السوفسطائية هم أتباع (بروتاجوراس) الفيلسوف اليوناني الذي قال بالشك على عهد سقراط، و السفسطة ضد ...
السوفسطائية هم أتباع (بروتاجوراس) الفيلسوف اليوناني الذي قال بالشك على عهد سقراط، و السفسطة ضد الثبات في المعاني؛ و مع النسبية،و هم قوم يُنسبون حقيقة إلى رجل يقال له (سوفسطا).
انقسمت هذه الفرقة إلى ثلاثة فِرق :
* العنادية : و هم الذين أنكروا حقائق الأشياء؛ و قالوا بأنها وهم لا حقيقة.
* اللا أدرية : و هم الذين يقولون بالشك المطلق؛ و أن الشيء ثابت و غير ثابت، و دواء هذا اللا أدري أن تضربه على رأسه فيتأوه فعندئذ يعلم بأنه لا وهم.
* العندية : و هم القائلون بالنسبية في المعاني، فالكذب حق عندي و باطل عندك، و هكذا حسبما تبرره الغاية.
هؤلاء زعموا أن الأشياء لا حقيقة لها، و أن ما يستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده، و يجوز أن يكون على غير ما نشاهده.
سؤال لهؤلاء :
لمقالتكم هذه حقيقة أم لا ؟!
١- فإن قلتم : لا حقيقة لها و جوزتم عليها البطلان؛ فكيف يجوز أن تدعو إلى ما لا حقيقة له؟!
فكأنما تقرون بهذا القول أنه لا يحل قبول قولكم.
٢- و إن قلتم : لها حقيقة، فقد تركتم مذهبكم.
رأيت كثيرا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا بينا؛ لأنهم ناظروهم و جادلوهم و راموا بالحِجاج و المناظرة الرد عليهم ،و هم لم يثبتوا حقيقة و لا أقروا بمشاهدة.
كيف تكلم من يقول : لا أدري أيُكلمني أم لا ؟!
و كيف تناظر من يزعم أنه لا يدري أموجود هو أم معدوم؟!
و كيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في الإبانة و أن الصحيح بمنزلة الفاسد ؟!
إنما يناظر من يقر بضرورة أو يعترف بأمر فيجعل ما يقر سببا إلى تصحيح ما يجحده، فأما من لا يقر بذلك فمجادلته مطروحة.
رد على كلامهم أبو الوفاء بن عقيل فقال :" إن أقواما قالوا : كيف نكلم هؤلاء و غاية ما يمكن المجادل أن يقرب المعقول إلى المحسوس؛ و يستشهد بالشاهد فيستدل به على الغائب ،و هؤلاء لا يقولون بالمحسوسات فبم يكلمون؟ قال : و هذا كلام ضيق العطن، و لا ينبغي أن يوئِس من معالجة هؤلاء؛ فإن ما اعتراهم ليس أكثر من الوسواس، و لا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم، فإنهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج؛ و ما مَثلنا و مثلهم إلا كرجل رُزق ولدا أحول فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتى إنه لم يشك أن في السماء قمرين، فقال له أبوه : القمر واحد، و إنما السوء في عينيك، غض عينك الحولاء و انظر، فلما فعل قال : أرى قمرا واحدا لأني عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما؛ فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال أبوه : إن كان ذلك كما ذكرت فغض الصحيحة ففعل فرأى قمرين؛ فعلم صحة ما قال أبوه ".
مات ابن لصالح بن عبد القدوس، فمضى إليه أبو الهُذيل و معه النّظام و هو غلام حدث كالمتوجع له، فرآه منحرفا فقال له أبو الهذيل : لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع.
فقال له صالح : يا أبا الهذيل!! إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك.
فقال له أبو الهذيل : و ما كتاب الشكوك؟!
قال : هو كتاب وضعتُه؛ من قرأه يشك فيما قد كان حتى يتوهم أنه لم يكن، و فيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان.
فقال له النّظام : فشُكّ أنت في موت ابنك و اعمل على أنه لم يمت، و إن كان قد مات فشُك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب و إن كان لم يقرأه.
حكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره، فأمر المتكلم بأخذ دابته، فلما خرج لم يرها ،فرجع فقال : سُرقت دابتي ،فقال : ويحك!! لعلك لم تأت راكبا، فقال : بلى ! قال : فكر ،قال : هذا أمر أتيقنه، فجعل يقول له تذكر، فقال : ويحك! ويحك! ما هذا موضع تذكر؛ أنا لا أشك أنني جئتُ راكبا، قال : فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء؛ إن حال اليقظان كحال النائم؟!
