هل من تفسير منطقي لانخفاض درجاتي

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم انا فتاة في ال15من عمري ادرس في الثانوية .كنت دائما نان الاولى في صفي واحصل على علامات جيدة وممتازة ولكن هذه المرة انخفضت معدلاتي واصبحت الخامسة من بعد ما كنت الاولى .سبب سؤالي هو انني لم اجد تفسيرا لهذا .كما انني انا الوحيدة التي انخفضت معدلاتي من بين الجميع حتى الزملاء الذين في المدارس الاخرى ولا يوجد تفسير منطقي لهذا اللا انه قدر الله .لذا اريد ان اعرف هل هذا بلاء من الله لي ام عقاب ام ماذا

الإجابة:

فمن معتقد المسلم أن الله سبحانه وتعالى هو الفعال لما يريد، ولا يريد إلا ما هو خير ومصلحة ورحمة وحكمة، وليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد، فلا يفعل الشر ولا الفساد، ولا الجور، ولا خلاف مقتضى حكمته؛ لكمال أسمائه وصفاته، فهو الغنى الحميد العليم الحكيم، ولا يظلم العباد مثقال ذر، ويفعل ما يشاء بأسباب وحكم، ولغايات مطلوبة وعواقب حميدة؛ قال الله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ* لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 22، 23]، فلا يسأل عن أفعاله كما يسأل المخلوق؛ لكمال علمه وحكمته، ووضعه الأشياءَ مواضعها.

فأفعال الله تعالى ومنها ابتلاء عباده لا تَخرُج عن العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة، فالله تعالى لا يَجُور في حُكمِه وفِعله ومنعه وعطائه، وعافيته وبلائه، وتوفيقه وخذلانه، ولا يخرج شيءٌ عن موجَب ما تَقْتَضيه أسماؤُه وصفاته مِن العدل والحكمة، والرحمة والإحسان والفضل، ووضع والعطاء والمنع في مَوضِعه، ولا يَخُرج تصرُّفه في عبادِه عن العدل والفضل، إن أعطى وأكرَم وهدَى ووفَّق، فبفضله ورحمته، وإنْ منَع وأهانَ وأضلَّ وخذَلَ وأشقى، فبعدلِه وحكمته، وهو سبحانه لم يخلُقْ شرًّا خالصًا، ولا شرًّا راجحًا، وإنما خلق خيرًا محضًا، وخيرًا راجحًا، وشرًّا مرجوحًا والخير الذي فيه اعظم من الشر؛ مِن أجل هذا قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سراء شَكَر فكان خيرًا له، وإن أصابتْه ضراء صبر فكان خيرًا له))؛ رواه مسلم عن صُهيب.

وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في "مجموع فتاوى ابن تيميَّة" (2 / 494): والمؤمِنُ مأْمُور عند المصائب أنْ يصبرَ ويُسَلِّمَ، وعند الذنوب أنْ يسْتغفرَ ويتوبَ؛ قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [غافر: 55]، فأَمَرَهُ بالصبر على المصائب، والاستغفار من المعائب، وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، قال ابن مسْعود: هو الرجُل تُصيبه المصيبةُ، فيَعْلم أنَّها مِنْ عند الله، فيرضى ويُسَلِّم.

فالمؤمنون إذا أصابَتْهم مصيبةٌ - مثل: المرَض والفقر والذُّل - صبَرُوا لحُكْم الله، وإن كان ذلك بسبب ذنْب غيرهم، كمَنْ أنْفَق أبوه مالَه في المعاصي، فافْتَقَر أولادُه لذلك، فعَلَيْهم أن يصْبروا لما أصابَهم، وإذا لامُوا الأبَ لِحُظُوظِهِمْ، ذَكَر لهمُ القدَر". اهـ.

وجاء في كتاب "الفوائد" (ص: 93) لشيخ الإسلام ابن القيم: "... سبحانه تَوَلَّى تدبيرَ أمورِهم بموجب علمِه وحكمته ورحمته أَحَبُّوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنونَ بأسمائه وصفاته، فلم يتَّهموه في شيءٍ مِن أحكامه، وخفي ذلك على الجهلة به وبأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيرَه، وقدحوا في حكمتِه، ولم يَنقادوا لحكمه، وعارضوا حكمَه بعقولهم الفاسدة، وآرائهم الباطلة، وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا، ولا لِمصالحهم حصلوا.

ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه فيها إلا نعيم الآخرة؛ فإنه لا يزال راضيًا عن ربه، والرضا جنة الدنيا ومستراح العارفين؛ فإنه طيب النفس بما يجري عليه من المقادير التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد رسولاً، وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك، وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره؛ فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى، فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يخرج عن ذلك البتة كما قال في الدعاء المشهور: ((ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك))، وهذا يتناول كل قضاء يقضيه على عبده من عقوبة أو ألم وسبب ذلك، فهو الذي قضى بالسبب وقضى بالمسبب، وهو عدل في هذا القضاء وهذا القضاء خير للمؤمن". اهـ.

وقال في "إغاثة اللهفان"(2/189-191): "إنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال؛ لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر، والبرد، والجوع، والعطش، والتعب، والنصب، وأضدادها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني، والاستقامة المطلوبة منه، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع". اهـ.

إذا تقرر هذا، فمما لا شك فيه أن تلك الدرجات مما قدره الله ولكنّ القدر مقضي بسبب وفعل من العبد من تقصير أو نحوه.

ولمزيد فائدة راجعي لزامًا فتوى: "كيف يفرق بين الابتلاء والعقاب"،، والله أعلم.