الصبح (1)) إنكار أن يستعمل شيء من ألفاظ الأذان في غير محله، كما كره مالك التلبية في غير الحج لا ...
الصبح (1)) إنكار أن يستعمل شيء من ألفاظ الأذان في غير محله، كما كره مالك التلبية في غير الحج لا أنَّه إنشاء من عمر لحكمها، وموضعها بأذان الصبح قبل التكبير الأخير بينه وبين حي على الفلاح. مرجع الشهادتين يعني أن الأذان ترجع فيه الشهادتان أي تعاد كل كلمة منهما مرتين كما أتى بهما قبل ذلك مثناتين، فقوله: "مرجع" بفتح الجيم مشددا، خبر ثان. كما في الشبراخيتي. وغيره؛ أي وهو مثنى مرجع الشهادتين. والشهادتان هما: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، ومعنى أشهد: أتحقق، وأتيقن ومعنى حي: هلموا؛ بمعنى: أقبلوا وأسرعوا، ومعنى الفلاح: الفوز بالنعيم في الآخرة.
* وسئل بعض الحكماء عن الحكمة في تعاطف كلمتي الشهادة في التشهد وعدم تعاطفهما في الأذان، فأجاب بأن الجمل في الأذان بينها كمال الاتصال؛ لأنَّ كل جملة من جمل الأذان متضمنة معنى أدعو إلى الصلاة، فكانت كجمل التوكيد، فلهذا لم تتعاطف جمله. والتشهد بخلاف ذلك، وإنما هما فيه للإقرار بالتوحيد والرسالة.
*قال جامعه عفا الله عنه: وهذا الذي قاله هذا الفاضل حسن جدًا. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأوّل: حكم الترجيع السنية فلا يبطل الأذان بتركه، فقول الأبي: مقتضى مذهبنا ركنيته، فيبطل الأذان بتركه، غير ظاهر.
الثاني: حكمة الترجيح إغاظة الكفار؛ لأنَّ أبا محذورة - رضي الله عنه - أخفى صوته بهما حياء من قومه لما كان عليه من شدة بغضه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتهييجه الناس عليه، ولم ينتف بانتفاء سببه كالرمل في الحج. ويطلب من المؤذن المتعدد على المعروف، *وحكى المازري عن مالك قولًا أنهم إذا كثروا يرَجَّع الأوّل خاصة.
الثالث: إن ترك الترجيع فإن ذكر بالقرب أعاده وما بعده فإن طال صح أذانه ولم يعد شيئًا. وقوله: "مرجع الشهادتين" خالف في ذلك أبو حنيفة محتجا بأن سببه إغاظة المشركين بالشهادتين، وأمره عليه الصلاة والسلام أبا محذورة بالإعادة للتعليم، وأنه كان شديد البغض له عليه الصلاة والسلام، فلما أسلم وأخذ في الأذان ووصل إلى الشهادتين أخفى صوته حياء من
__________
(1) الموطأ، كتاب الصلاة، رقم الحديث: 156.
.
.
حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بين العلم، والمال، والملك، فاختار العلم؛ فأعطى المال، والملك، والحكمة.
وسُئل ابن المبارك [ق/ 2 ب] عن خبر الناس؛ قال: العلماء، فقيل له: ومن الملوك؟ فقال: الزهاد، فقيل له: ومن السّفَلَة؟ فقال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي تميز الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان لما هو شريف لأجله، وليس ذلك لقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، [ولا] (1) لعظمته، فإن الليل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع؛ بل لم يخلق إلا للعلم.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدْرَكَ من فاته العلم، وأي شيء فات من أَدْرَكَ العلم.
وقال فتح الموصلي رضي الله عنه: أليس المريض إذا مُنع الطعام، والشراب ثلاثة أيام يموت؟ قالوا: نعم، قال: [و] (2) كذلك القلب؛ إذا مُنع العلم، والحكمة ثلاثة أيام يموت.
ولقد صدق؛ فإن غذاء القلوب العلم والحكمة، وبه حياته كما أن غذاء الجسم الطعام والشراب، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم لا يشعر به؛ لانهماكه في الدنيا وبحبه إياها؛ بل بطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد يبطل إحساس ألم [الجراح] (3) في الحال، وإن كان واقعًا، فإذا حَطَّ الموت عنه إعياء الدنيا أحس بهلاكه، وتحسر تحسرًا لا ينفعه كما أن الخائف والمغشى عليه إذا استفاق من غشيته أو من خوفه [أحس] (4) بألم ما وقع
__________
(1) في أ: لا.
