حكم دراسة الحقوق والعمل بعدها كمحامي ؟

خالد عبد المنعم الرفاعي

السؤال:

السلام عليكم ما حكم أن يدخل الشخص كلية الحقوق ويدرس فيها وهو منكرٌ لتلك القوانين الوضعية وكارهّ لها ونيته هي العمل كمحامي بعد التخرج حتى يتولى القضايا التي ظُلِم أصحابها فعلاً ويحاول تبرئتهم أو تخفيف الحكم عليهم من باب نصرة إخوانه المظلومين بما يقدر عليه حتى يكون سبباً في نجاتهم من براثن تلك القوانين الوضعية ؟

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإن الأصل أن المسلم لا يحكم ولا يتحاكم إلا بما أنزل الله تعالى؛ لقول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44] وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً} [النساء:60].

وقد اختلف أهل العلم في العمل بمهنة المحاماة في ظل تحكيم القوانين الوضعية على قولين:

القول الأول: المنع بإطلاق، وهو قول العلامة أحمد محمد شاكر في كتابه الماتع "عمدة التفاسير".

القول الثاني: الجواز - وهو الراجح - اعتباراً للحاجة الملِحَّة وتحقيقاً للمصلحة، وإعمالاً لقاعدة الضرورة، واستيفاء للحقوق، واستخلاصاً للمظالم عند انعدام البديل من المحاكم الشرعية، فالمبرر الوحيد الذي يجيز للمسلم الاشتغال بهذه المهنة في ظل القوانين الوضعية، هو العمل على نصرة المظلوم، والقيام بمصالح المسلمين، ودفع الظلم عنهم أو تخفيفه، حسب الإمكان، ويُشتَرَط تحقيق بعض المصالح أو دفع بعض المفاسد.

ويجب على المحامي أن يتحرى الحق، ويتجنب الكذب؛ فينظر في القضايا ويتأملها، فإن رأى أن الحق مع موكله، دافع عنه وانتصر للحق، وإن رأى أن الحق عليه، لزِمَه بيان ذلك له، ونصحه بترك الدعوى ورد الحقوق إلى أهلها.

فالواجب عليه ابتداء؛ مراعاة حكم الشرع في أصل القضية؛ فلا يترافع إلا إذا علم مشروعية الدعوى ومضمونها.

كما لا يجوز له الدفاع عن موكله في أمر يعلم بطلانه؛ كالدفاع عن اللصوص وتجار المخدرات، وكذلك لا يجوز له المطالبة لموكِّله بحق ليس له، وفي جميع الأحوال يجب عليه بيان الحق وقول الصدق، وهذا القول نصره محمد رشيد رضا في "تفسير المنار".

وقد سئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية عن ممارسة مهنة المحاماة لطلب الرزق في ظل القانون الوضعي فأجابت:

"إذا كان في الاشتغال بالمحاماة أو القضاء إحقاق للحق وإبطال للباطل شرعاً، ورد الحقوق إلى أربابها، ونصر للمظلوم - فهو مشروع؛ لما في ذلك من التعاون إلى البر والتقوى، وإلا فلا يجوز؛ لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان؛ قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة:2]".

هذا؛ وإن كان الأفضل والأكمل أن يتعلم المسلم ما يعود عليه بالنفع، وتعلم تلك القوانين لا نفع فيها،، والله أعلم.