هل ينصح بقراءة كتاب إحياء علوم الدين؟

خالد عبد المنعم الرفاعي

فالذي يظهر أن كتاب الإحياء لا يستفيد منه إلا من كان كامل الأهلية في العلوم الشرعية والعقلية، أما من كان في بدايات الطلب فيخشى عليه من الوقوع في البدعة، وفي غيره غنية عنه من الكتب الصحيحة المحررة ككتب شيخ الإسلام ابن القيم.

  • التصنيفات: طلب العلم -
السؤال:

هل كتاب احياء علوم الدين ينصح به، أم أبتعد عنه؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فلم يكثر الجدال والخلاف من أهل العلم - فيما أعلم – حول كتاب مثلما حصل مع كتاب الإحياء، حتى رماه بعض معاصري أبي حامد بأنه إماتة لعلوم الإسلام، ومدحه بعضهم مدحًا مقيدًا، والسبب الرئيس في ذلك هو نفس أبي حامد الفلسفي، فادخل الفلسفة في علوم المسلمين، واستخدم العبارات الإسلامية النبوية في التعبير عن مقاصد الفلاسفة، حتى تقده أصحابه الصوفية والمتكلمين؛ كما قال أبو عمرو بن الصلاح: "ففي تواليفه أشياء لم يرتضها أهل مذهبه من الشذوذ"، وقال الذهبي: "أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفي"

قال القاضي أبو بكر بن العربي: "شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيّأهم، فما استطاع"،

وقال ابن الجوزي: "صنّف أبو حامد الإحياء، وملأه بالأحاديث الباطلة، ولم يعلم بُطلانها، وتكلّم على الكشف، وخرج عن قانون الفقه"؛ كما في "سير أعلام النبلاء" عند ترجمة أبي حامد.

وقد بين سبب الخطأ شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه وحلل شخصية أبي حامد زبين مصادره في كتبه؛ فقال في "درء تعارض العقل والنقل" (6/ 239-241):

".... لأن أبا حامد يخالف الفلاسفة تارة، ويوافقهم أخرى، فعلماء المسلمين يذمونه بمن وافقهم فيه من الأقوال المخالفة للحق الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، الموافقة لصحيح المنقول وصريح المعقول، كما وقع من الإنكار عليه أشياء في كلام رفيقه أبي الحسن المرغيناني، وأبي نصر القشيري، وأبي بكر الطرشوشي، وأبي بكر بن العربي، وأبي عبد الله المازري، وأبي عبد الله الذكي، ومحمود الخوارزمي، وابن عقيل، وأبي البيان الدمشقي، ويوسف الدمشقي، وابن حمدون القرطبي القاضي، وأبي الفرج بن الجوزي، وأبي محمد المقدسي، وأبي عمرو بن الصلاح، وغير واحد من علماء المسلمين وشيوخهم.

والمتفلسفة، الذين يوافقون ما ذكره من أقوالهم، يذمونه لما اعتصم به من دين الإسلام ووافقه في الكتاب والسنة، كما يفعل ذلك ابن رشد الحفيد هذا، وابن الطفيل صاحب رسالة حي بن يقظان، وابن سبعين، وابن هود، وأمثالهم.

وهؤلاء وأمثالهم يعظمون ما وافق فيه الفلاسفة، كما يفعل ذلك صاحب خلع النعلين وابن عربي صاحب الفصوص، وأمثالهم ممن يأخذ المعاني الفلسفية يخرجها في قوالب المكاشفات والمخاطبات الصوفية، ويقتدي في ذلك بما وجده من ذلك في كلام أبي حامد ونحوه.

وقال في "مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية"(5/ 87):

"وأما أبو حامد وأمثاله ممن أمروا بهذه الطريقة – وحدة الوجود - فلم يكونوا يظنون أنها تفضي إلى الكفر، لكن ينبغي أن يعرف أن البدع بريد الكفر، ولكن أمروا المريد أن يفرغ قلبه من كل شيء، حتى قد يأمروه أن يقعد في مكان مظلم ويغطي رأسه ويقول: الله الله، وهم يعتقدون أنه إذا فرغ قلبه استعد بذلك فينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: أنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء.

ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، وأبو حامد يكثر من مدح هذه الطريقة في الإحياء وغيره، كما أنه يبالغ في مدح الزهد، وهذا من بقايا الفلسفة عليه؛ فإن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله يزعمون أن كل ما يحصل في القلوب من العلم للأنبياء وغيرهم فإنهما هو من العقل الفعال".

وجاء في "بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية" (ص: 448):

".... وأبو حامد مادته الكلامية من كلام شيخه في الإرشاد والشامل ونحوهما، مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني... ومادة أبي حامد في الفلسفة من كلام ابن سينا؛ ولهذا يقال أبو حامد أمرضه الشفاء، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا، ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.

وأما في التصوف وهو أجل علومه وبه نبل فأكثر مادته من كلام الشيخ أبي طالب المكي، الذي يذكره في المنجيات في الصبر والشكر والرجاء، والخوف والمحبة والإخلاص، فإن عامته مأخوذ من كلام أبي طالب المكي لكن كان أبو طالب أشد وأعلى.

وما يذكره في ربع المهلكات فأخذ غالبه من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية، كالذي يذكره في ذم الحسد والعجب والفخر والرياء والكبر ونحو ذلك".

سئل عن "إحياء علوم الدين" و "قوت القلوب" كما في مجموع الفتاوى (10/ 551- 552): فأجاب:

"أما كتاب "قوت القلوب" و"كتاب الإحياء" تبع له فيما يذكره من أعمال القلوب: مثل الصبر والشكر والحب والتوكل والتوحيد ونحو ذلك، وأبو طالب أعلم بالحديث، والأثر وكلام أهل علوم القلوب من الصوفية وغيرهم من أبي حامد الغزالي، وكلامه أسد وأجود تحقيقًا، وأبعد عن البدعة، مع أن في "قوت القلوب" أحاديث ضعيفة وموضوعة وأشياء كثيرة مردودة.

وأما ما في الإحياء من الكلام في "المهلكات" مثل الكلام على الكبر والعجب والرياء والحسد ونحو ذلك، فغالبه منقول من كلام الحارث المحاسبي في الرعاية، ومنه ما هو مقبول ومنه ما هو مردود ومنه ما هو متنازع فيه، والإحياء فيه فوائد كثيرة؛ لكن فيه مواد مذمومة؛ فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين.

وقد أنكر أئمة الدين على أبي حامد هذا في كتبه. وقالوا: مرضه "الشفاء"، يعني شفاء ابن سينا في الفلسفة، وفيه أحاديث وآثار ضعيفة؛ بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يرد منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه.

وقال أيضًا: (6/ 55): "وكلامه في الإحياء غالبه جيد، لكن فيه مواد فاسدة: مادة فلسفية ومادة كلامية ومادة من ترهات الصوفية؛ ومادة من الأحاديث الموضوعة". اهـ.

إذا تقرر هذا؛ فالذي يظهر أن كتاب الإحياء لا يستفيد منه إلا من كان كامل الأهلية في العلوم الشرعية والعقلية، أما من كان في بدايات الطلب فيخشى عليه من الوقوع في البدعة، وفي غيره غنية عنه من الكتب الصحيحة المحررة ككتب شيخ الإسلام ابن القيم،، والله أعلم.