هل نسامحها أختي علي أفعالها السيئة

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

اخي في الله ارجوا الرد بما يرضي الله لي اخت تزوجت من شخص كنت رافضة من البداية ولكن تمت الزواج بعد فترة علمت انة سئ الخلق وتعرفت هذة علي ابن خالتة وقامت علاقة حرام بينها وبينه ومن ثم اطلقت جوزها وتزوجت الاخر رفضنا هذا الامر ولم تستمع لاحد وقالت بالغ وهي حرة في افعالها وتزوجتة عرفي حاولن بكل الطرق اصلاحها لكن لافائدة ولكن بعد فترة مات هذا الرجل علي يد الشرطة وعاشت بمفردها في مكان بعيد عنا ومن فترة تزوجت من اخر والان تريد ان نسامحها علي كل شئ علي مدار 12 سنة وهي لم تراعي اي حد من حدود الله

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد:

فالشريعة الإسلامية حرَّمت هجْرَ المسلم أكثر من ثلاثٍ، وفي نفس الوقت شرع لنا هجْر أصحاب المعاصي إن كان يترتَّب عليه مصلحة حتى يتوبوا إلى الله، وقد اتفق العلماءُ على هذا؛ قال ابن حجر في "فتح الباري" (17 / 245): "قال ابن عبد البر: أجْمَعُوا على أنه لا يجوز الهجران فوق ثلاث، إلا لمن خاف مِن مكالمته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مَضَرَّة، فإن كان كذلك جاز، وَرُبَّ هَجْرٍ جميلٍ خيرٌ من مُخالَطة مُؤذية". اهـ.

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى" (24/ 174 - 175): "صح عنه أنه هجر كعب بن مالكٍ وصاحبيه - رضي الله عنهم - لما تخلَّفوا عن غزوة تبوك، وظهرتْ مَعصيتهم، وخيف عليهم النفاق، فهجرهم، وأمر المسلمين بِهَجْرِهم؛ حتى أمرهم باعتزال أزواجهم مِن غير طلاقٍ خمسين ليلةً، إلى أن نزلتْ توبتُهم من السماء.

وكذلك أمر عمر - رضي الله عنه - المسلمين بهجر صبيغ بن عسلٍ التميمي؛ لما رآه من الذين يتبعون ما تشابه من الكتاب، إلى أن مضى عليه حَوْلٌ، وتبين صِدْقه في التوبة، فأمر المسلمين بمراجعته؛ فبهذا ونحوه رأى المسلمون أن يهجروا مَن ظهَرَتْ عليه علامات الزيغ مِن المظهرين للبِدَع الداعين إليها، والمظهرين للكبائر، فأما مَن كان مُستَتِرًا بمعصيةٍ، أو مُسرًّا لبدعةٍ غير مكفرةٍ، فإن هذا لا يُهْجَر، وإنما يُهجر الداعي إلى البِدْعة؛ إذ الهجرُ نوعٌ مِن العقوبة، وإنما يعاقب مَن أظهر المعصية؛ قولًا، أو عملًا، وأما مَن أظهر لنا خيرًا، فإنا نقْبَل علانيته، ونَكِل سريرته إلى الله تعالى". اهـ.

هذا؛ والذي ورد في رسالتك يدل أن أختك قد وقعت في جملة من المحرمات التي توجب عليها التوبة الصادقة، وتوجب عليكم النصح والإرشاد ثم هجرُها في الله إن أصرت على غيها كما هو ظاهر من أفعالها، غير أنها الآن ترغب في إغلاق تلك الصفحة القديمة، وأن تسامحوها وهذا بلا شك مشروط بتوبتها عن تلك الأفعال، وبالموازنة بين المصالح والمفاسد في هجرها، والمسلمُ الحق يُوالي في الله، ويُعادي في الله، وقد بيَّن شيخ الإسلام ابن تيميَّة الأحوال التي يجوز فيها الهجر، وما يحرم الهجر فيها؛ فقال في "مجموع الفتاوى" (28/ 206):

 "الهجرُ يختلف باختلاف الهاجرين؛ في قوتِهم وضعفِهم، وقلتِهم وكثرتهم؛ فإن المقصودَ به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مِثْل حاله؛ فإن كانت المصلحةُ في ذلك راجحةً بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مَشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرْتَدِع بذلك، بل يَزيد الشرَّ، والهاجرُ ضعيفٌ؛ بحيث يكون مفسدةُ ذلك راجحةً على مصلحته، لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع مِن الهجر، والهجرُ لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتألَّف قومًا، ويهجر آخرين؛ كما أنَّ الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرًا مِن أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادةً مطاعين في عشائرهم، فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثيرٌ، فكان في هَجْرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارةً، والمُهادَنة تارةً، وأخْذ الجِزْية تارةً، كلُّ ذلك بحسب الأحوال والمصالح". اهـ.

إذا تقرر هذا، فإن كانت اختك تابت مما فعلت، فلا مانع شرعًا من المسامحة، وابذلي إليها ما في استطاعتك من النُّصح، وبَيِّني لها خطورة المعاصي وفضْلَ التوبة، وأن التائب مِن الذنب كمَن لا ذنب له، وإن لمستِ منها أو غلب على ظنك أنَّها على حالها القديم، وأن هَجْرَها أنفع مِن وصْلِها، أو لم تُجْدِ معها النصيحةُ، وَرَجَوْتِ أن يؤثرَ فيها الهجرُ، فإنها تُهجَر؛ لأنَّ في الهجر تعزيرًا وردعًا لها؛ لعلها تتوب،، والله أعلم.