي مع نفسي اصبحت متضايق من هذه القطعة واريد ان اعرف ماذا افعل بها هل يجوز لي الانتفاع بها ام ارجعها للدولة ام اتصدق بها ان كانت خطا?

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فاستخدمت التورية في أخذ حق الغير أو للظلم محرم شرعًا، وهو يمين غموس يوجب التوبة؛ ففي الصحيحين عن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان"، فأنزل الله تصديق ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} [آل عمران: 77].

وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يمينك على ما يصدقك به صاحبك"، وفي لفظ "اليمين على نية المستحلف"، وهو محمول على المستحلف المظلوم.

قال في "نيل الأوطار" (8/ 251) شارحًا لهذا الحديث: "فيه دليل على أن الاعتبار بقصد المُحلف من غير فرق بين أن يكون المحلف هو الحاكم أو الغريم، وبين أن يكون المحلف ظالمًا أو مظلومًا صادقًا أو كاذبًا، وقيل هو مقيد بصدق المحلف فيما ادعاه، أما لو كان كاذبًا كان الاعتبار بنية الحالف.

وقال النووي في "شرح مسلم" (11/ 117):

"وهذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي فإذا ادعى رجل على رجل حقا فحلفه القاضي فحلف وورى فنوى غير مانوى القاضي انعقدت يمينه على ما نواه القاضي ولا تنفعه التورية وهذا مجمع عليه ودليله هذا الحديث والإجماع.

واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق وهذا مجمع عليه هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافا وتفصيلا فقال لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعا أو بقضاء عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف". اهـ.

 هذا؛ وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية ما يجوز وما لا يجوز من التورية، فقال في  "الفتاوى الكبرى"(6/ 107-108):

"... وبالجملة يجوز للإنسان أن يظهر قولاً وفعلاً مقصوده به مقصود صالح، وإن ظن الناس أنه قصد به غير ما قصد به إذا كانت فيه مصلحة دينية، مثل دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم، أو دفع الكفار عن المسلمين، أو الاحتيال على إبطال حيلة محرمة، أو نحو ذلك فهذه حيلة جائزة.

وإنما المحرم مثل أن يقصد بالعقود الشرعية ونحوها غير ما شرعت العقود له، فيصير مخادعا لله، كما أن الأول خادع الناس ومقصوده حصول الشيء الذي حرمه الله لولا تلك الحيلة، وسقوط الشيء الذي يوجبه الله تعالى لولا تلك الحيلة، كما أن الأول مقصوده إظهار دين الله ودفع معصية الله، ونظير هذا أن يتأول الحالف من يمينه إذا استحلفه الحاكم لفصل الخصومة، فإن يمينك على ما يصدقك به صاحبك، والنية للمستحلف في مثل هذا باتفاق المسلمين ولا ينفعه التأويل وفاقًا، وكذلك لو تأول من غير حاجة لم يجز عند الأكثر من العلماء، بل الاحتيال في العقود أقبح من حيث إن المخادع فيها هو الله تعالى، ومن خادع الله فإنما خدع نفسه وما يشعر، ولهذا لا يبارك لأحد في حيلة استحل بها شيئا من المحرمات".

إذا تقرر فما فعله السائل من تعريض في اليمين لا يجوز، لأن فيه أخذ غير حقه، ولأن اليمين على نية المستحلف إذا كان المستحلف القاضي أو نائبه، فيجب عليه التوبة والاستغفار وردّ أحد القطعتين للدولة، أو عدم استلام قطعت الأرض المخصصة للوالدة، وهذا شرط في صحة التوبة،، والله أعلم.