ثم إن بعض الحكماء جعل الهداية أربعة أقسام: أولها: هداية الوجدان والإلهام الفطري، وهذه تكون للأطفال ...

ثم إن بعض الحكماء جعل الهداية أربعة أقسام:
أولها: هداية الوجدان والإلهام الفطري، وهذه تكون للأطفال فإنهم عندما يولدون، يهديهم الله إلى الشعور بألم الحاجة إلى الغذاء، فيصرخ طالبًا الثدي بفطرته، فإذا وصل إليه امتصه والتقمه.
والثانية: هداية الحواس والمشاعر، هما من متممات الهداية الأولى في الحياة الحيوانية، وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان الأعجم، إلا أنها تكون للحيوانات العجم كاملة بالنسبة لاستعداده بزمن قليل، وتكون للإنسان بالتدريج في زمن غير قصير، وما ذلك إلا لأنه مستعد للوصول إلى الكمالات فلا يقف عند حد، فلذلك تزداد فيه كلما ازداد عقلًا وإدراكًا، إلا أن عقله أكثر نموًا منها، ولذلك كثيرًا ما يغلط الحس.
والثالثة: هداية العقل، وهي للإنسان، لأنه ما خلق ليعيش منفردًا، بل خلق ليعيش مجتمعًا، ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية، كما أُعطي النحل والنمل، فكان كل واحد مؤديًا وظيفة العمل للجميع، ووظيفة العمل للواحد، كما هو مشاهد، فمن ثم أعطى الله الإنسان هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، ألا وهي العقل المصحح لغلط الحواس والمشاعر، فإذا أدركت الحواس شيئًا وأخطات في إدراكها له، قام العقل حاكمًا بفساد ذلك الإدراك.
والرابعة: هداية الدين، وهي المهيمنة على الكل، لأن العقل قد يغلط أيضًا، وربما يهوي في دركات الزلل، لتسلط القوة الشهوانية عليه، وحكم العادة عليه أيضًا، فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، وصار العقل رفيقًا للحظوظ استنبط لها أنواع الحيل، واسترسل في ذلك استرسالًا يمنع الإنسان من أن يعيش سعيدًا، لأن هذه الحظوظ والأهواء ليس لها حدّ تقف عنده، ولا يمكن صاحبها أن يعيش منفردًا، فتستطيل يده بالتعدي على مال غيره وعلى نفسه، فتحصل المدافعة والمجادلة، والمواثبة، والحروب، والسلب والنهب، حتى يكاد الجنس
البشري يفني بعضه بعضًا، ولا تغني عنهم هدايات الوجدان والحواس شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم إذا غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أُودع في غرائز الإنسان، الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته من تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة التي هي الدين؛ وقد منحه الله تعالى إياها.
وبقي بعد هذا هداية خامسة، وهي الإعانة والتوفيق، والسير في طريق مع الهداية الرابعة التي هي الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإِنسان على رأس الطريقين: المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي كل منهما إليه.
ولما كان العبد محتاجًا إلى تلك المعونة في كل وقت، احتاج أن يطلبها دائمًا من حضرة مفيضها، قائلًا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)} وتقدم أن المقصود من الصراط الأول، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء، والصديقين، وهذا الصراط وإن كان معناه مجملًا في الفاتحة، فهو مفسر في القرآن لمن تدبر معناه، بأن نتتبع تاريخ الأمم السابقة وننظر في أحوالها، فنعلم أسباب سعادتها فنتمسك بها، ونعلم أسباب شقاوتها، ودمارها، وفنائها، فنتباعد عنها لئلا يصيبنا ما أصابهم، وإلى هذا المعنى الإشارة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مر على ديار قوم ثمود أسرع وقال: "لا تمروا على هؤلاء القوم إلا وأنتم باكون" فليس الأمر بالبكاء للحزن عليهم، ولكن مخافة أن نسلك مسالكهم فيصيبنا ما أصابهم.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
top4top.net
اعتزل الشَّرّ كَيْمَا يعتزلك فَإِن الشَّرّ للشر خلق
وَأخرج عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة - يَعْنِي حِكْمَة لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام - يَا بني إياك والرغب كل الرغب فَإِن الرغب كل الرغب [] ينفذ الْقرب من الْقرب وَيتْرك الْحلم مثل [] الرطب يَا بني إياك وَشدَّة الْغَضَب فَإِن شدَّة الْغَضَب ممحقة لفؤاد الْحَكِيم
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن عبيد بن عُمَيْر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِهِ وَهُوَ يعظه: يَا بني اختر الْمجَالِس على عَيْنك فَإِذا رَأَيْت الْمجْلس يذكر الله عز وَجل فِيهِ فاجلس مَعَهم فَإنَّك إِن تَكُ عَالما ينفعك علمك وَإِن تَكُ غبياً يعلموك وان يطلع الله عز وَجل إِلَيْهِم برحمة تصبك مَعَهم يَا بني لَا تجْلِس فِي الْمجْلس الَّذِي لَا يذكر فِيهِ الله فَإنَّك إِن تَكُ عَالما لَا ينفعك علمك وَإِن تَكُ عَيِياً يزيدوك عياً وان يطلع الله إِلَيْهِم بعد ذَلِك بسخط يصبك مَعَهم وَيَا بني لَا يغيظنك امْرُؤ رحب الذراعين يسفك دِمَاء الْمُؤمنِينَ فَإِن لَهُ عِنْد الله قَاتلا لَا يَمُوت
وَأخرج عبد الله فِي زوائده عَن أبي سعيد رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ لُقْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِهِ: لَا يَأْكُل طَعَامك إِلَّا الأتقياء وشاور فِي أَمرك الْعلمَاء
وَأخرج أَحْمد عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه قَالَ: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة - يَعْنِي حِكْمَة لُقْمَان - لتكن كلمتك طيبَة وَليكن وهجك بسيطاً تكن أحب إِلَى النَّاس مِمَّن يعطيهم الْعَطاء وَقَالَ: مَكْتُوب فِي التَّوْرَاة كَمَا تَرحمون تُرحمون
وَقَالَ: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة: كَمَا تَزْرَعُونَ تَحْصِدُون
وَقَالَ: مَكْتُوب فِي الْحِكْمَة: أحب خَلِيلك وخليل أَبِيك
وَأخرج أَحْمد عَن أبي قلَابَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قيل للقمان عَلَيْهِ السَّلَام: أَي النَّاس أَصْبِر قَالَ: صَبر لَا مَعَه أَذَى
قيل: فَأَي النَّاس أعلم قَالَ: من ازْدَادَ من علم النَّاس إِلَى علمه
قيل فَأَي النَّاس خير قَالَ: الْغَنِيّ
قيل: الْغَنِيّ من المَال قَالَ: لَا
وَلَكِن الْغَنِيّ إِذا التمس عِنْده خير وجدوا لَا أغْنى نَفسه عَن النَّاس
وَأخرج أَحْمد عَن سُفْيَان رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قيل للقمان عَلَيْهِ السَّلَام: أَي النَّاس شَرّ قَالَ: الَّذِي لَا يُبَالِي أَن يرَاهُ النَّاس مسيئاً