مقال: الغنيمة الباردة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع ...

مقال: الغنيمة الباردة


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد.

فمن توفيق الله لعبده المؤمن أن يعلم أنه وُجد في هذه الدنيا لطاعة ربّه وعبادته، وأن داره ومستقره في الآخرة، فهمُّه كيف يُزيّن جنته وكيف يُعلي درجته، وكلما مرّ عليه موسم من مواسم الطاعة شمّر، ومِن رحمة الله بعباده المؤمنين أن قدّر لهم مواسم عبادات يتقرّبون فيها إليه سبحانه، ليغتنموا أوقاتها بالأعمال الصالحة وينالوا رضاه.

ومِن هذه المواسم فصل الشتاء فهو بستان العابدين، وربيع المؤمنين، فبه كانوا يستبشرون، ومما يُحزنهم من الدنيا يفارقون، والغنيمة الباردة لأهل الآخرة كما جاء في شرح الأحوذي: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء؛ لوجود الثواب بلا تعب كثير، وفي الفائق: الغنيمة الباردة هي التي تجيء عفوا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاء، وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد... والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسّه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم".


• الشتاء غنيمة العابدين

فمن تيسير الله لعباده أن ليل الشتاء طويل؛ فنومٌ أوله أو بعضه وقيامٌ آخره، فيطول وقت خلوة العابدين بربهم جلّ وعلا، ونهارَه بارد قصير فيسهل الصيام، قال ابن رجب رحمه الله: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنّه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات ويُنْزِّه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: مرحباً بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام، وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا". وقال ابن رجب: "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر". [لطائف المعارف].

وهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال أيضا: "اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر وقيام الليل ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء في حلق الذكر"، و"عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه أنه لما نزل به الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال ما أبكي حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء". [العاقبة في ذكر الموت]

فلأجل هذا كانوا يفرحون بالشتاء رحمهم الله، خلافا لأهل الغفلة الذين يقتلون أوقات الشتاء بالسمر ومجالس القيل والقال والنوم الطويل.


• الشتاء ذكرى للمؤمنين

وفي هذا الموسم عظة وذكرى للمؤمن تزيد من خشيته ربه، إنها "الزمهرير" وشدة البرد، الذي هو من عذاب جهنم، وهو كشدة الحر في الصيف، فيدفعه ذلك إلى تذكّر الآخرة وأهوالها، ويحثه على الإكثار من الطاعات، رغبة في الجنة وخوفا من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم". [لطائف المعارف]، وهذا حال المؤمنين الذين حيِيَت قلوبهم، فنعيم الدنيا يذكّرهم نعيم الجنة، وعذاب الدنيا يذكّرهم عذاب النار، فهم مشفقون من الآخرة يعيشون بين الخوف والرجاء.

قال الله تعالى عن أهل الجنة: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الانسان:١٣]، قال ابن رجب رحمه الله: "فنفى عنهم شدة الحر والبرد". [لطائف المعارف]


• سنن وأدعية في الشتاء

وهناك سنن وأدعية يأخذ بها المؤمن أيام الشتاء، فمنها: "حسر الرأس وبعض الأعضاء" وقت هطول الأمطار، فعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: (اللهم صَيِّبًا نافعًا)، وروي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقُلنا: لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: (إنَّه حديث عهدٍ بربه) [رواه مسلم]، قال الإمام النووي: "معنى (حسر): كشف، أي كشف بعض بدنه، ومعنى (حديث عهد بربه) أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفي هذا الحديث دليل لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه أن يسأله عنه ليعلمه فيعمل به ويعلمه غيره". [شرح النووي]

ومنها: إذا طال وقت هطول المطر وخيف من ضرره، يقول كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر). [متفق عليه]

ومنها: أن يشكر المؤمن ربَّه على نعمته وينسب الخير له سبحانه، فيقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، لما ورد في حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (وأمَّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب). [متفق عليه]


• وصايا ولطائف

ومِن حسن التدبير التزود للبرد بما يقي منه، ونخص بذلك المجاهدين وأهلنا الصابرين الثابتين على الحق في مخيمات الأهوال، روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: "كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية: إن الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارا ودثارا؛ فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه". [لطائف المعارف]

ومن المعلوم أن الناس تَعمَد إلى النار فتصطلي بها من برد الشتاء، لذا وردت أحاديث في النهي عن ترك النار مشتعلة عند النوم، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون) [رواه البخاري]، وعن أبي موسى الأشعري قال: احترق بيتٌ بالمدينة على أهله، فحُدِّث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نِمتُم فأطفئوها عنكم). [رواه البخاري]، وبوّب الإمام البخاري على الحديثين: "باب لا تُترك النارُ في البيت عند النوم"، وحكمةُ النهي هي خشيةُ الاحتراق كما قال الحافظ، ثم قال: "قيّده بالنوم لحصول الغفلة به غالباً، ويُستنبط منه أنه متى وُجِدت الغفلة حصل النهي" [فتح الباري]، وقال القرطبي: "في هذه الأحاديثِ أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يُؤْمَن معه الاحتراق، وكذا إنْ كان في البيت جماعةٌ، فإنّه يتعين على بعضهم، وأَحقُّهم بذلك آخرهم نوماً، فمَن فرّط في ذلك كان للسُّنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً" [التفسير]، قال الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم: "وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون) هذا عامٌ تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأمَّا القناديل المعلَّقة في المساجد وغيرها فإن خِيفَ حريقٌ بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أُمِن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لابأس بها؛ لانتفاء العلة". ونحو هذا المدافئ التي يؤمن منها الإحراق، فإن لم يؤمن فيجب إطفاؤها، والله أعلم.

اللهم جازِ المجاهدين ومَن في حكمهم ورثة آل ياسر، عن الإسلام خير الجزاء، اللهم أطعمهم مِن جوعٍ وآمِنهم مِن خوف، اللهم قِهم برد الشتاء وحر الصيف، اللهم أبدل خوفهم أمنا وضعفهم قوة ولمّ شعثهم وارحمهم رحمة تغنيهم بها عن رحمة مَن سواك، إنك نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