الشهوه العارمة في شهر رمضان

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله، انا عمري ١٨ عاماً، اعاني من الشهوه المفرطه، وعادةً ما استمني لكي افرغها، لكن في هذا الشهر الفضيل منعت نفسي عنها لانها اشد حرمةً في هذا الشهر، لكن اعاني في نهار رمضان بشهوه قوية جداً تدفعني للاستمناء لكنني امسك نفسي، وتأتيني تخيلات واخاف اني انزل المني وامنع نفسي عن هذه التخيلات بالقوه، سوالي هو : هل يرخص لي فعلها في ليل رمضان لاطفاء هذه الشهوه العارمه، علماً بأن اذا فعلتها لا تأتيني شهوه ابداً في النهار ولا تأتيني تلك التخيلات؟ شكراً لكم.

الإجابة:

 

فالعادة السرية محرمة تحريمًا – مطلقًا - وهو قول أكثر أهل العلم، سواء في رمضان، أو في غير رمضان، ولكنها أشد قبحًا في رمضان، خصوصًا في نهاره؛ لأنها تبطل الصوم، وهو كبيرة من أكبر الكبائر.

وقد دلَّ الكتاب والسنة والمعقول على حرمة الاستمناء.

 فأما الكتاب: ففي قوله - تعالى -: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون: 5، 7].

والاستمناء من الاعتداء المذكور في الآية؛ فهو داخل فيما وراء ذلك.

وأما السنة: فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء))؛ متفق عليه.

فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرشد الشباب إلى الاستمناء، وإنما أرشدهم  إلى الزواج، أو الصوم.

وأما النظر الصحيح: فإنه يترتب على تلك العادة الذميمة مضار صحية كثيرة، ذكرها أهل الطب، ولا ينكرها إلا مكابر، فالواقع ملئ بتلك الحالات، غير أنها غالبًا لا تظهر إلا بعد الزواج.

فالواجب على من ابتلي بتلك العادة أن يأخذ نفسه بالحزم، وأن يصدق اللجوء إلى الله، ويكثر منالاستغفار، والأعمال الصالحة، وقراءة القرآن بتدبر، مع الصبر عن المحرمات وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها؛ قال - تعالى -: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور: 33]؛ و"الاستعفاف" هو ترك المنهي عنه؛ كما في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((من يستعفِفْ يعفَّه الله، ومن يستغن يغنِهِ الله، ومن يتصبرْ يصبِّرْه الله، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر)).

 فالمستعفف هو الذي لا يسأل الناس بلسانه، والمستغني لا يستشرف بقلبه، واوالمتصبر هو الذي  يتكلف الصبر".

هذا؛ وسألحص لك بعض الوسائل العملية التي تعينك على الاستقامة والبعد عن تلك العادة الذميمة:

أولاً: استفراغ الطاقة والوسع في مخالفة النفس والشيطان؛ وقد وعد الله بالعون على ذلك فقال سبحانه وتعالى -: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}[العنكبوت: 69]، قال الإمام ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"(3/ 5) وهو يبين شدة حاجة العبد لجهاد النفس: "وأمرهم أن يجاهدوا فيه حق جهاده، كما أمرهم أن يتقوه حق تقاته، وكما أن حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، فحق جهاده أن يجاهد العبد نفسه ليسلم قلبه ولسانه وجوارحه لله، فيكون كله لله وبالله لا لنفسه ولا بنفسه، ويجاهد شيطانه بتكذيب وعده، ومعصية أمره، وارتكاب نهيه، فإنه يعد الأماني ويمني الغرور، ويعد الفقر ويأمر بالفحشاء، وينهى عن التقى والهدى والعفة والصبر، وأخلاق الإيمان كلها، فجاهده بتكذيب وعده، ومعصية أمره، فينشأ له من هذين الجهادين قوة وسلطان، وعدة يجاهد بها أعداء الله في الخارج بقلبه ولسانه ويده وماله؛ لتكون كلمة الله هي العليا". اهـ.

ثانيًا: الدعاء بالهداية والاستِقامة والثَّبات عليهما؛ فالدعاء من أعظم الأسباب الجالبة للخير، والمانعة من الشر؛ والله سبحانه وتعالى جَوَادٌ، كَرِيمٌ وَهَّابٌ قريبٌ، مجيبٌ، يَغْضَبُ عَلَى مَن لَا يَسْأَلُهُ، وهُو - سبحانه - يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ، وهوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ؛ قال الله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186].

ومن الأدعية الجامعة: "أعوذ بك من شرِّ نفسي وشرِّ الشيطان وشركه"، "يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك"، "اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي".

ثالثًا: قراءة القرآن بتدبُّر؛ فالله - تعالى - يقول: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32]، وقال: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

رابعًا: الابتِعاد عن المعاصي والذنوب جملةً، وعن جميع المهيجات خصوصًا ومثيرات الشهوة من الأغاني والمسلسلات وغيرها مما حرمه الله، فهي تستدعي الشَّهوة وتؤجِّجها، وتذْكي نارَها، حتى توقع في مهاوي الرَّذيلة، ولكن كلَّما استخفَّكِ الشيطان وقهرَتْك نفسك، فافزَع إلى الله بالتوبة، وأخذ النفس بالقوة وحملها على الابتعاد عن المعصية.

خامسًا: مراقبة النفس وقطع الخطرات وعدم الاسترسال معها، مع طلب العون من الله والاستعانة به من شر الشيطان؛ كما قال تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 200-202]، مع السعي في إبعاد الخطرات عن النفس.

وقد بين هذا الأمر الإمام ابن القيم في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي"(ص: 154): "وأما الخطرات: فشأنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم، فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرات قادته قهرًا إلى الهلكات، ولا تزال الخطرات تتردد على القلب حتى تصير منى باطلة".

سادسًا: المحافظة على واجبات الشريعة، لا سيَّما الصلاة في أوقاتها، وعدم التفريط في شيءٍ منها، مع الالتِزام بسائر أحكام الشرع؛ فالعبادات هي التي تقوي النفس على الصبر؛ كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}[البقرة: 45]، وقال – تعالى -: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]، وقال - سبحانه -: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66]، أي: ما وظف عليهم في كلِّ وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفَّروا نفوسهم للقِيام به وتكميله، وبركة الحفاظ على الطاعات الهداية إلى الصِراط المستقيم، ومَن هُدِي إلى صراط مستقيم فقد وُفِّق لكلِّ خير، واندَفَع عنه كلُّ شر.

سابعًا: تقوية خشية الله – تعالى - والرغبة في ما عنده، واستشعار مراقبته؛ فالخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة، وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى.

وتأمل قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى* وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى* وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].

ثامنًا: إدمان ذكر الله الله تعالى فإنه يقوى القلب والبدن، ويزيد اليقين في الله تعالى والتوكل عليه، ومن أعظمه المواظبة على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإن بها تكابد الأهوالوتنال رفيع الدرجات.

جاء في "الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص: 77): "أن الذكر يعطي الذاكر قوة، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لم يظن فعله بدونه".

والحاصل أن النجاة والاستقامة إنما تكون بالفِرار إلى الله بصدق، والتوبة النصوح والعزم الأكيد على عدم العود، وتقطع النفس بالندم على ما فات، وأخْذ النفس بالشِّدَّة وعدم التَّهاون-: وليس بإعطاء النفس ما تريده من المحرمات،، والله أعلم.