معاملة أخواتي السيئة

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم انا فتاة ابلغ 29سنة و عندي اختان يقربانني في السن المشكلة كلما نصحتهم او تدخلت في مشكلة اسرية لاحلها في سيبل الاصلاح يعني تكون بينهم يقولون لي كلام جارح جدا و قاسي لا اتحمله و لا اطيقه رغم اني احاول ان افسرلهم الامور ولا اصرخ او من ذاك و اصمت مندهشة من ردة فعلهم و احيانا ابكي بصمت و اخاف من قطيعة الرحم ان لم اتكلم معهم فوق 3 ايام .انا لا اعرف كيف اتصرف حين اسمع الكلام الجارح و اي موقف اخذ؟ افكر ان اهجرهم هجرا جميلا لكن كيف يكون هذا لا اعرف ؟ ارشدوني جزاكم الله خيرا.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ

فالشريعة الإسلامية أمرت بصلة الرحم، ورهبت من القطيعة؛ قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 22، 23]، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة ولا يكاد يخفى على أحد.

كما أن الإسلام أمَر جميع المسلمين أن يتعامَلوا فيما بينهم مُعاملة الإخوة، وأن تكونَ مُعاشرتهم بالمودة، والرِّفق، والشَّفَقة، والمُلاطَفة، والتعاوُن في الخير، ونحو ذلك، مع صفاء القلوب، والنصيحة لكل مسلمٍ؛ فعن أنس بن مالكٍ - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تدابَروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاثٍ"، وقال صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟"، قالوا: بلى، قال: "صَلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تَحْلق الدين"؛ رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم: "مثَل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثَل الجسد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحُمَّى"؛ رواه مسلم.

أما هجر الإخوة أو الأخوات فلا يجوز؛ ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام".

فحرَّم الله الهجْرَ أكثر من ثلاثٍ، وإنما رخص فيه عند الحاجة؛ كالزوج أن يهجرَ امرأته في المضجع إذا نشزتْ، وكذلك هجر مَن عُرِف بالبدعة، أو الوُقوع في الكبائر؛ لأن الهجْر - حينئذٍ - لحق الله، وليس لحق نفسه.

وفي الصحيح عن أبي هريرة، أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: "لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"، "والمل": هو الرماد الحار، أي كأنما تطعمهم الرماد، والظهير: المعين والدافع لأذاهم.

أما العلاج الناجع لأذية إخوتك هو ألا تدخلي بينهم في مشاكلهم، سواء بالصلح أو النصح لما يترتب عليه من ضرر أكبر.

هذا؛ ومن أعظم الخلق الذي يمكنك من صلة الرحم التحلي بالصبر والعفو عن المسيء، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم}[فصلت: 34، 35]

قال السعدي في "تفسيره": "أي : لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق، ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها، ولا في وصفها، ولا في جزائها: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].

ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير، وهو الإحسان إلى من أساء إليك، فقال : {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن}، أي: فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فَصلْه ، وإن ظلمك، فاعف عنه، وإن تكلم فيك، غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك، وترك خطابك، فَطيِّبْ له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة.

{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}، أي: كأنه قريب شفيق.

{وَمَا يُلَقَّاهَا}، أي: وما يوفق لهذه الخصلة الحميدة، {إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا}، نفوسهم على ما تكره، وأجبروها على ما يحبه الله، فإن النفوس مجبولة على مقابلة المسيء بإساءته وعدم العفو عنه، فكيف بالإحسان". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.