والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد ...

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض


ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد يوم صحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية -مبكّرا- في مفاصلتها لمحاور المشركين كافة، وتبعًا لذلك صحة الموقف الشرعي والحكم الذي اتخذته تجاه هذه المحاور والأنظمة المختلفة المرتبطة بقضية الشام، والذي استقته -قطعا- من منهاج النبوة الأصيل الذي ما زالت توالي وتعادي عليه بفضل الله تعالى.

فمنذ بداية القتال في الشام، انفردت الدولة الإسلامية بموقفها الواضح البيّن من جميع الحكومات المرتدة التي تورطت في الساحة السورية، ووضعتها في خانة واحدة وأسقطت عليها حُكمًا واحدًا ولم تفرّق بين طاغوت وآخر، فرأت -بنور الله تعالى وهدايته- أبعد بكثير ممّا رآه الذين تنكّبوا طريق الأنبياء ولو تسمّوا بأسمائهم.

نستذكر هذا الكلام اليوم، ونحن نرى بداية تهافت طواغيت العرب نحو "إعادة العلاقات إلى طبيعتها" مع النظام النصيري المرتد، والذي انقسموا نحوه سابقًا إلى فريقين؛ فريق تحالف معه، وآخر ادّعى بأنه مُعارِض له "صديق للشعب السوري"، ليتضح لاحقا أن كلا الفريقين واحد تحكمه مصالحه وحسب، في حين أمضت فصائل صحوات الردة في الشام سنوات طويلة تعزف على أنغام هذا "الوهم" متوكلةً على هذه الأنظمة والمحاور، مستعينةً بها في صراعها مع النظام النصيري، متهمين الدولة الإسلامية بـ"التهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة"!

إنّ ما جرى في الآونة الأخيرة مِن زيارات واتصالات بين بعض الدول العربية مع النظام النصيري ما هو إلا مناورة تولّت كبرها هذه الأنظمة المرتدة تمهيدًا وإفساحًا للطريق أمام أخواتها لمدّ جسور العلاقة مع النظام النصيري مجددًا، لإعادته إلى "الحضن العربي"!.

ما جرى قد لا يكون سوى البداية وما خفي منه أعظم، لكن كل ذلك سرعان ما سيطفو على السطح قريبا، ويصبح "أمرا واقعا" تنقاد له الحكومات المرتدة، وتنقاد تبعًا لها أيضا فصائل وصحوات الردة التي عقدت الولاء لكثير من هذه الحكومات في الخفاء.

في أروقة السياسة والسياسيين لن تجد سوى تفسير واحد لذلك وهو "المصلحة الاقتصادية" و"التقلبات السياسية" التي استجدت على الساحة بعد بقاء النظام النصيري على رأس الحكم بفضل الدعم الروسي والإيراني، وخيانة الصحوات.

لكن أحدا لن يفسّر ذلك تفسيرا شرعيا عقديا ويقول إن ما جرى باختصار هو نموذج حيٌّ عمليٌّ على أن "ملة الكفر واحدة"، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الأنفال: 73]، قال أبو جعفر -رحمه الله- مفسّرا الآية: "إنّ بعضهم -أي الكافرين- أنصار بعض دون المؤمنين". فالكافرون في هذا الزمان وكل زمان بعضهم أولياء وحلفاء وأنصار بعض في حربهم ضد المسلمين.

ولقد أوضح الخليفة أبو بكر البغدادي -رحمه الله- حقيقة هذه الأنظمة والحكومات المرتدة، سواء منها الموالية للنظام أو تلك التي تدعي محاربته فقال الشيخ: "أما أنتم يا أهلنا في الشام: فلكم الله لكم الله، الجميع يتاجر بكم، والكل ينهش فيكم، متسابقًا للصعود على أكتافكم، بل أشلائكم!، فحسبكم الله، حسبكم الله؛ النصيرية تسفك دماءكم وتنتهك أعراضكم وتهدّم بيوتكم، بزعم قتال الإرهاب لحمايتكم!، اليهود والصليبيون يتآمرون على الإسلام، ويكيدون للمجاهدين ويحاربونهم، متباكين عليكم، متاجرين بدمائكم وقضيتكم، الطواغيت من حكام بلاد المسلمين: يشترون الذمم، ويجنّدون الأذناب، ويصنعون الأتباع، بزعم إغاثتكم!، اللصوص والسّرّاق وقطاع الطرق: ينهبون أموالكم وخيراتكم، ويمصون دماءكم، باسمكم وزعم نصرتكم والدفاع عنكم وحمايتكم".