فوجم السوفسطائي و رجع عن مذهبه.
و زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا، و يجده غيره حلوا.
قالوا : و كذلك العالَم قديم عند من اعتقد قِدمه، محدَث عند من اعتقد حدوثه، و اللون جسم عند من اعتقده جسما، و عرض عند من اعتقده عرضا.
قالوا : فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد.
و هؤلاء هم الفلاسفة من جنس السوفسطائية.
نقول لهم : أقولكم صحيح؟!
سيقولون : هو صحيح عندنا باطل عند خصمنا.
نقول لهم : دعواكم صحة قولكم مردودة؛ و إقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم، و من شهد على قولهم بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه.
نقول لهم : أتُثبتون للمشاهدة حقيقة؟!
١- فإن قالوا : لا! لحقوا بالأولين.
٢- و إن قالوا : حقيقتها على حسب الإعتقاد؛ فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها و صار الكلام معهم كالكلام مع الأولين.
منهم من قال : إن العالَم في ذوب و سيلان.
و منهم من قال : لا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين لتغير الأشياء دائما.
قلتُ : كيف علم هذا و قد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم؟! و ربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه.
⛔ بعض المراجع للإستزادة :
١- الآراء و الديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي.
٢- مدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي.
٣- التعريفات للجرجاني.
٤- تلبيس إبليس للإمام جمال الدين ابن الجوزي.
انقسمت هذه الفرقة إلى ثلاثة فِرق :
* العنادية : و هم الذين أنكروا حقائق الأشياء؛ و قالوا بأنها وهم لا حقيقة.
* اللا أدرية : و هم الذين يقولون بالشك المطلق؛ و أن الشيء ثابت و غير ثابت، و دواء هذا اللا أدري أن تضربه على رأسه فيتأوه فعندئذ يعلم بأنه لا وهم.
* العندية : و هم القائلون بالنسبية في المعاني، فالكذب حق عندي و باطل عندك، و هكذا حسبما تبرره الغاية.
هؤلاء زعموا أن الأشياء لا حقيقة لها، و أن ما يستبعده يجوز أن يكون على ما نشاهده، و يجوز أن يكون على غير ما نشاهده.
سؤال لهؤلاء :
لمقالتكم هذه حقيقة أم لا ؟!
١- فإن قلتم : لا حقيقة لها و جوزتم عليها البطلان؛ فكيف يجوز أن تدعو إلى ما لا حقيقة له؟!
فكأنما تقرون بهذا القول أنه لا يحل قبول قولكم.
٢- و إن قلتم : لها حقيقة، فقد تركتم مذهبكم.
رأيت كثيرا من المتكلمين قد غلطوا في أمر هؤلاء غلطا بينا؛ لأنهم ناظروهم و جادلوهم و راموا بالحِجاج و المناظرة الرد عليهم ،و هم لم يثبتوا حقيقة و لا أقروا بمشاهدة.
كيف تكلم من يقول : لا أدري أيُكلمني أم لا ؟!
و كيف تناظر من يزعم أنه لا يدري أموجود هو أم معدوم؟!
و كيف تخاطب من يدعي أن المخاطبة بمنزلة السكوت في الإبانة و أن الصحيح بمنزلة الفاسد ؟!
إنما يناظر من يقر بضرورة أو يعترف بأمر فيجعل ما يقر سببا إلى تصحيح ما يجحده، فأما من لا يقر بذلك فمجادلته مطروحة.
رد على كلامهم أبو الوفاء بن عقيل فقال :" إن أقواما قالوا : كيف نكلم هؤلاء و غاية ما يمكن المجادل أن يقرب المعقول إلى المحسوس؛ و يستشهد بالشاهد فيستدل به على الغائب ،و هؤلاء لا يقولون بالمحسوسات فبم يكلمون؟ قال : و هذا كلام ضيق العطن، و لا ينبغي أن يوئِس من معالجة هؤلاء؛ فإن ما اعتراهم ليس أكثر من الوسواس، و لا ينبغي أن يضيق عطننا عن معالجتهم، فإنهم قوم أخرجتهم عوارض انحراف مزاج؛ و ما مَثلنا و مثلهم إلا كرجل رُزق ولدا أحول فلا يزال يرى القمر بصورة قمرين، حتى إنه لم يشك أن في السماء قمرين، فقال له أبوه : القمر واحد، و إنما السوء في عينيك، غض عينك الحولاء و انظر، فلما فعل قال : أرى قمرا واحدا لأني عصبت إحدى عيني فغاب أحدهما؛ فجاء من هذا القول شبهة ثانية، فقال أبوه : إن كان ذلك كما ذكرت فغض الصحيحة ففعل فرأى قمرين؛ فعلم صحة ما قال أبوه ".
