تسلسل المخلوقات في الازل

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته كيف يمكن الجمع بين القول بإمكانية تسلسل المخلوقات في الازل بلانهاية والاحاديث النبوية الشريفة التي مفادها ان الله تعالى كان ولم يكن شيء معه واخرى حددت ان العرش او القلم لا اذكر تحديدا هو اول المخلوقات فكيف يمكن تحديد بداية لما لا أول له اذ بحسب قول ابن تيمية رحمه الله هذه المخلوقات مرتبطة بصفة الخلق وهي صفة ازلية وبالتالي لايجوز ان يكون الخالق العظيم متوقفا عن الخلق

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فمذهب السَّلَفِ والأئمَّةِ كما حكاه شيخَ الإسلامِ ابنَ تيميَّةَ - رحمه الله – في مواضع كثيرة من كتبه أن العالَمِ أو المخلوقاتُ أو الحوادثُ المنفصلةُ، كلُّ ذلكَ حادثٌ، جنسُهُ أو نوعُهُ، آحادُهُ أو أفرادُهُ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ مسبوقٌ بوجودِ غيرِهِ - وهذا معنى الحادثِ؛ فإنَّ الحادثَ: ما كانَ مسبوقًا بوجودِ غيرِهِ بالزمانِ، ومسبوقًا بعدمِ نفسِهِ، في حينِ أنَّ القديمَ: هو الذي لا يكونُ مسبوقًا بوجودِ غيرِهِ، ولا مسبوقًا بِعَدَمِ نفسِهِ

وشيخ الإسلام ابن تيمية يقولُ بتسلسلِ جنسِ الحوادثِ في الماضي لا إلى أوَّلٍ، سواءٌ في ذلك الحوادثُ المتصلةُ - وهو جنسُ الأفعالِ الاختياريَّةِ - أو الحوادثُ المنفصلةُ - وهو جنسُ المخلوقاتِ - فلا مَبْدَأَ لهذا الجنسِ، بل هو دائمٌ متعاقِبٌ في الماضي لا إلى أوَّلٍ، غيرُ مسبوقٍ بِعَدَمِ نفسِهِ؛ لأنه لو كانت جنس المخلوقات مفتتحًا، للزم أن تكون صفة الخلق معطلة مدة من الزمان، وهو باطل عقلاً وشرعًا، وهو معنى ما ورد عن السلف أن الله لم يزل خالقًا بالفعل، ولم يزل متكلمًا، وهكذا؛ ؛ كما في قولِهِ تعالى: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النَّحْل: 17]، ولم يقلْ سبحانَهُ: أَفَمَنْ يَقْدِرُ أو يَقْوَى على الخَلْقِ كمَنْ لا يَقْدِرُ أو كمَنْ لا يَقْوَى؛ وعلى ذلك: فصفةُ الخَلْقِ جنسُها قديمٌ غيرُ متعلِّقٍ بمشئتِهِ سبحانَهُ ولا بقدرتِهِ، وآحادُ هذه الصفةِ: حادثٌ شيئًا بعد شيءٍ؛ لتعلُّقِهَا بمشيئةِ اللهِ وقدرتِهِ.

وجنسُ المخلوقاتِ يتصفُ بأمورٍ:

الأوَّل: أنه ليس مسبوقًا بِعَدَمِ نفسِهِ؛ وهذا معنى كونِهِ لا أَوَّلَ لوجودِهِ بالزمانِ، وأنَّه متسلسلٌ في الماضي لا إلى أَوَّلٍ، وأنَّ اللهَ سبحانَهُ لم يَزَلْ بمشيئتِهِ وقدرتِهِ خالقًا بالفِعْلِ.

والثاني: أنه مسبوقٌ بِوجودِ غيرِهِ؛ وهذا معنى كونِهِ مسبوقًا بفاعلِهِ وخالقِهِ؛ فزمانُ وجودِ الخالقِ القديمِ سبحانَهُ سابقٌ على زمانِ وجودِ جنسِ المخلوقاتِ، لكنْ بلا فصلٍ زمانٍ بين الوُجُودَيْنِ؛ وهذا معناه حدوثُ جنسِ المخلوقاتِ، أو جنسِ الحوادثِ المنفصلةِ، أو ما يُسمَّى بجنسِ العالِمِ.

والثالثُ: أنَّ جنسَ المخلوقاتِ مخلوقٌ؛ لكونِهِ منفصلًا عن اللهِ تعالى، وليسَ قائمًا بذاتِهِ عزَّ وجَلَّ.

وجنسُ المخلوقاتِ مع كونِهِ حادثًا مخلوقًا، فليس وجودُهُ متعلِّقًا بمشيئتِهِ سبحانه وقدرتِهِ واختيارِهِ؛ وهذا من كمالِهِ سبحانَهُ.

وأيضًا: فآحادُ المخلوقاتِ يتصفُ أيضًا بأمورٍ:

الأوَّل: أنه مسبوقٌ بِعَدَمِ نفسِهِ.