واليوم يرى العالم بأسره هذه الحقيقة ممثلة بجهود طواغيت العرب الرامية لإعادة النظام النصيري إلى ما يسمّونها "جامعة الدول العربية" ولتذهب دماء أطفال الشام أدراج الرياح!

ومن الأمثلة الأخرى على تولّي الكافرين لبعضهم وأنهم ملة واحدة، زيارة الطاغوت "بن زايد" للطاغوت "أردوغان" والتي فسّرها "السياسيون" أيضًا بلغة "المصالح والأزمات الاقتصادية" بينما أتعب المرقّعون للطاغوت "أردوغان" أنفسهم في محاولة تبرير هذه الزيارة والتقارب بين محور "الموالاة" لليهود مع محور "المقاومة" زعموا!، وليس من قبيل الصدفة أن يكون طواغيت دويلة الإمارات هم أول المبادرين إلى زيارة الطاغوت بشار وتهيئة الأجواء لعودة العلاقات معه، فما الفرق بينهم إذا؟!

إن الدولة الاسلامية لم تفرّق بين جميع هذه "المحاور" ولم تنخدع بها يوما، ولم تُسلسل "السلاسل" وتدشّن "الحلقات" في التحذير من طاغوت والإمساك عن آخر!، وتقسيم الطواغيت الكافرين وتصنيفهم إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان، كما يفعل قادة ومخرِّفوا الجماعات والتنظيمات التي غرقت في الوحل!لقد تحالف "أصدقاء الثورة" و"أصدقاء النظام" وكل هذه المحاور في حلف واحد ضد الدولة الإسلامية، وشاركوا بكل ما يستطيعون وحشدوا أحباشهم وأوباشهم لإسقاط حكم الشريعة الذي أقامته الدولة الإسلامية بعد سنوات من تعطيل الشريعة وغيابها عن واقع المسلمين وأذهانهم، بينما ينشغل البعض بمحاولة التفريق بين هذه المحاور!

أما جنود الدولة الإسلامية وكماتها الأبطال في الشام فقد شغلوا أنفسهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم فأضرموا نار الغارات وأداروا رحى المعمعات ضد النصيرية جيشا وميليشيات، ولم يشغلوا أنفسهم بالسراب الذي تحسبه ظمأى الصحوات ماء! وكيف يجد الماء من ترك معين الكتاب والسنة الذي لا ينضب وانكب على وجهه لاهثا خلف وعود الأنظمة والمخابرات، تائها في لعبة المحاور والاصطفافات، التي تتساوى فيها الأحزاب والحكومات وتتشابه فيها المصائر والنهايات!

إن جنود الخلافة في بوادي الشام فعلوا ما أمرهم به الله تعالى في الآية التي تقدّم تفسيرها، فكفاهم الله هذه "الفتنة" ووقاهم هذا "الفساد الكبير" الذي اجتاح الفصائل والجماعات، فساد في الاعتقاد والمنهج والتطبيق، قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال الطبري: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض". وهل هناك أعظم فتنة من الشرك؟! وهل هناك واجب أعظم وآكد من التعاون والنصرة على الدين، على الولاء والبراء على المفاصلة التامة بين معسكر التوحيد ومعسكر الشرك والتنديد؟

وفي الختام نذكر المسلمين في الشام أن يتعظوا ويعتبروا مِن كلِّ هذه التجارب، وأن لا يُكرِّروا الوقوع في نفس الحُفر، وأن يعرفوا صديقهم مِن عدوهم، فيكونوا عونًا للمجاهدين، وليبْشروا فإنّ جنود الخلافة عازمون بإذن الله تعالى على إذكاء جذوة الجهاد في شام الإيمان والتمحيص حتى ينزل الروم بدابق، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، والله لا يخلف الميعاد.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