(2) سقط من أ.
(3) في أ: الجرح.
(4) في أ: فحسن.
* وسئل بعض الحكماء عن الحكمة في تعاطف كلمتي الشهادة في التشهد وعدم تعاطفهما في الأذان، فأجاب بأن الجمل في الأذان بينها كمال الاتصال؛ لأنَّ كل جملة من جمل الأذان متضمنة معنى أدعو إلى الصلاة، فكانت كجمل التوكيد، فلهذا لم تتعاطف جمله. والتشهد بخلاف ذلك، وإنما هما فيه للإقرار بالتوحيد والرسالة.
*قال جامعه عفا الله عنه: وهذا الذي قاله هذا الفاضل حسن جدًا. والله سبحانه أعلم.
تنبيهات: الأوّل: حكم الترجيع السنية فلا يبطل الأذان بتركه، فقول الأبي: مقتضى مذهبنا ركنيته، فيبطل الأذان بتركه، غير ظاهر.
الثاني: حكمة الترجيح إغاظة الكفار؛ لأنَّ أبا محذورة - رضي الله عنه - أخفى صوته بهما حياء من قومه لما كان عليه من شدة بغضه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتهييجه الناس عليه، ولم ينتف بانتفاء سببه كالرمل في الحج. ويطلب من المؤذن المتعدد على المعروف، *وحكى المازري عن مالك قولًا أنهم إذا كثروا يرَجَّع الأوّل خاصة.
الثالث: إن ترك الترجيع فإن ذكر بالقرب أعاده وما بعده فإن طال صح أذانه ولم يعد شيئًا. وقوله: "مرجع الشهادتين" خالف في ذلك أبو حنيفة محتجا بأن سببه إغاظة المشركين بالشهادتين، وأمره عليه الصلاة والسلام أبا محذورة بالإعادة للتعليم، وأنه كان شديد البغض له عليه الصلاة والسلام، فلما أسلم وأخذ في الأذان ووصل إلى الشهادتين أخفى صوته حياء من
__________
(1) الموطأ، كتاب الصلاة، رقم الحديث: 156.
.
.
حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: خُيِّر سليمان بين العلم، والمال، والملك، فاختار العلم؛ فأعطى المال، والملك، والحكمة.
وسُئل ابن المبارك [ق/ 2 ب] عن خبر الناس؛ قال: العلماء، فقيل له: ومن الملوك؟ فقال: الزهاد، فقيل له: ومن السّفَلَة؟ فقال: الذي يأكل بدينه، ولم يجعل غير العالم من الناس؛ لأن الخاصية التي تميز الناس عن سائر البهائم هو العلم، والإنسان إنسان لما هو شريف لأجله، وليس ذلك لقوة شخصه، فإن الجمل أقوى منه، [ولا] (1) لعظمته، فإن الليل أعظم منه، ولا بشجاعته، فإن الأسد أشجع؛ بل لم يخلق إلا للعلم.
وقال بعض الحكماء: ليت شعري! أي شيء أدْرَكَ من فاته العلم، وأي شيء فات من أَدْرَكَ العلم.
وقال فتح الموصلي رضي الله عنه: أليس المريض إذا مُنع الطعام، والشراب ثلاثة أيام يموت؟ قالوا: نعم، قال: [و] (2) كذلك القلب؛ إذا مُنع العلم، والحكمة ثلاثة أيام يموت.
ولقد صدق؛ فإن غذاء القلوب العلم والحكمة، وبه حياته كما أن غذاء الجسم الطعام والشراب، ومن فقد العلم فقلبه مريض وموته لازم لا يشعر به؛ لانهماكه في الدنيا وبحبه إياها؛ بل بطل إحساسه كما أن غلبة الخوف قد يبطل إحساس ألم [الجراح] (3) في الحال، وإن كان واقعًا، فإذا حَطَّ الموت عنه إعياء الدنيا أحس بهلاكه، وتحسر تحسرًا لا ينفعه كما أن الخائف والمغشى عليه إذا استفاق من غشيته أو من خوفه [أحس] (4) بألم ما وقع
__________
(1) في أ: لا.
(2) سقط من أ.
(3) في أ: الجرح.
(4) في أ: فحسن.