والثاني: أنه مسبوقٌ بِوجودِ غيرِهِ.

والثالثُ: أنَّ آحادَ المخلوقاتِ مخلوقٌ؛ لكونِهِ منفصلًا عن اللهِ تعالى، وليسَ قائمًا بذاتِهِ عزَّ وجَلَّ.

وكلُّ أحدٍ مِنْ آحادِ المخلوقاتِ متعلِّقٌ في وجودِهِ بمشيئةِ اللهِ سبحانَهُ وقدرتِهِ واختيارِه.

قال شيخُ الإسلامِ في "درءِ التعارض" (1/366-367): "والقولُ الثاني: أنَّ المؤثِّرَ التامَّ يَستلزِمُ أَثَرَهُ؛ لكنَّ في معنى هذا الاستلزامِ قولَيْنِ:

أحدُهما: أنْ يكونَ معه؛ بحيثُ يكونُ زمانُ الأَثَرِ المُعَيَّنِ زمانَ المؤثِّرِ؛ فهذا هو الذي تقولُهُ المتفلسفةُ؛ وهو معلومُ الفَسَادِ بصريحِ العَقْلِ عندَ جمهورِ العُقَلاءِ.

والثاني: أنْ يكونَ الأَثَرُ عَقِبَ تَمَامِ المؤثِّرِ؛ وهذا يُقِرُّ به جمهورُ العُقَلاءِ؛ وهو يَستلزِمُ ألَّا يكونَ في العالَمِ شيءٌ قديمٌ، بل كُلُّ ما فعَلَهُ القديمُ الواجبُ بنفسِهِ، فهو مُحْدَثٌ.

وإنْ قيلَ: إنَّه لم يَزَلْ فَعَّالًا، وإنْ قيلَ بدوامِ فاعليَّتِهِ، فذلكَ لا يُناقِضُ حدوثَ كلِّ ما سواهُ، بل هو مُستلزِمٌ لحدوثِ كلِّ ما سواهُ؛ فإنَّ كلَّ مفعولٍ، فهو مُحْدَثٌ؛ فكلُّ ما سواه مفعولٌ؛ فهو مُحْدَثٌ مسبوقٌ بالعَدَمِ؛ فإنَّ المسبوقَ بغيرِهِ سَبْقًا زمانيًّا لا يكونُ قديمًا، والأَثَرُ المُتعقِّبُ لِمُؤَثِّرِهِ الذي زمانُهُ عَقِبَ زمانِ تَمَامِ مؤثِّرِهِ، ليسَ مُقارِنًا له في الزمانِ، بل زَمَنُهُ مُتعقِّبٌ لزمانِ تَمَامِ التأثيرِ؛ كتَقدُّمِ بعضِ أجزاءِ الزمانِ على بعضٍ، وليسَ في أجزاءِ الزَّمَانِ شيءٌ قديمٌ، وإنْ كانَ جِنْسُهُ قديمًا، بَلْ كلُّ جزءٍ مِنَ الزمانِ مسبوقٌ بآخَرَ؛ فليسَ مِنَ التأثيراتِ المعيَّنةِ تأثيرٌ قديمٌ؛ كما ليسَ مِنْ أجزاءِ الزَّمَانِ جزءٌ قديمٌ.

فمَنْ تَدَبَّرَ هذه الحقائقَ، وتَبيَّنَ له ما فيها مِنَ الاشتباهِ والالتباسِ، تَبَيَّنَ له مُحَارَاتُ أكابِرِ النُّظَّارْ، في هذِهِ المَهَامِهِ التي تَحَارُ فيها الأَبْصَارْ، واللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مستقيمٍ". اهـ.

وقال أيضًا - رحمه الله - في "دَرْء التعارُض" (9/152-153): "قالَ لكمْ منازعوكُمْ: هذا لفظٌ مجمَلٌ مُشتَبِهٌ، وعامَّةُ حُجَجِكمْ وحُجَجِ غَيْرِكم الباطلةِ مبناها على ألفاظٍ مجمَلةٍ متشابِهةٍ، مع إلغاءِ الفارقِ، ويأخذونَ اللفظَ المجمَلَ المشتَبِهَ، مِنْ غيرِ تمييزٍ لأحدِ معنَيَيْهِ عن الآخَرِ، فبالاشتراكِ والاشتباهِ في الألفاظِ والمعاني ضَلَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ.

وذلك أنَّ قولَكُمُ: الحادثُ - مِنْ حيثُ هو - يَقْتَضِي أنَّه مسبوقٌ بغيرِهِ، أو الحَرَكَةُ - مِنْ حيثُ هي-  تقتضي أنْ تكونَ مسبوقةً بالغَيْرِ.

