مفهوم العمل الجماعي وأهميته الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنعم على عباده المؤمنين ...

مفهوم العمل الجماعي وأهميته
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، الذي أنعم على عباده المؤمنين بالهداية والاعتصام بحبله المتين, وجمعهم على الحق، ووقاهم شر التشاحن، وذل التخاذل، ومَنَّ عليهم بالإخاءِ والألفةِ والتعاونِ على البر والتقوى، وجنَّبهم الاختلافَ والفرقة.
أحمدُه أن هدانا لمعرفة الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله لبيان سبيله الموصلة إليه، والتحذير من سلوك سبل الضلال، فجمع به القلوبَ بعد الفرقة، وأعز به بعد الذلة. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
مع أن مبدأ العمل الجماعي قد صار حديث العصر كسبب رئيسي ومهم وأوَّلي للنجاح في كل ميدان, ومرتبطٍ بكل نهضة, ويشرق مع شمس كل تقدم سياسي عسكري اقتصادي رياضي, حتى صار من أبجديات الشركات الرائدة, ومن مسلَّمات الدول المتطورة, إلا أنه ما زال غائبا عن كثير من المسلمين خاصة الدعاةَ والمعلمين والقضاةَ والعلماءَ والمجاهدين قادة وإداريين, ومن المؤسف حقاً أن يكون هذا الغياب غياب أفعال لا أقوال, فمع أن معظم من ذكرنا سابقا يدرك أهمية العمل الجماعي كسُنَّة كونية وفريضة شرعية, بل يَنصح به ويُعلن أنه يتبناه, إلا أنه يتجاهله لاعتبارات شخصية وأمراض قلبية وحسابات وهمية لم ترجع على هذه الأمة إلا بمزيد من التراجع والهزيمة, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
مفهوم العمل الجماعي بالمعنى الشرعي:
تعاون أبناء الأمة المسلمة الواحدة أفراداً وجماعات تعاوناً يتكامل فيه عملُهم, وتتكاتف فيه جهودُهم, ما داموا مخلصين في عملهم, وليس في منهجهم ما يخالف الإسلام –لا أن يتنافسوا ويتعادوا- ويرى كلُ فرد أو ترى كلُ جماعة لنفسها الحق في الوجود, وتحكم على غيرها بالخروج عن الجماعة.
وأن يؤدي هذا التعاون في النهاية إلى خدمة الأمة المسلمة والرقي بها مما يحقق مصلحتها ومصلحةُ أفرادها في العزة والقوة والمنعة, بحيث يتم معالجةُ الأمراض والمشكلات-والتي هي سبب تفرق المسلمين- ومجاوزةُ نقاط الخلاف إلى أمور كثيرة تجمع المسلمين, ليكونوا في النهاية كياناً واحداً متعاوناً على البر والتقوى.
أهمية العمل الجماعي:
تأتي أهمية الموضوع خاصة في هذا العصر الذي تداعت فيه الأمم على أمتنا الإسلامية من كل حدب وصوب لردعها عن دينها, وفصلها عن هويتها, وسلخها من عقيدتها إلى الكفر والزندقة والإلحاد, وسلخها عن شريعتها, وذلك لسببين:
1_ ما نشاهده من التعاون في كل المجالات من قبل اليهود والنصارى, ومن نسج نسجهم على حرب الإسلام وأهله بكل الوسائل وتوظيفها لهدم بناء الإسلام الشامخ.
2_ وجود التعاون بين التيارات الفكرية النشطة في مجتمع الإسلام والمسلمين من علمانية وشيوعية واشتراكية وقومية وحداثة وتحررية وغيرها من المذاهب والتيارات الفكرية التي تعادي الفكر الإسلامي النير.
لاجتماع هذين السببين كان لزاماً على أصحاب الدعوة الإسلامية أن يكونوا قلباً واحداً لمواجهة الخطر الزاحف على عقائد وشرائع الإسلام.
قال تعالى في سورة التوبة:
{وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١}[سورة التوبة:71]
وقبل هذه الآية بآيات وردت آية تتحدث عن المنافقين والمنافقات, كيف يجتمعون على الإفساد:
{ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧}[سورة التوبة:67]
والمعنى فكما أن المنافقين والمنافقات والفاسقين والفاسقات, والفاسدين والفاسدات يجتمعون على إفساد المجتمع ونشر المنكرات فيه, فيجب على الصالحين والصالحات والعابدين والعابدات, والخيرين والخيرات أن تجتمع جهودهم بشكل منظم يحقق رسالة الإصلاح بإشاعة الخير والصلاح في المجتمع.
والقاعدة الفقهية تقول: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". ومن المؤكد أن خدمة الإسلام في هذا العصر، والمحافظة على كيان أمته، والعمل لإقامة دولته، لا يمكن أن يتم بجهود فردية متناثرة هنا وهناك، بل لا بد من عمل جماعي يضم القوى المتشتتة، والجهود المبعثرة والطاقات المعطلة، ويجند الجميع في صف منتظم، يعرف هدفه، ويحدد طريقه.

الكاتب: محمد سامر