مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم ...
مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر
الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.
فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]
إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.
وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]
البيعة في العسر واليسر
ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]
• أكلوا أوراق الشجر!
وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]
وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]
• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!
وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]
• جاعوا وخافوا يوم الخندق!
وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]
• جيش العسرة يوم تبوك
وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]
وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]
• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية
أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]
وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!
وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.
وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.
فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".
وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.
فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.
قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]
إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.
وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]
البيعة في العسر واليسر
ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]
• أكلوا أوراق الشجر!
وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]
وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]
• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!
وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]
• جاعوا وخافوا يوم الخندق!
وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]
• جيش العسرة يوم تبوك
وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]
وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]
• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية
أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]
وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!
وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.
وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.
فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".
وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