يقالُ لكمُ: الحادثُ المُطْلَقُ لا وجودَ له إلَّا في الذِّهْنِ، لا في الخارجِ، وإنَّما في الخارجِ: موجوداتٌ متعاقِبَةٌ، ليستْ مجتَمِعَةً في وقتٍ واحدٍ؛ كما تَجتمِعُ المُمْكِنَاتُ والمُحْدَثَاتُ المحدودةُ، والموجوداتُ والمعدوماتُ؛ فليس في الخارجِ إلا حادثٌ بعد حادثٍ؛ فالحُكْمُ: إمَّا على كلِّ فَرْدٍ فردٍ، وإمَّا على جملةٍ محصورةٍ، وإمَّا على الجِنْسِ الدائمِ المتعاقِبِ:

فيقالُ لكمْ: أَتُرِيدُونَ بذلكَ: أنَّ كلَّ حادثٍ فلا بُدَّ أنْ يكونَ مسبوقًا بغيرِهِ، أو أنَّ الحوادثَ المحدودةَ لا بُدَّ أنْ تكونَ مسبوقةً، أو أنَّ الجِنْسَ لا بُدَّ أنْ يكونَ مسبوقًا؟:

أمَّا الأوَّلُ والثاني: فلا نِزَاعَ فيهما.

وأمَّا الثالثُ: فيقالُ: أتريدونَ بِهِ: أنَّ الجِنْسَ مسبوقٌ بِعَدَمِهِ، أَمْ مسبوقٌ بفاعلِهِ، بمعنى: أنَّه لا بُدَّ له مِنْ مُحْدِثٍ؟ الثاني: مُسلَّمٌ، والأَوَّلُ: مَحَلُّ النزاعِ». اهـ

إذا تقرر هذا؛ علم أنَّ جنسَ المخلوقاتِ دائمٌ متعاقبٌ في الماضي لا إلى أوَّلٍ؛ لأنَّ اللهَ لم يَزَلْ خالقًا بالفعلِ، ومَعَ ذلكَ فجنسُ المخلوقاتِ حادثٌ مخلوقٌ كائنٌ بعدَ أنْ لم يكنْ، وليسَ بقديمٍ مَعَ الله تعالى، ومع حدوثِهِ فليس متعلِّقًا بمشيئتِهِ سبحانَهُ وقدرتِهِ واختيارِهِ.

أما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، رواه البخاري عن عمران بن حصين، والحديث روي بلفظ: لم يكن شيء قبله، وفي لفظ معه وفي لفظ غيره، ولشيخ الإسلام رسالة لطيفة في شرح الحديث (18 / 210 – 243) "مجموع الفتاوى"، قال فيها: "والألفاظ الثلاثة في البخاري، والمجلس كان واحدًا، وسؤالهم وجوابه كان في ذلك المجلس، وعمران الذي روى الحديث لم يقم منه حين انقضى المجلس؛ بل قام لما أخبر بذهاب راحلته قبل فراغ المجلس وهو المخبر بلفظ الرسول، فدل على أنه إنما قال أحد الألفاظ والآخران رويا بالمعنى. وحينئذ فالذي ثبت عنه لفظ "القبل"؛ فإنه قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه: " "أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"، وهذا موافق ومفسر لقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]، وإذا ثبت في هذا الحديث لفظ القبل، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، واللفظان الآخران لم يثبت واحد منهما أبدًا، وكان أكثر أهل الحديث إنما يروونه بلفظ القبل: "كان الله ولا شيء قبله"، مثل الحميدي والبغوي وابن الأثير وغيرهم. وإذا كان إنما قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، لم يكن في هذا اللفظ تعرض لابتداء الحوادث ولا لأول مخلوق". اهـ.

والحاصل أن هذا الحديث لا يعرض ما يَرَاه شيخُ الإسلامِ أنَّ جنسٍ المخلوقات دائمٍ متعاقبٍ في الماضي لا إلى أوَّلٍ، وفي المستَقْبَلِ لا إلى آخِرٍ، لكنَّ كلَّ أحَدٍ مِنْ آحادِهَا مسبوقٌ بعَدَمِ نفسِهِ، كما أنَّه ملحوقٌ بِعَدَمِ نَفْسِهِ، وأنها مسبوقة بوجودُ الفاعلِ الخالقِ سبحانَهُ.

أما حديث عبادة بن الصامت عند أحمد وأصحاب السنن قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أولَ ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"، فليس معناه أن الخلق مفتتح، ولا أن القلم سابق على وجود العرش؛ لأن الله سبحانه قدر ما يريد حين كان عرشه على الماء؛ كما دلت عليه النصوص وهو قول جمهور السلف أن العرش متقدم على القلم واللوح؛ واحتجوا بما روى مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ وكان عرشه على الماء".

والحديث يقتضي أنه سبحانه وتعالى خاطب القلم أول ما خلقه، وأمره بالكتابة، وعلى فرض تسليم أن لفظ أول مرفوعة على الابتداء وليست منصوبة على الظرفية، فالمعنى أول المخلوقات في هذا العالم، وليس في سائر الخلق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (11/ 231): "فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه؛ ليس معناه أنه أول المخلوقات، و"أولَ" منصوب على الظرف". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.