مات ابن لصالح بن عبد القدوس، فمضى إليه أبو الهُذيل و معه النّظام و هو غلام حدث كالمتوجع له، فرآه منحرفا فقال له أبو الهذيل : لا أعرف لجزعك وجها إذا كان الناس عندك كالزرع.
فقال له صالح : يا أبا الهذيل!! إنما أجزع عليه لأنه لم يقرأ كتاب الشكوك.
فقال له أبو الهذيل : و ما كتاب الشكوك؟!
قال : هو كتاب وضعتُه؛ من قرأه يشك فيما قد كان حتى يتوهم أنه لم يكن، و فيما لم يكن حتى يظن أنه قد كان.
فقال له النّظام : فشُكّ أنت في موت ابنك و اعمل على أنه لم يمت، و إن كان قد مات فشُك أيضا في أنه قد قرأ الكتاب و إن كان لم يقرأه.
حكى أبو القاسم البلخي أن رجلا من السوفسطائية كان يختلف إلى بعض المتكلمين فأتاه مرة فناظره، فأمر المتكلم بأخذ دابته، فلما خرج لم يرها ،فرجع فقال : سُرقت دابتي ،فقال : ويحك!! لعلك لم تأت راكبا، فقال : بلى ! قال : فكر ،قال : هذا أمر أتيقنه، فجعل يقول له تذكر، فقال : ويحك! ويحك! ما هذا موضع تذكر؛ أنا لا أشك أنني جئتُ راكبا، قال : فكيف تدعي أنه لا حقيقة لشيء؛ إن حال اليقظان كحال النائم؟!
فوجم السوفسطائي و رجع عن مذهبه.
و زعمت فرقة من المتجاهلين أنه ليس للأشياء حقيقة واحدة في نفسها، بل حقيقتها عند كل قوم على حسب ما يعتقد فيها، فإن العسل يجده صاحب المرة الصفراء مرا، و يجده غيره حلوا.
قالوا : و كذلك العالَم قديم عند من اعتقد قِدمه، محدَث عند من اعتقد حدوثه، و اللون جسم عند من اعتقده جسما، و عرض عند من اعتقده عرضا.
قالوا : فلو توهمنا عدم المعتقدين وقف الأمر على وجود من يعتقد.
و هؤلاء هم الفلاسفة من جنس السوفسطائية.
نقول لهم : أقولكم صحيح؟!
سيقولون : هو صحيح عندنا باطل عند خصمنا.
نقول لهم : دعواكم صحة قولكم مردودة؛ و إقراركم بأن مذهبكم عند خصمكم باطل شاهد عليكم، و من شهد على قولهم بالبطلان من وجه فقد كفى خصمه بتبيين فساد مذهبه.
نقول لهم : أتُثبتون للمشاهدة حقيقة؟!
١- فإن قالوا : لا! لحقوا بالأولين.
٢- و إن قالوا : حقيقتها على حسب الإعتقاد؛ فقد نفوا عنها الحقيقة في نفسها و صار الكلام معهم كالكلام مع الأولين.
منهم من قال : إن العالَم في ذوب و سيلان.
و منهم من قال : لا يمكن الإنسان أن يتفكر في الشيء الواحد مرتين لتغير الأشياء دائما.
قلتُ : كيف علم هذا و قد أنكرتم ثبوت ما يوجب العلم؟! و ربما كان أحدكم الذي يجيبه الآن غير الذي كلمه.
⛔ بعض المراجع للإستزادة :
١- الآراء و الديانات لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي.
٢- مدخل إلى دراسة علم الكلام للدكتور حسن الشافعي.
٣- التعريفات للجرجاني.
٤- تلبيس إبليس للإمام جمال الدين ابن الجوزي.
